الحياة متقلبة، ولا تدوم على حال واحد فالحياة مليئة بالهموم والمشاكل التي لا يعلمها إلّا الله وحده لا شريك له ولا خلف لقوله ولا تبديل وهو الذي يمحو ما يشاء ويثبت وعنده علم الكتاب.
الدعاء - المناجاة حاجة فطرية عند الإنسان، فالدعاء يشكل أساسًا متينًا لشخصيته وقال الله لعباده في القرآن الكريم: "ادعُونِي أَستَجِب لَكُم"، وأكثر الناس معرفة وعلمًا بالله سبحانه وتعالى أكثرهم له مسألة وطلبًا.
ولهذا أمرنا الله عز وجل بالدعاء، وهذا يعني أن تتكلم مع ربك يا إنسان رب العالمين، بينك وبينه بما في نفسك وتطلب منه العون، ولكي يستجيب الله للدعاء لابد أن يبتغى إليه الوسيلة التي إذا ذكرت مهدت الطريق للاستجابة.
متى ما تعلق قلب الإنسان بربه وأحسن الظن والثقة به في درء (الضر والسراء) وطلب الخير والصحة والعافية وحسن التوفيق وابتغاء إليه الوسيلة التي أمر الله بها وهي محبة الله ورسوله وأهل بيته والذي قال عنهم في كتابه المجيد؛ {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}.
وأفضل وسيلة بعد الحمد والثناء على الله سبحانه هي الصلاة على محمد وآله (عليهم السلام) وتقديمهم بين يدي حاجاتك وتقسم على الله بحقهم ومنزلتهم لديه وبذلك تؤكد الولاء لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولأهل بيته المعصومين (عليهم السلام) الذي هو امتداد الولاء لله تعالى، وذكر أهل البيت عليهم السلام من أهم الوسائل في صعود الأعمال واستجابة الدعاء.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): "من كانت له إلى الله عزَّ وجل حاجة فليبدأ بالصلاة على محمد وآله، ثم يسأل حاجته، ثم يختم بالصلاة على محمد وآل محمد. إن من أهم أبواب استجابة الدعاء، والإياب إليه (التوبة منيبًا مذعنًا معترفًا طالبًا المغفرة)، وذلك لأن الله هو الكريم الجواد الذي لا يرد دعاء السائلين وهو الذي أخذ على نفسه ألا يخيب من دعاه وهو بعباده رؤوف رحيم، يجيب دعوة الداعي إذا دعاه.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "لا يُرَدُّ دعاءٌ أوله بسم الله الرحمن الرحيم". قال الإمام الصادق (عليه السلام): "إذا طلب أحدكم الحاجة فليثني على ربه وليمدحه" وقد أعدَّ الله تعالى لمن يمدحه ويمجده على حسن آلائه جزيل الثواب بما يفوق رغبة. ويقول أمير المؤمنين (عليه السلام): "الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحًا لذكره، وسببًا للمزيد من فضله". "على الداعي أن يدعو الله تعالى بأسمائه الحسنى لقوله تعالى: "ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها" وقد جاء في الحديث القدسي: "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديتُه، فاسألوني الهدى أَهدِكم، وكلكم فقير إلا من أغنيته، فاسألوني الغِنى أرزقكم، وكلكم مذنب إلا من عافيتُه، فاسألوني المغفرةَ أغفر لكم".
روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "إن الله (عز وجل) لا يستجيب دعاء بظهر قلب ساهٍ، فإذا دعوت فأقبل بقلبك، ثم استيقن بالإجابة. إذا وفقت للبكاء ودمع العين وأنت تدعو الله فذلك من علامات القبول بشرط الإقلاع والعزم على ترك الذنب".
ومن آداب الدعاء ألا يخص الداعي نفسه بالدعاء، بل يذكر إخوانه المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، وهذا من أهم آداب الدعاء، لأنه يدل على التضامن ونشر المودة والمحبة بين المؤمنين، وإزالة أسباب الضغينة والاختلاف فيما بينهم، وهو سبب من أسباب تنزل الرحمة الإلهية، فضلًا عن ثوابه الجزيل للداعي والمدعو له، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "إذا دعا أحدكم فليعم، فإنه أوجب للدعاء".
دعاء الإنسان خفيةً أفضل من سبعين دعاء علنًا، والتوجه إلى الله تعالى مسترسلًا والابتعاد عن العجلة أقرب إلى استجابة الدعاء. قال تعالى في كتابه المجيد: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}. وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: "لا يزال المؤمن بخير ورجاء رحمة الله عزَّ وجل ما لم يستعجل فيقنط ويترك الدعاء".
وجاء في دعاء الافتتاح الذي يقرا عادةً في شهر رمضان المبارك "ولعل الذي أبطأ عني هو خير لي لعلمك بعاقبة الأمور".
إذا: المداومة على الدعاء وعدم الترك في (حال تمت الإجابة أو لم تتم) هو ما أمر الله حتى لا يحسب الإنسان من الذين قال الله عنهم: {وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَٰنَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوٓاْ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلنَّارِ}.
ادع ربك يا إنسان دعاء المضطر ولا تتوقف عند حجب الاستجابة ولعل تأخير الإجابة لمنزلة العبد عند الله، فهو سبحانه يحب سماع صوته وإكثاره من الدعاء، فعليه ألا يترك ما يحبه الله.
تلخيص لما ورد:
اعرف ربك يستجاب دعاؤك، وحسن الظن بالله، والرغبة الصادقة والطلب الجِدّي، وإقران الدعاء بالعمل، والتضرع والابتهال، وحضور القلب ورقته، والإقرار بالذنب، والبسملة وتمجيد الله تعالى.
الخاتمة:
في الواقع هناك تعليمات كثيرة حث الله الغفور الرحيم على اتباعها لاستجابته الدعاء وهناك أحاديث كثيرة وردت عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وكذلك أحاديث كثيرة وردت عن أئمة الهدى وأعلام التقى (أولهم الإمام علي عليه السلام وآخرهم الإمام المهدي عجل الله له الفرج) تشرح كيفية الدعاء ومن الصعب حصرها في هذه المقالة وقد ذكرت بعضها من باب الذكرى لا الحصر، إذ إن الدعاء لم يشرع ليحل محل العمل، بل ليكون مكملًا له.
"الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر"، أسأل الله لنا جميعًا أن يجعلنا من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه والحمد لله رب العالمين.



