12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

مَن ضیَّع إرث آبائنا وأجدادنا؟

بسم الله الرحمن الرحیم {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ ۖ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ}.
عاش آباؤنا وأجدادنا في شبه اکتفاء ذاتي فکل بیت فیه صنعة وحرفة یتکسَّبون منها وعند کل أسرة موقد لصناعة الخبز والطبخ بأنواعه ولدی کل رجل عدة لصید الأسماك والطیور وعند کل شاب مهنة أو هوایة یتکسب منها وکل فتاة تؤدي مهمة في بیتها، وهکذا أداروا شؤون حیاتهم ووَرَّثونا تلك المهن وعلّمونا خبراتِهم وأوصونا بالحفاظ علیها وتطویرها، وبعد رحیلهم اندَثر کل ذلك التراث وضاعت کلُّ المِهن وتخلی عنها الأبناء والأحفاد، فجیل الیوم لا یعتمدون علی أنفسهم في شيء ونساء الیوم لا یعرفن الخیاطة والحیاکة والتطریز إلا القلیل النادر وصاروا یعتمدون في کل شيء علی غیرهم.
لهذا اغتنم أصحاب الإمکانیات هذا الفراغ وصاروا یعوضونه فانتشرت محلات الحلاقة والمغاسل والمطاعم وجلبنا من یقوم عنا بمهمة الزراعة والفلاحة والبناء والتعمیر والسباکة والکهرباء، وصارت هناك شرکات کبری للحلیب والألبان والأجبان والزبدة، وتنافس الأذکیاء لسلب ما تبقی للناس من مهام یقومون بها فقدموا لهم الخدمات وسط بیوتهم مقابل أموالهم، وسارت الأمور من تطور إلی أطور، وبهذا نکون قد ضیَّعنا إرث آبائنا وأجدادنا لننعم بالراحة والعیش الرغید.
ولم ندرك أننا سلّمنا ثروتنا وعزَّنا وکبریاءنا لأشخاص جاءوا من بلادهم لیبحثوا عن لقمة عیشهم فصاروا رؤساء ومُدراء وتجارًا أغنیاء وأبناؤنا یطلبون الإذن منهم لکي یتوظفوا عندهم فإن شاءوا قبلوهم وإن شاءوا طردوهم، تُری أین سینتهي بناء المطاف؟ وما هو مصیر الأجیال القادمة؟ وهل ما یحدث هو شيء طبیعي؟ وهل المدنیة والحضارة تعني أننا نعيش الرفاهية بأعلى مراتبها؟
انظروا من كان يبني بيوتنا سابقًا ومن يبنيها الآن؟ من کان يستخرج أسماك البحر سابقًا ومن الآن؟ من كان يحلِق لأبنائنا وأجدادنا ومن يحلِق لنا الآن؟ من يروي نخيلنا ومزارعنا سابقًا ومن الآن؟ من يتولى تجهيز طعامنا سابقًا ومن الآن؟ من، ومن، ومن؟
نحتاج إلى وقفة تأمل ما الذي جعل كثيرًا من أبنائنا لا يجدون وظائف حتى مضى بهم العمر ولم يؤسسوا أسرة ولم يمتلكوا أرضًا فضلًا عن بيت يستقرون فيه فصاروا حبيسي بیوتهم أو مزارعهم أو یتسلون مع طیورهم وأصدقائهم؟
والخلاصة؛ كلما اعتمدنا على غيرنا في احتياجاتنا سيطر الآخرون على مفاصل بلدنا وهيمنوا على ثرواتنا وأصبحنا نقتاتُ منهم لنعيش، فلندرك ذلك ونحافظ على ما تبقى من تراث آبائنا قبل فوات الأوان.
عشنا مع آبائنا وکان الفلاح والبحار منا والخباز والبناء منا والسباك والکهربائي منا والحداد والنجار منا بل وحتی عامل النظافة کان منا فلم یذهب آباؤنا إلا وقد علَّمونا صنائعَهم وأوصونا بإتقان مِهَنِهِم وکان الکل یشعر بالعزة والکرامة، والیوم ضیّعنا إرث آبائنا وأجدادنا وانغمسنا في الرفاهیة حتی النخاع، فلا یمکن لمجتمع أن یستمر دون دور الحرفیین فیه ولا تستقر حیاة المجتمعات حین تخلو من المهنیین وأصحاب الحِرف ولا تُعاب الحِرفة مهما کان نوعها وهي لیست مقتصرة علی فئة دون أخری، وحتی المسؤولین وأصحاب المناصب العلیا لیسوا معفین من إجادة صنعة ومزاولتها بل حتی الأنبیاء علیهم السلام مارسوا مهنهم بطرقهم فهذا نبي الله دادو علیه السلام یمتلك قدرة الحدادة ویصنع الدروع والفؤوس ولا یأکل إلا من صنع یده؛ قال تعالی: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ۖ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ}، ونبي الله موسی علیه السلام اشتغل راعیًا ثماني حِجَج قال تعالی: {عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ}.
وکذلك نبینا المصطفی محمد صلی الله علیه وآله وسلم کان تاجرًا وراعيًا للأغنام قبل بعثته، قال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: "ما بعثَ اللَّهُ نبيًّا إلَّا رعى الغنمَ قالوا: وأنتَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: نعَم كنت أرعاها علَى قراريطَ لأَهْلِ مَكَّةَ).
صحیح أن لدینا الآن علماء وأطباء ومهندسین ومدرسین ومبرمجین ومخترعین من الرجال والنساء ونفتخر بهذا لکن ذلك لا یعنی أنّ نبتعد کل البعد عن حِرَفنا الأساسیة ونترکها لغیرنا ونحن نتفرج، ولننظر إلی الدول الأخری، هل استوردوا الکفاءات من الخارج؟ طبعًا لا بل اعتمدوا علی ذواتهم وأبنائهم وسخروا کل طاقاتهم لإعمار بلادهم ولا یقبلون أن یأتي غریب فیزرع لهم أو یعمّر بیوتهم بل رفضوا حتی الصناعات الأجنبیة کي یبتکروا ویعتمدوا علی صناعاتهم الداخلیة فیطورونها لذلك نجحوا.
فلننظر لحالنا ونراجع أنفسنا قبل فوات الأوان ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} صدق الله العلي العظيم وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.



error: المحتوي محمي