12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

اكتشف بنفسك أسرار الأغذية المجمدة وطلاسمها!

قد يكون من البديهي الاعتقاد بأن إعداد الطعام داخل البيوت هو أسلم الطرق للحصول على أغذية صحية، لكن هناك سلوكيات خاطئة يلجأ إليها الكثير من الناس ناتجة عن الاستهانة بخطوات أساسية يجب أن تؤخذ في عين الاعتبار عند إعداد الطبخات.
عندما يتوجه بعضنا إلى السوق لشراء بعض السلع الغذائية، يضطر إلى شراء كميات كبيرة منها، ولكن بعد أيام أو أسابيع أو حتى أشهر يفسد معظمها، فما الحل؟
قبل أكثر من خمسة عقود من الزمن كانت معظم الأغذية التي يتناولها أجدادنا محلية وطازجة ومصدرها من أطعمة الأرض الخالصة، فلم يكن لديهم ثلاجات لحفظ الأغذية، ولم يفكر أحد أن يخزن اللحوم أو الأسماك، وإن كان هناك ما يخزن بطريقة بدائية وكان ذلك يحدث قليلاً بل نادراً، فهم مضطرون إلى تناول الأطعمة الطازجة قبل فسادها.
وحتى لا ندخل في تفرعات، وحتى لا يختلط الأمر لا بد من تحديد ماهية الأغذية الطازجة ابتداءً، فما هي الأغذية الطازجة؟ لقد ارتبط مفهومة الأغذية الطازجة باللحوم والدواجن والأسماك والفواكه والخضراوات والحبوب والبقوليات وغيرها من الأغذية التي لم تتعرض لأي عملية حفظ أو معالجة.
فأيهما أكثر فائدة للصحة تناول الأطعمة الطازجة أم الأطعمة المحفوظة؟ أم كليهما معاً؟ إنها معادلة صعبة على نحو ما في عصرنا الحالي؛ كون الأغذية التي نقوم بشرائها عادة على أنها طازجة، ليست كذلك بأي حال من الأحوال، ففي منطقتنا الخليجية نستورد معظم الفواكه والخضراوات الطازجة واللحوم المبردة من بلدان يستغرق وصولها أيام تجعلها أقل نفعاً للصحة العامة.
لا شك أن تبريد أو تجميد الطعام وسيلة مهمة للحد من خطر التسممات الغذائية الناتجة من فساد الأغذية.
يعرف فساد الأغذية بأنه التغير الذي يطرأ على جودة الغذاء الحسية والغذائية، ويعزى الفساد إلى عوامل حيوية أو كيميائية أو ميكانيكية، ولسوء الحظ أن معظم الأغذية ذات القيمة الغذائية العالية سريعة الفساد مما يستلزم حفظها حرصاً على صحة الإنسان وتوفيراً لاحتياجاته الغذائية اليومية وحرصاً على سلامته وبقائه على هذه الدنيا، ولقد ساعدت تقنيات الحفظ المختلفة على إطالة فترة حفظ المواد الغذائية وتأخر فسادها واستمرارية توفرها على مدار السنة.
ومن طرق حفظ الأغذية المستديمة التجميد.
منذ القدم، عرف سكان المناطق شديدة البرودة تجميد الطعام كواحد من وسائل حفظه، وكان سكان المناطق القطبية بالتحديد، يعتمدون على ما يحفظونه من اللحم والأسماك بعد صيدها، كمصدر الطعام الأساسي لهم خلال شهور الشتاء الطويلة القارصة.
سؤال يطرح نفسه هنا هو: هل يتم تجميد الأغذية في المنازل جيدًا؟
مما لا شك فيه أن أنسب الطرائق المتوفرة في المنازل هي طريقة الحفظ بالتجميد، والتي تهدف إلى إطالة فترة حفظ الأطعمة في المجمدات المنزلية بحيث يتجمد المحتوى المائي للغذاء فيصبح الوسط غير ملائم للنمو الميكروبي أو لحدوث التفاعلات الكيميائية، وهذا لا يعني حفظ الأغذية إلى ما لا نهاية على درجات الحرارة المنخفضة، فبمرور الوقت تفقد الأغذية جودتها بسبب حدوث التفاعلات الكيميائية.
من ناحية أخرى، فإن جودة الأغذية المجمدة لا تتوقف على خفض درجة الحرارة للغذاء، ولكن على سرعة هذا الخفض، فتجميد الغذاء يؤثر في الجودة بدرجة كبيرة وكلما زادت سرعة التجميد زادت فرص الحصول على منتجات مجمدة بدرجة جودة أفضل.
- حين سافر كليرنس بيردساي إلى القطب الشمالي، عاد ومعه فكرة مختلفة، كان بيردساي باحثاً في العلوم البيولوجية، وقد سافر إلى المنطقة القطبية في بعثة للحكومة الأمريكية. وشاهد هناك كيف أن الأسماك التي يقوم بصيدها، كما يفعل السكان المحليون، تتجمد فوراً حالما يتم سحبها من الماء، والأهم أن هذه الأسماك كانت تحتفظ بطعمها، حتى حين يقوم بتناولها بعد أشهر من صيدها. ومن خبرته هذه، استنتج بيردساي أن الطعام لا بد وأن يتجمد سريعاً، حتى يحتفظ بسلامة أنسجته، وبطعمه الأصلي.
وعلى النطاق المنزلي تجميد الأغذية باستخدام المجمد الملحق بالثلاجة المنزلية يصلح للحفظ على المدى القصير، لذا فمن الأفضل في هذه الحالة ألا تزيد على شهرين إلى ثلاثة أشهر حسب نوع الغذاء وجودته، وخلال هذه المدة قد تحدث تغيرات فسيولوجية تسبب تحللاً للطعام، وغالباً ما ينتج ذلك تحت ظروف التخزين غير الجيدة مثل تذبذب درجة حرارة الحفظ بسبب فتح باب المجمد بين فترة وأخرى، وفي كل مرة يفتح فيها باب المجمد يدخل هواء حار ويقلل من كفاءة التبريد وبالتالي يقلل من المحافظة على تجمد الأغذية، كما أن تعبئة المجمد بالمواد الغذائية تمنع مرور التيار الهوائي بصورة جيدة.
أما التخزين على مدى أطول فيتم استخدام المجمدات العميقة ( Deep freezers )، حيث تكون درجة الحرارة (- 18 ْم ) التي تستخدم لحفظ الأغذية تصل إلى سنة مع الاحتفاظ بجودة وخصائص الأغذية.
بنظرة عامة يمكن أن نقيّم طريقة حفظ اللحوم والدواجن والأسماك الطازجة في مجمد المنزل بأنها جائرة، بمعنى أنها تفقد خواص الغذاء الطبيعية ومقومات الطزاجة من ناحية اللذة والطعم والنكهة الدسمة، وقيمتها الغذائية.
تتجمد الأغذية عند درجات حرارة مختلفة، وتختلف حسب محتواها من الرطوبة والدهون ووجود أو عدم وجود الجيوب الهوائية، وعلى الرغم من أن التجميد يعد من أحسن طرق الحفظ المستديمة، إلا أنه تقع على القائم بعملية التجميد مسؤولية كبيرة في اختيار الأصناف الملائمة ودرجة النضج المناسبة وطريقة الإعداد الجيدة ودرجة الحرارة المثلى للتجميد وذلك للتقليل قدر الإمكان من الأضرار الناجمة عن التجميد الناتج من الجفاف السطحي الذي يؤثر على الخواص الطبيعية خاصة اللحوم والدواجن والأسماك، وللتقليل أيضاً من تأثير التجميد على البروتينات والدهون وبعض الفيتامينات.
ولعل السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو لماذا يلجأ الكثير من الناس تخزين الأغذية الطازجة بكميات كبيرة؟
لعدة أسباب منها الوقت الذي يضيق فيه الكثيرون من التسوق يومياً أو لعدم توفرها على مدار العام أو لكون سعرها متدنياً جداً، فالدراسات الحديثة اكتشفت أن طول مدة التخزين يجعل الطعام الطازج مثل اللحوم لا شيء غير الشكل فاقداً للمذاق اللذيذ والنكهة الطيبة والقيمة الغذائية.
- يتعرض بروتين اللحوم عند تجميده بقصد التخزين لعمليات الدنترة والأكسدة والتجمع والتي بدورها تسبب انخفاض محتوى البروتين، والنتيجة أن إطالة فترة التخزين بالتجميد عرّضت بروتينات ودهون اللحوم إلى عمليات أكسدة "تغيرات حيوية" خلال فترة التجميد، فقللت من كمية الأحماض الأمينية الحرة لكونها دخلت في تفاعل ميلارد المتحصل عليه من تفاعل سكر الرايبوز مع بروتينات اللحم، وهذه تعتبر محددة لنوع اللحم ومؤشر لطزاجة اللحم (المصدر: دراسة لمؤثرات الطراوة في اللحوم - جامعة سينز، ماليزيا).
إذ إنه كلما زاد الوقت اللازم لتجميد الطعام، تكونت بلُّورات ثلجية أكبر حجماً. هذه البلُّورات، تسبب تمزقاً لغشاء خلايا الطعام المحفوظ من اللحم والخضراوات والفاكهة. وحين يعود الطعام إلى درجة الحرارة العادية، تذوب البلُّورات الثلجية، وتتكسر معها الأنسجة، ويندفع الماء خارج الخلايا حاملًا معه الكثير من طعمها وقيمتها الغذائية.
إن النصيحة الدائمة في التعامل مع الأغذية الطازجة هي التقليل من مدة حفظها وبالتالي نحافظ على جودتها وسلامتها الصحية.
وهناك نقاط هامة تراعى عند استهلاك وتخزين الغذاء المجمد:
- تذبذب درجة حرارة الحفظ يشجع التحليل الإنزيمي الذي يتسبب في تحليل المواد الفعالة وتكسيرها مما يؤدي إلى تلفها وعدم الاستفادة منها.
- نقبل على شراء اللحوم الطازجة دون النظر لفترة استهلاكها، وسبب الإقبال كونها طازجة، لكن حينما توضع في الفريزر وتتجمد لفترة طويلة، تفتقد مقومات الطزاجة والنكهة الحقيقية.
- طريقة التجميد السريعة أفضل من البطيئة.
- طبيعة الغذاء من حيث درجة الرطوبة وتركيز المواد الذائبة وغير الذائبة لها تأثير كبير على كمية السائل المنفصل، حيث تزيد في الأسماك عنها في اللحوم عند انصهارها.
- العناية بجودة اللحوم قبل التجميد.
- إزالة الشحوم الخارجية بقدر الإمكان لتقليل التزنخ.
- التغليف الجيد مع نزع الهواء من داخل العبوات لتقليل تزنخ الدهون المتبقية في اللحوم.
- المحافظة على درجة حرارة الفريزر ( - 18 ) دون تذبذب وعدم فتح الفريزر المتكرر لكي لا يسمح بزيادة حجم البلورات الثلجية التي تؤدي إلى تمزيق الأنسجة وزيادة السائل المنفصل أثناء التذويب وبالتالي انخفاض صفات الجودة والقيمة الغذائية.
- تجميد اللحوم في مجمدات ذات معدل تجميدي سريع تتراوح درجة حرارتها ما بين ( - 30 و - 40 °س) للمحافظة على جودتها وقيمتها الغذائية.
- معظم الأغذية الطازجة تفقد قوامها المتماسك بعد التجميد وتصبح طرية غير متماسكة بعد إخراجها من الفريزر.
وخلاصة القول إن لصناعة الأطعمة المجمدة دوراً رئيساً ومهماً في كل القضايا المتعلقة بضوابط السلامة الغذائية، واليوم تحتل مرتبة عالية وسط الصناعات المختلفة في عالمنا المعاصر، وتشمل المنتجات المجمدة جميع أصناف الطعام، وعلى رأسها اللحوم والأسماك والخضراوات وأيضاً الفاكهة، ولا يمكن أن نتخيل الآن بيتاً يخلو منها، ويكفي أن نلقي نظرة على القسم الذي يخصص لها في كل مركز تسوق، أياً كان حجمه وطبيعة زبائنه.
ورغم التحذيرات الصحية من الاعتماد الكلي على الأطعمة المجمدة، إلا أنها ستظل ضيفاً مرحباً به دائماً على موائدنا، فميزتها في سهولة الاستخدام وسرعته، تعطيها الكثير من الثقل، كما أنها تكون خياراً صحياً مناسباً، إذا تم إنتاجها بأساليب عالية المعايير والجودة، فخبراء التغذية يقولون إن الخضراوات والفاكهة المجمدة، تكون طازجة أكثر من تلك المعروضة في الأسواق ومراكز التسوق لمدة تزيد على اليومين من موعد قطفها، فخلال هذين اليومين تفقد معظم أنواع الخضراوات والفاكهة النسبة الأكبر من محتوياتها من الفيتامينات، أما تلك التي يتم تجميدها مباشرة بعد قطفها فتظل محتفظة بنسبة عالية من قيمتها الغذائية، تكاد تماثل تلك التي تحتويها الخضراوات التي تأتي من الحقل إلى المائدة مباشرة.
منصور الصلبوخ - اختصاصي تغذية وملوثات.



error: المحتوي محمي