أن تستمر علاقتك بإنسان على مدى ست سنوات، وفجأة يقول لك بهمسة وادعة لقبول ما أقدم عليه "أبرئ ذمتي"! تنتابك مشاعر لا حد لها، وتتلاحق في البال جمل وكلمات لتلملم صور عدة لترسم معالم المشهد.
بينما كنا ليلة البارحة نحتفي بتحول لجنة التنمية الاجتماعية إلى جمعية التنمية الاجتماعية بالقطيف ومعرفة آفاق ذلك التحول المفرح، والذي سوف يغير من مكانتها و يضاعف من قوتها على مستوى المشاريع المجتمعية، وبعد أن أوضح كل من أمين اللجنة الأستاذ أمين الزهيري، ومشرف اللجان الأهلية من قبل مركز الخدمة الاجتماعية السيد هاني العبكري، في ردهم على بعض استفسارات الحاضرين، وحين جاء إعلان انتخاب أعضاء جدد، وقف كامل المجلس الحالي أمام المسرح بكل عزم وثبات، وبأنهم سوف يكملون المسيرة.
دعا مدير الحفل الأستاذ محمد الخنيزي من يريد أن ينظم إلى المجلس الجديد فليتفضل، تقدم رجلان وامرأتان، فأصبح العدد 15، زيادة على المجلس السابق المكون من 11 شخصاً، والمسموح بتشكيل أعلى سقف للمجلس 13 عضواً، وبين لحظة ترقب والمايكروفون بيد رئيس اللجنة السابق، أ صلاح الدعلوج، هو يقول: "كلكم خير وبركة، من يريد الانسحاب، أم نجري عملية الانتخاب"، وقبل عملية التصويت بلحظات، رفع شخص من بين الواقفين بإعلانه الانسحاب من ترشيح نفسه مجدداً تاركاً منصة المسرح متوارياً خلف المقاعد الخلفية، بعد ذلك وزعت أوراق الاقتراع دون تعليق من أحد!
بالنسبة لي كان المشهد مفاجئاً وغير متوقع ولم يدر بخلدي أن أرى هذا المشهد، خصوصاً قبل ساعة بأن هذا الشخص المحترم كان ممتلئاً حماسة ومبتهجاً لتغير مسار اللجنة من واقع متعارف عليه سابقاً إلى تحول كبير سوف نشهده مستقبلاً، وكم سررت بأحاديثه الجانبية وهو يخبرني عن أسماء الأعضاء الجدد ومحلقاً حول ألقاب بعض العوائل القطيفية ومدى القرابة والمصاهرة بين بعضهما البعض.
كل هذا الفرح الذي أبصرته في القاعة الفخمة لم يكتمل، حينها طلبت من السيد صلاح بأن يعطيني "المايك"، قلت مخاطباً الجميع بكلمات عفو الخاطر، مبتدئاً بالترحيب والثناء على كل الوجوه التي تسعى للخير وخدمة المجتمع عبر منشئة عمرها 60 عاماً، أوضحت حالي لحظئذ: أيها الإخوة كم يعتريني الآن تبايناً في داخلي، وحسب الأغنية العراقية "نصي ثلج ونصي نار" متأرجحاً بين الفرح وحالة حزن داهمتني فجأة، فرح بكل ما شهدناه هذه الليلة إلا أن مشهد الانسحاب الأخير ضايقني، بل سحب من الفرح مساحة وأسبغها بلون الحزن عندي، وإن شئتم أوخزني منظر الانسحاب كأنه لطمة على الوجه، وطالبت أمام الجميع بأن يتراجع هذا الشخص المحترم ويعدل عن انسحابه ورجوته بكلمات ودية أن يأتي أمام المنصة ليعاد انتخابه مجدداً لكنه أصر على موقفه معللاً بأنه يريد ترك الفرصة لغيره، حينها أخذ مني "المايك" صلاح، قائلاً: "نقدر قرار أبو ناصر، دعونا نكمل عملية الانتخاب إدراكاً للوقت".
وحين تمت عملية التصويت خرجت من قاعة مسرح المرحوم عباس الشماسي التابع للجنة، بشيء من الدهشة في كل شيء.
عواطفي متباينة ومشاعري متذبذبة، اقلب المواقف وانبش الذاكرة حول شخص تفانى قدر المستطاع لخدمة المجتمع بل وقفت وخاطبته ثانية على انفراد وجهاً لوجه.
يا عزيزي يا أحمد الجشي لماذا فعلت هذا؟ لماذا أقدمت على هذه الخطوة؟ في هذه الفترة بالذات، وخصوصاً في عملية هذا التحول الجميل، كرر ذات العبارة، "يجب أن أترك الفرصة للإخوة والأخوات، 6 سنوات بالنسبة لي كافية وإذا دخلت للمجلس الجديد بـ 4 سنوات قادمة سيكون العمل مرهقاً كنت أود ولكن... !"، قلت له لا بأس اعرف مسبقاً أنك سوف تتولى منصب أمين الصندوق بدلاً من إدارة نادي الفنون، بمعنى أنك ستكون قريباً من أعضاء المجلس، لكن بإعلانك الانسحاب المفاجئ وأمام الجميع في وقت غير مناسب، سوف تترك فراغاً ليس هذا وقته، ابقى شهورا أو سنة كاملة لأن الوجهين الكريمين الأخت ازدهار أبو الليرات والأخ رياض الخنيزي اللذان أسندتا لهما إدارة دفة النادي، هما بحاجة لنقل كل معرفتك وخبراتك في إدارة عجلة نادي الفنون، فأنت الأعرف بالواضح والمستخبي على قولة إخواننا المصريين، قال لي وهو ممتن وممسكاً بيدي: "يا أبا محمد الذي أحضرني للدخول في مجلس اللجنة هو المرحوم المهندس عباس الشماسي، فرحبت بدعوته لأني أحترم وأجل هذا الإنسان لأبعد حد، ومنه كنت أستمد طاقة إيجابية"، ثم استرسل وقد أخرج صورة من جواله مذيلة بالعبارة التالية "اليوم يصادف أول يوم استلام المجلس، الإدارة الجديدة في الدورة السابقة 17 نوفمبر 2015".
قلت له ما شاء الله ست سنوات مرت وكان حفل اللجنة في صالة الغانم للمناسبات، وعرفتني حينئذ بشخصكم الكريم.
يا أحمد الجشي عندي كلمة حق يجب أن تقال ربما المقربون منا يدركونها، أحب أن أوضحها أو أعيد استحضارها أمام الملأ.
يا أحمد الجشي لقد استلمت إدارة نادي الفنون بعد فترة فراغ، وخصوصاً بعد انتهاء فترة الفنان حسين حبيل، تقدمت بحماس مغيراً حالة الركود بل السبات الطويل التي عاشته جماعة الخط العربي، شددت على أيديهم
وأرجعتهم شيئاً فشيئاً لحضن النادي، وبالفعل عادوا، وأشعلت حماساً جماعتي التصوير وكذا التشكيل بسعي نحو الأفضل، ومما يحسب لك بأنك أسست جماعات جدد، وهما جماعة، التصميم والعمارة، والكاريكاتير، والأفلام، ثلاث جماعة أضافت قوة لمكانة نادي الفنون، دورك حيوي في استنهاض همم أعضاء ورؤساء جماعات النادي.
لكن الشيء الذي غير في مسار نادي الفنون الحدث الذي كبل أيدي الجميع وهو فترة الانتقال القسري من مبنى مركز الخدمة الاجتماعية الواسع إلى مبنى اللجنة المحدود الإمكانيات، وبرغم ذلك حاولت أن تذلل صعوبات ذلك التحول المفاجئ، ومن حسن حظنا بأن النوايا حسنة عند الجميع تكللت كل الجهود النبيلة باستئجار صالة جديدة التي تكفلت اللجنة بتجهيزها، وكان وراءها رجال مخلصون من داخل المجلس ومن خارجه، أنت يا أبا ناصر واحد منهم، كنت المتابع، والساعي لاستكمالها بالصورة المرتقبة وكل الأفكار المخطط لها مسبقاً، إلى أن ظهرت صالة نموذجية يشار لها بالبنان على مستوى المنطقة الشرقية، وبكل فخر أطلقنا عليها، "صالة علوي الخباز للفنون".
يا أبا ناصر اقلب صفحات 6 أعوام مليئة بالتحولات مشوبة باختلاف وجهات النظر من أجل المصلحة العامة، وكل ما مر على نادي الفنون من عقبات كنت تتحمل عبئها، بل كنت في بعض المرات "في وجه المدفع"، تحملت وتصبرت وقاسيت وعانيت، وتسامحت، كم أكبر فيك تلك المواقف الشجاعة، وأصفها بالبطولية فلك منا جزيل الشكر على ما قدمت من تضحيات.
لن أبوحك سراً يا أبا ناصر بأن العمل التطوعي منهك وأنت العارف أكثر مني، متعب، مضنٍ، ومشكلتنا بأن أي شخص في مكان المسؤولية لا يملأ عيوننا إلا أن نراه "يحرق دمه حرقاً" نطالبه بأن يكون متواجداً في كل صغيرة وكبيرة، ولا نلتمس العذر لظرفه ولا نتسامح مع أي تأخير أو تقصير يبدر منه! مشكلتنا يا أبا ناصر بأننا دائماً، نريد أن يكون المسؤول حاضراً في جميع الأوقات ويقف على مسافة واحدة من الجميع وكأنه ملك للجميع ليل نهار، هذا قدر المتصدي للعمل التطوعي.
نعم ليلة البارحة شكوت لي يا أبا ناصر بأن أسرتك تعبت من كثرة خروجك عنهم وزيادة اهتمامك بإدارة النادي سعياً للتطوير، بل طالبوك بالتنحي حفاظاً على صحتك، ثمة متاعب جسدية تعاني منها، برغم ذلك كنت سائراً للخدمة المجتمعية، ويبدو بأن قرار انسحابك الذي فاجأ الجميع، ومن غير إشارة مسبقة! تكمن وراءها أمور أنت أعرف بها منا، فكل له متاعبه قد تغيب عن البال.
يا أحمد الجشي لك كامل الاختيار فيما أقدمت عليه، ونقدر قرارك، ونثمن كل خطواتك الخيرة الواضحة آثارها والملموسة واقعاً عملياً نشهده كل يوم في نادي الفنون.
أيها الباسم الضاحك لقد وعدتني بأنك بالفعل تخلصت من ضغوطات نادي الفنون، لكنك أكدت لي بمثال واضح للجميع وهو مكانة السيد علوي الخباز بأنه كان يوماً رئيساً للجنة وحين ترك منصبه للآخرين، لم يتخلَ عن عمل الخير، بقي داعماً باستمرار ويقف بجانب النادي بكل ما أوتي من قوة، إذا سوف تكون تمشي على هديه، متواجداً في خدمة الجميع بتقديم الرأي ونقل الخبرة وإسداء النصح، هكذا العشم فيك يا أبا ناصر.
وهذه طوايا نفسك المحبة للأرض والناس.
عزيزي يا أبا ناصر باسمي وباسم جميع أعضاء نادي الفنون وكل أعضاء جمعية التنمية الاجتماعية بالقطيف، لك منا كامل المودة وجل الاحترام لشخصكم الكريم على ما بذلته طوال ستة أعوام، دمت سالماً يا أبا ناصر.
حقيقة أفعالك إيجابية وسعيك مشكور ومقدر، هذا ما لمسناه عن قرب وقد لا يبدو كثير منه واضحاً للعيان، أوجز كل ما قمت به في العبارة التالية: كنت بعيداً عن الضوء قريباً من الظل، وهذا من شيم المخلصين.



