سعدت بزيارة وكيل وزارة الشؤون البلدية والإسكان المهندس عبد الله بن سعيد الأخيرة للمنطقة الشرقية، وأعجبني في حواره القصير مدى اطلاعه على بعض التفاصيل البلدية التي تنبئ عن عمق اهتمامه بمثل هذه التفاصيل التي قد لا يهتم بها بعض المسؤولين.
معرفة التفاصيل أحياناً تكون مهمة للإحاطة وتكوين صورة حقيقية، فالمعرفة السطحية لا تعطي أحياناً الصورة الحقيقية ولا تساعد على اتخاذ القرار المناسب، بل إنها قد تضر أكثر مما تنفع، فالاستثمار البلدي – مثلاً - هو أداة فعالة متعددة الفوائد وهو أداة تتطور بتطور طرق وأساليب الاستثمار، وهو رافد مهم للأمانات والبلديات كما هو أداة مهمة من أدوات تطوير الخدمات البلدية بما فيها البنى التحتية، ويدار عادة من قبل كوادر خبيرة تتقن كيف تؤثر في رفع مستوى المدن والمناطق من النواحي المدنية والاجتماعية على حد سواء، لكن الصورة قد تنعكس رأساً على عقب إذا ما كان الاستثمار البلدي على حساب الخدمات البلدية ومقومات المدينة.
الكورنيش في القطيف عموماً ومنذ مرحلة التصميم وهو معيب بضيق العرض إضافة لنقص الخدمات وعدم جودة التنفيذ وضعف الصيانة. لقد أثرت سلباً عملية الاقتطاع منه حتى أخذت تقلص من مساحته وتساهم في تقليص الرقعة الخضراء في الكورنيش الضيق أصلاً، والذي لا يتناسب مع عدد سكان المدينة وطبيعتهم التي تفضل قضاء أوقات الترفيه خارج المنزل.
كورنيش المجيدية كمثال وبعد أن اقتطعت منه مساحة واسعة لأجل إيجاد مدخل (مناسب) لجزيرة الأسماك "طوووط طوووووط"، بدأت تجتاح هذا الكورنيش الشريطي الضيق كتل اسمنتية إضافية بمساحات أكبر و(ارتفاع أعلى) من الكتل الأسمنتية السابقة وأخذت تنهش وتقلص أكثر من مساحة بساطه الأخضر تحت ذريعة الاستثمار البلدي، ثم تمت إزالة مبنى البيت القطيفي التراثي الذي يستقبلك في بداية الكورنيش وشهد العديد من الفعاليات الترفيهية وله وقعه الخاص في نفوس الأهالي لتحل محله تجمع لعربات الوجبات السريعة (الفود ترك)، وإحداث أكبر تشويه بصري يمكن أن يحدث في الكورنيش.
في جزيرة تاروت هناك مثال آخر وهو كورنيش سنابس الذي يفتقر لكل شيء تقريباً، يجري حالياً العمل سلحفائيًا على تطوير جزء من الجزء المردوم منذ سنوات لكنه ليس أحسن حالًا من كورنيش المجيدية، حيث يظهر مما تم إنجازه حتى الآن أنه سوف يكون كتلاً أسمنتية أيضاً لكنها مسطحة حتى الآن، فمساحة الأسفلت المخصصة لمواقف السيارات والممرات الأسمنتية التي تخترق الكورنيش من كل الجهات إضافة للمساحات الوسطى، كل هذا يجعلنا نتوقع وكما هو ظاهر أن يكون الشكل النهائي للتصميم الحالي للكورنيش أنه سوف يكون "كورنيش أسمنتي" بفواصل خضراء.
قناعتي أن الأدلة الاسترشادية المتنوعة للوزارة والموجودة على موقعها على الإنترنت هي رائعة وكافية جداً للاسترشاد والتطبيق أيضاً، وأن الكورنيش ليس هو الوسيلة أو البديل المناسب لابتكار الحلول للمشكلات البلدية، وأن التجربة حتى الآن كافية للقول إن الحاجة للخدمات الاستشارية والمهندس المدني الكفء لا يمكن تجاهلها أو تعويضها باجتهادات هنا وهناك، لقد أصبح العديد لدينا من الأمثلة غير الجيدة التي نراها ونكتوي بها هي أفضل شاهد على ذلك، وأن عبارة "لا تقارن القطيف بالخبر أو الدمام" للقبول بهذا المستوى من الأداء هي عبارة معيبة تدين صاحبها.
يكفي أن نشاهد كورنيش مدن المنطقة الشرقية الأخرى من مدينة سلوى جنوباً حتى محافظة الخفجي شمالاً مروراً برأس تنورة والجبيل لنلاحظ حجم الفارق طولاً وعرضاً، فضلاً عن الفوارق الأخرى.
كل الأمل أن نتبنى فلسفة قادرة على المساهمة في تنفيذ رؤية المملكة لتعزيز جودة الحياة وندخل السباق التنافسي الجميل الذي نراه في معظم مدن المملكة.



