12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

البروتينات المرتفعة لا تبني العضلات

كان إذا جلس على الطعام يختار أفضل المواقع، ويدرس أقصر الطرق للوصول إلى مبتغاه، كان يختار بعناية أكثر قطع الطعام دسمًا وأغناها بالشحوم واللحوم، يأكل ويأكل حتى يأتي على الصحون وما حوت، ظل لسنوات - وحتى قبل زيارته للطبيب قبل شهرين - دومًا يفاجئنا بأنه الأرشق ويستدل على ذلك بروز وصلابة عضلاته، كان صاحبنا يعاني مند زمن من مشكلة حصوات الكلى، وأثناء مراجعته لطبيب المسالك البولية، أظهرت الفحوصات المخبرية مستوى عاليًا في مادة الكرياتينين، لقد كان اختبار مستوى الكرياتينين في الدم ينذر بحدوث قصور في وظائف الكلى قد يفضي إلى فشل كلوي!
تشير الدراسات الطبية إلى وجود ارتباط بين استهلاك اللحوم الحمراء وزيادة نسبة الكرياتينين Creatinine في الدم، ويستخدم هذا التشخيص في تحديد كتلة العضلات ووظائف الكلى، فالأشخاص الذين يستهلكون كميات كبيرة من اللحوم الحمراء يلحظ عليهم سمك طيات الجلد وكتلة العضلات نتيجة زيادة الكرياتينين عن المستوى الطبيعي، وهو مؤشر خطير قد يفضي إلى قصور في وظائف الكلى.
حقيقة ما يقال من أن البروتينات المرتفعة أو الحمية المسماة مرتفعة البروتينات وحقيقتها ببناء العضلات أو تخفيض الوزن، أن ما يقال عن ذلك غير صحيح، فتخطيط حمية مرتفعة البروتينات تعتمد على اللحوم والبيض والسمك والدجاج لن يؤدي إلى بناء عضلات أو حرق دهون، وإنما الذي يبني العضلات التمارين الرياضية المسماة بتمارين بناء العضلات، وفي هذه التمارين فإنه يمكن رفع نسبة البروتينات في الأغذية بصورة تدريجية مدروسة يعرفها الخبراء من المتخصصين وتكون معتمدة بصورة أساسية على البروتينات الموجودة في الأغذية فقط، وتؤكد جمعية الحمية الأمريكية (ADA) أن الوجبات المعتمدة على البروتينات بصورة كبيرة تعتبر غير متزنة لأنها ستحرم الجسم من عناصر غذائية أخرى مهمة له ومتوفرة في الحبوب والخضار والفواكه وغيرها، هذا وتحذر الجمعية الشباب من الانسياق وراء الأقوال التجارية، وتؤكد أن زيادة كمية البروتينات التي يتناولها الإنسان قد تكون لها آثار سلبية على الكليتين والكبد لا تظهر إلا بعد مدة زمنية، وفي المقابل فإن اعتماد مثل هذه الوجبات كحمية غذائية يعتبر خطرًا على الصحة.
أسوأ فصول العبث بالقدرات الطبيعية للجسم ميل الشباب لتناول الأدوية والعقاقير والهرمونات التي يمكن إدراجها كمنشطات دونما غرض منافسة رياضية، إذ أن غرضهم تضخيم عضلاتهم، لقد افتتن الشباب بهذه الموضة وأنفق عليها مبالغ طائلة دون أن يدقق عن التداعيات والمخاطر الصحية والنفسية من جراء تناولها. ليس لهذه المنشطات أية فوائد دائمة، بل وقتية، إما لتضخيم العضلات وزيادة قوتها، أو لتخفيض الوزن، أو لتخدير الألم، أو الإحساس بالنشوة والثقة بالنفس، أو لتوليد طاقة غير طبيعية، أو لليقظة والانتباء. إلا أن الأضرار المستدامة التي تتركها هذه المنشطات في الجسم عديدة، وبعضها خطير، قد يفضي إلى مشاكل صحية لا يحمد عقباها.
الاستخدام الواسع للمستحضرات الصيدلانية المساعدة في بناء العضلات مسألة تبدو أكثر تعقيدًا، وغالبًا ما يتسم الحديث عن تلك المستحضرات المنشطة بنبرة مزعجة خصوصًا للمروجبن لها. من هنا فإن التعاطي مع تلك المستحضرات لا بد أن يحمل أكبر كم من المأمونية والسلامة الصحية، حرصًا على صحة الناس، كون هذه المستحضرات المنشطة دخلت على خط الإعلام والتسويق.
كم ارتكبنا من أخطاء وخطايا على حساب صحتنا نتيجة التراكمات السلبية والمضاعفات وأخطرها التأثير على مناعة الجسد، وعلى الرغم من ذلك، شكلت تلك المنشطات قلاعًا ضخمة من المصالح المادية، فنمت شركات ولعبت دورًا مهمًا في تثبيت الهيمنة والتوجيه، بدءًا من مراكز البحث العلمي مرورًا بالتصنيع وانتهاءً بالتسويق والتسعير.
الكثير من الشباب يتناولون الكرياتين، ومركبات الستيرويد وبعض المكملات الغذائية من دونما غرض منافسة رياضية، إذ أن غرضهم تحسين منظرهم وتضخيم عضلاتهم والظهور مظهر النشاط والشباب، فظاهرة سلفستر ستالوني الذي اعترف علنًا بأنه اعتمد على والستيروييدات في بناء عضلاته لفيلم "رامبو" أصبحت منتشرة بين الشبان، التي لا تروِّج فقط للشباب المنفوخ العضلات، بل تيسر شراء هذه المنشطات.
ظاهرة اهتمام الشباب بتضخيم عضلاتهم، وصلت إلى ذروة غير مسبوقة، ولسنا ضد الولع العام بالجسد الرشيق، وممارسة الرياضة كوسيلة صحية لا غنى عنها، ولكن الصورة الخفية للشباب المنفوخ العضلات سببها تعاطي المنشطات،كيف يتحمل الجسم جرعات من سموم المنشطات ؟!
لا يمكن المقارنة بين الرياضيين أصحاب الأرقام القياسية وما يجري لشبابنا، فلدى الرياضيين أصحاب الإنجازات أفضليات كثيرة مثل اتباع الأنظمة الغذائية الصحية، والتدريبات الصحيحة وتوافر فرق طبية لتقديم النصح والإرشادات، وحتى التكنولوجيا سخّرت لخدمة الرياضيين.
صناعة الأبطال باتت تقف أمام خط أحمر على الصعيد الأخلاقي والإنساني، والسؤال الأهم هو إلى متى يتوقف الاستهتار بصحة الرياضي؟
لكل عقار مروّجيه ولكل بضاعة محرّج، فإن أكبر الناصحين بهذه البضاعة أو تلك هم أطباء الطب الرياضي الذين يقسمون بأن الكارنتين قوي وفعّال وخالٍ من الآثار الجانبية، وهذه معادلة صعبة ومثيرة للشك حيث إن قانون "من أين عرفت أنها صحيحة، قال من كبر الكذبة! ينطبق عليها بصورة مذهلة! والصحيح أن هذه المادة تلقى قبولًا كبيرًا بين الرياضيين الذين يفرق عندهم الجزء من الثانية حتى يحطموا الرقم القياسي.
كثيرًا ما ينصح اختصاصيو الغذاء والأطباء وذوو الثقافة الصحية بتناول الطعام الطبيعي نظرًا لما يحويه من قيمة غذائية، وعلى النقيض تمامًا من تلك النصيحة تجد أطباء " الطب الرياضي" والمدرِّبون الذين يعملون في المراكز الرياضية ينصحون الشباب بابتلاع كميات من حبوب البروتينات بحجة بناء العضلات.
الانسياق وراء أقوال أشباه الرياضيين يؤكد مدى الاستهتار الذي يمارسونه في الأندية والمراكز الرياضية التجارية، هم يقسمون بأن هذا المنتج أو ذاك قوي وفعّال، تشعر وأنت تسمع ذلك العبث المكشوف تكاد تجزم بأن الذي سيدفع الثمن هم الشباب من صحتهم. علينا الحذر في اتباع النصائح التي يقدِّمها المدرِّبون الذين يعملون في المراكز الرياضية، وذلك لأن معظمهم يلجأون إلى وسائل ذات الصبغة التسويقية أو الترويجية غير قانونية أو لا أخلاقية، بالاتفاق مع شركات الأدوية، خاصة في اثنين من المجالات يهواهما الشبان أكثر من غيرهما، وهما رفع الأثقال وكمال الأجسام، كل ذلك في سبيل المال والثروة.
تتنافس الشركات المنتجة للمتممات الغذائية على تقديم أنواع مختلفة وجديدة على هيئة شراب أو أقراص أو حقن، وتنفق مبالغ طائلة على الحملات الترويجية لتسويقها، وأمام الادعاءات الصحية المدونة على العبوة "هذا المنتج يحتوي على مجموعة عناصر غذائية تمنح الشخص الحيوية وشباب مفتولي العضلات وتبعد عنه شبح الشيخوخة، وتزيد من طاقته الجسدية والذهنية"، مما يوهم المستعمل بفائدتها.
يظهر التأثير الدوائي السلبي على الجسم عند إساءة استخدامه لا سيَّما على الكبد والكلى، بعد أن أصبحت مستحضرات بناء العضلات تباع من دون وصفات طبية في محلات تسويق الأغذية الصحية. من التداعيات والمخاطر الصحية والنفسية جراء تناول المنشطات.
• ثبت علميًا أن استخدام الهرمونات لفترة طويلة، وبكميات كبيرة يؤدي إلى الإصابة بسرطان الكبد.
• تدني إفرازات الغدة النخامية ما يؤدي في النهاية إلى العجز الجنسي.
• تظهر الكثير من الأمراض مثل الضغط، وأمراض القلب، والجهاز الدوري بصفة عامة.
• ظهور بعض أعراض الإدمان التي تتمثل في الخوف، والاضطراب النفسي، وحالات الغضب غير المبررة، والأرق، وزيادة الحركة.
• الإفراط في تناول الكرياتين وبعض المكملات الغذائية الأخرى يضر بالكلى.
• إضعاف جهاز المناعة وزيادة نسبة الجلطات الدماغية، والسكتة القلبية.
إن الصورة العملية لمن أراد اللياقة البدنية وتحسين الشكل العام وبناء العضلات تكمن في البعد عن جميع الأدوية الكيميائية واتباع نظام غذائي صحي والتمارين الرياضية المسماة بتمارين بناء العضلات، وفي مثل هذه التمارين فإنه يمكن رفع نسبة البروتينات في الأغذية بصورة تدريجية مدروسة يعرفها الخبراء من المختصين وتكون معتمدة بصورة أساسية على البروتينات الموجودة في الأغذية فقط.
اليوم تتركز اهتمامات بعض الأطباء المختصين في الطب الرياضي على استخدام عناصر غذائية ذات فعالية على الجسم.
وأخيرًا، إنني لا أحبذ كل موضة افتتن بها الشباب، ولكني أريد أن أقول إنه يتعين علينا أن ندقق فيها ونخضعها للتحليل والمنطق العلمي. ما الذي يدفع الشباب إلى دفع مبالغ طائلة وراء إجراءات تجميلية في الوقت الذي يهملون أولوية الرعاية الطبية والصحية الأجدر بالاهتمام؟
منصور الصلبوخ - أخصائي تغذية وملوثات



error: المحتوي محمي