بسم الله الرحمن الرحيم: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي).
الحديث عن الصلاة ذو شجون ولا يمكننا سبرَ أغواره لكننا نقرِّب الفكرة قدر المستطاع مستعينين بآيات القرآن الكريم وواقعنا المعاش.
هناك فرق بين إقامة الصلاة وأدائها؟ والآيات القرآنیة کرّرت الأمر بإقامة الصلاة بصيغة أقم ومشتقاتها أكثر من ٥٠ مرة، ولم تأت آیة واحدة فیها صلوا أو أدوا صلاتكم، فما الفرق بین الأداء والقیام؟
أداء الصلاة هو الرکوع والسجود والقراءة والذکر، بالطهارة والوضوء خالیة من الخشوع والخضوع؛ وأکثر صلاتنا نحن المسلمين هي أداء لا إقامة لأن أغلبنا یصلیها لإسقاط الواجب فقط، لهذا لا یجني ثمارها ولا ینتهي عن الخطایا والمعاصي، والله سبحانه وتعالی یقول: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ)، (الفحشاء: كل ما استعظم واستفحش من المعاصي التي تشتهيها النفوس)، و(المنكر: كل معصية تنكرها العقول والفِطَر).
ورد فی الحدیث: (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم تزده من الله إلا بعداً).
أما إقامة الصلاة فتعني الطهارة الحقیقية والوضوء الصحيح واللباس الحلال والوقت المكتوب والقبلة الصحیحة والقراءة السلیمة والذکر المطلوب والخشوع وحضور الجوارح من التکبیر للتسلیم واجتناب الذنوب والمعاصی والالتزام بحدود الله في جميع المعاملات وبالهيئة التي تحترم قدسيتها.
وهذه الصلاة يُقيمها الأنبياء والأئمة علیهم السلام والمتقون والصديقون ومن أراد قرب الله، قال تعالى: (وَجَعَلْنَٰهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِ ۖ وَكَانُواْ لَنَا عَٰبِدِينَ)، أما أصحابُ القلوب الخاوية فيتهربون من الصلاة ويتملمون منها ويؤخرونها لحين فراغهم وبعد إشباع كل رغباتهم، قال تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين)، فما قست القلوب إلا بالاستخفاف والاستهانة بالصلاة، وما تفرق الناس وتشتتوا إلا بعدم إعطاء الصلاة حقها، وما انتشرت الجرائم والسرقات والقتل والضرب والتعذيب والهجران وقطع الأرحام إلا بعد إفراغ الصلاة من محتواها وسلب قداستها.
مطلوب منا أن نراجع أنفسنا ونتساءل: هل نحن نصلي صلاة جوفاء أم نقيم الصلاة المفروضة؟ هل نركز في صلاتنا أم تتشتت أفكارنا؟ هل نأمل القبول أم نشكك في عباداتنا؟
أيها الأحبة الكرام أعطوا الصلاة حقها واجعلوها خالصة لله تعالی لا تصلوها إرضاء لأحد ولا تباهوا بها أحداً ولا تنتظروا أن يرضى عن صلاتكم غير الله سبحانه وتعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ).
آن الأوان لكل متساهل أن ينتبه لصلاته، حان الوقت للشباب أن يتغلبوا على كل شخص يبعدهم عن صلاتهم، أيها الأحبة لا تجعلوا مجالس اللهو تشغلكم عن الصلاة.
لا تجعلوا الأحاديث والأعمال والتمشيات والتسليات والسهرات تبعدكم عن إقامة الصلاة، لا تسمحوا لحفلات الطرب وأصوات الأغاني والغوغائيات تُقَسّي قلوبكم، واذكروا قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ).
لن یفلح فی هذه الدنیا إلا من خشع فی صلاته (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ {1} الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ)، وسیضیعُ الذین ضیعوا الصلاة وجعلوها طقوساً خالیة من التعظیم والتبجیل، احذروا أن تقول الصلاة لكم (ضيَّعك الله كما ضيعتَني).
إذا أقبلت للصلاة فأقفل أبواب الدنيا أمام ناظريك وتوجه بقلبك وروحك إلى ربك واخشع في صلاتك وتجعلها لحظات روحانية تعرج فيها روحك إلى السماء لتتزود بخير الزاد، فإن خير الزاد التقوى ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، ولا تقوموا الصلاة وأنتم کسالی يغالبكم النعاس وهمكم ما تأكلون (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا).
لا تجعلوا الوظيفة عائقاً لإقامة صلاتكم، ولا تقدسوا أعمالكم ورؤساءكم وتستهينوا بصلاتكم، ولا تستسلموا لمن يشجعکم علی ترکها، ولا تقبلوا أن تصلوها قضاءً وتعتقدوا أن الإخلاص في العمل عذر مقبول بل كونوا كما قال الإمام علي عليه السلام (عَظُمَ اَلْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ)، فما حارب وجاهد رسول الله محمد صلی الله علیه وآله وسلم إلا من من أجل إقامة الصلاة ولم یترکها أو یٶجلها حتی في حربه مع الأعداء
(وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوٓاْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ).
لا تجعلوا المناسبات الدينية تحول بينكم وبين إقامة الصلاة في وقتها ولا تختصروها ولا تحدثوا إرباكاً للمصلين بتجهيزاتكم، ولا تجعلوا المساجد للمحادثات والتعارفات الشخصية وخصوصاً وقت الصلاة وبين الفرضين ولا تشوشوا على المصلين في نوافلهم ولا تعبثوا بجوالاتكم بينهم، لا تكونوا مساهمين في إبعاد المصلين عن الخشوع، بل كونوا ممن يهيئ الوَقار والسكينة في كل مسجد ويوفِّر الجو الروحاني للمصلين.
ولا تجعلوا الأعراس والحفلات تلهيكم عن إقامتها، ولا تسمحوا للنوادي والملاعب أن تمنعكم عن إقامة صلاتكم، لا تنشغلوا بالسفر والتنزهات بكل جديد وتهجروا صلاتكم.
أخي الشاب اغتنم شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وخذ قرارك بيدك، لا تنتظر أحداً ینصحك ویرشدك، لا تجعل النوم والكسل يثنيك عن إقامة الصلاة وأنت فارس الهيجاء وبطل البراري والقفار، متعك الله بالصحة والعافية.
ولا تسمح لأحد أن یستغلك ویستعبدك، فلن ينفعك أيّ كان، ولن يُنقذك من أغواك، سيتبرأ الجميع منك في وقت عصیب (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ).
لا تقل هذا السبب وذاك الذي ضيعني (بَلِ الْإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ).
أيها التجار وأصحاب المحلات لا تنسجموا في تجارتكم وتقصروا في صلاتكم، أيها الآباء والأمهات لا يشغلنَّکم أبناؤكم وأطفالكم عن إقامة الصلاة، تسلّونهم وتنزّهونهم ولا تطاوعکم قلوبكم ترکهم حتی لو أذّن الأذان وسارعوا الى إقامة الصلاة مهما عاقتكم العوائق أو عصفت بكم العواصف (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ).
أسأل الله أن تعم الفائدة للجميع.
بحثنا القادم (لا تكن وَسواسِيّا).
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.



