12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

سيرة الخيبات والوجع

تجربة وجودية، تستلهم من الحزن عنوانها، ومن الماورائيات أساسها، ولا تقف عند حد الحياة الحاضرة، فهي تعود بالمرء إلى ما قبل وجوده وتكوينه، وتسير به لما بعد موته وفنائه؛ حيث تنسج عالماً متكاملاً من المشاعر، التي تأخذ بيد القارئ تارة ناحية المأساة والتذمر، وتارة ناحية البهجة والسعادة، لكن النهايات تجبُّ البدايات، وما كان سعادة في البداية، ربما أصبح تعاسة وحزناً في النهاية، والعكس صحيح كذلك، فما كان تعاسة وحزناً في البداية، ربما انقلب إلى بهجة وسعادة في الختام، والبارز في تجربة ديوان "حزنائيل"، للشاعرة فاطمة الدبيس؛ هو غلبة السوداوية والخيبة والكآبة، وتآكل الفرح والبهجة والسعادة، وكأن الحياة بالنسبة لها مأتم كبير، كبير جدًّا، لا يسعها الخروج منه.
مفردة "حزنائيل" تعود في أصل تكوينها إلى كلمتي "حزن" و"ائيل"، فمن تركيبهما أتى العنوان، حيث الحزن يشير إلى الحالة النفسية الشديدة التعاسة والاكتئاب، التي يمر بها الإنسان، وتفضي به إلى الانزواء والبعد، واجتراح رؤية خاصة للعالم، لا تكون على غرار الناس الأسوياء، إذ الحالة الشعورية تحكِم قبضتها على تصرفاته؛ فتبعده عن أمور، ربما ظنها تضره، أو تسبب له ألماً، بينما هي في الحقيقة ذات نفع لوجوده.
بسبب الاضطراب المرضي، الناشئ عن الحزن الشديد؛ فإن الإنسان يرفض علاج سلوكياته الخاطئة، بل ربما رفض مجرد الاعتراف بمشكلته السلوكية أو النفسية، فلا يُقر بوجود مرضه، وهو ما يؤدي غالباً إلى إعادة تشكيله لحياته، وفق أسس جديدة ومختلفة، وهذا ما حصل في ديوان "حزنائيل"؛ الذي رسم سيرة خاصة ومتخيلة للكاتبة، فطاف في عوالمها، واستشرف متغيرات حياتها، بل ونظر في ما بعد موتها وفنائها، حيث أخذت تنظر إلى الحياة بصورة مختلفة عن بقية الناس.
كلمة "ائيل" تتقاطع مع ألفاظ مثل: "جبرائيل وميكائيل وعزرائيل"؛ أسماء الملائكة الكرام، أصحاب الحظوة والسطوة، حيث تقوم الكاتبة باستدعائهم إلى المجموعة؛ عبر التماثل الصوتي والتشابه اللغوي، وهو ما يلقي بظلاله على كامل المجموعة، إذ الاستدعاء يشمل التوظيف، فالملائكة شهدوا بداية الحياة والخليقة، وسيشهدون نهايتها كذلك، ولذا فإحضارهم واستدعاؤهم يشير إلى استدعاء الجوانب اللامرئية في حياة الإنسان، وهي الجوانب التي تسبق الولادة وتلي الموت، باعتبارها مما لا قدرة للإنسان على استكناهه ومعرفة تفاصيله.
تحاول نصوص الديوان؛ تفسير الوجود الجسدي والنفسي، بوجود آخر، هو سابق على الذات الإنسانية، ومتصل بعالم الغيبيات الملائكة، حيث تلعب النصوص على ثنائية "الحضور / الغياب"، أو "الوجود / العدم"، إذ ترد في أكثر من موضع، وبأشكال مختلفة، وجميعها تقود إلى تركيز فكرة الاستدعاء والتوظيف، للعوامل الغيبية والخارقة، في تفسير حياة الإنسان، وكيفية تسييرها.
"حزنائيل"؛ الديوان الكاشف، الذي يحكي سيرة شاعرة في وجعها وألمها وخيباتها، منذ ما قبل وجودها في العالم، وإلى ما بعد خروجها منه، ينقسم إلى مجموعة فصول أو أجزاء، يشار إلى كل جزء بالوحي، وهي تسمية تتقاطع مع الغيبي والملائكي، وتؤكد على حضوره وامتداده في كتاباتها وأفكارها. حديثنا القادم سوف يتتبع هذه السيرة؛ كاشفاً العلاقة بينها وبين مفردتي الحزن (النفسي) والماوراء (الغيبي).
منذ النص "الوحي" الأول تبدأ الشاعرة رواية سيرة وجودها، التي تتقاطع مع الماورائيات والغيبيات، حيث لم تكن حاضرة بوعيها في ذلك الزمان، وإنما بخلايا متشظية من جسدها، فالروح لم تلج بعد، تقول في قصيدة: "على حافة وجودٍ لا موجود" (ص15)، الذي تقدِّمه بالإهداء التالي: "للفراغ المحض، وحده من يدرك عدمي!":
"وجعاً كنتُ طوال مراحل تخلُّقي
قطرة ماءٍ أضاعت بحرها..
حرفاً تاه عن قصيدته..
حزنٌ معتَّقٌ.."
وتقول أيضًا في مقطع سابق من ذات القصيدة (ص14):
"أعتكفُ في غار الماوراء..
تسبقني إلى وجودي التنبؤات.."
النص الأول من نصوص السيرة؛ نص كاشف عن الحال الماضي، أو ما قبل الوجود، ومؤسس لما سيأتي من حياة، فهو لا يكتفي بالإخبار عن الوجود الراهن والحقيقي، وإنما يضيف التنبؤات الغيبية، وهي الثنائية التي تشكِّل عصب الديوان، وتقود القارئ عبر دهاليزه ومنعطفاته، تقول (20-21):
"من هناك..
في تلك الانزياحات الباهظةِ التي خلقَتني
من فيض المجازات التي أوَّلت أنسَنَتي
ابتدأت حكاية الوجع في مضغتي
وانهمرت بين أوراقها ريبتي..
حتى إذا ما كبُرَت أسئلتي
وضاق عليها رحم أمي
تدفقت زلازلُها حولي
فتدحرج طيفي إلى عالم الإنس
وظلَّ إنسانيَ الموجوعُ عائماً
في عالم الأطياف..!"
نهاية النص كاشفة عن الثنائية التي افتتحنا بها القراءة وهي ثنائية "الحضور / الغياب"، أو "الوجود / العدم".
في النص "الوحي" الثاني، وهو بعنوان "بِداءٌ يجهشُ أسئلته"؛ تتجاوز الشاعرة مرحلة الجنينية والتخلُّق، إلى مرحلة الظهور الفعلي، والانكشاف أمام الوجود، معتمدة على تقويم ولادتها؛ حيث تبعث إليه الإهداء التالي "للثاني والعشرين من يوليو، علّي أُكفّر عن كلِّ ما كان بعده، وسيكون"، والثاني والعشرون من يوليو هو تاريخ ميلادها، تقول (ص30):
"لا أعرف من ندَّد بفردوس الأرحام
وأسلكني سقرَ الثاني والعشرين من يوليو
لا أعرف من أطلق الصرخة الأولى في سُلالة الوجعِ الأخير"
تواصل الشاعرة سرد أوجاعها في مقطوعة تالية ضمن مرحلة الولادة، التي تراها مفصلاً مهمًّا من مفاصل حياتها، حيث تسأل نفسها السؤال الوجودي المهم، والذي على إثره تنبني طريقتها في العيش "لماذا جئت"، ولكنها تخفق في الإجابة، ولذا تضطر لأخذ السؤال معها حتى نهاية حياتها "مضيت به لقبري دون ردِّ" (ص35).
كتابة السيرة بالنسبة للشاعرة تتخذ المنحى الخطي؛ إذ تنطلق من الأمشاج الجنينية، مروراً بلحظة الولادة، ثم الاحتفاء بما يتعلق بها من أمومة "الوحي الثالث"، وأبوة "الوحي الرابع"، وطفولة "الوحي الخامس"، ودراسة "الوحي السابع"؛ وهناك نسمع صراخ أوجاعها وأنين آلامها (ص81-82):
"كنتُ أحملني وأذهبُ للمدرسة!
بملامح مخروقةٍ.. مثقوبةٍ.. مهترئة..
أحمل في حقيبتي الأثقل مني بخور صومعتي
وبقايا صلاة لا زالت عالقة على شفتي..
وقمراً وشمساً وأرضاً وسماءً وبرًّا وبحراً وشاطئاً وجزيرةً وألف شجرة
وحزن العراقِ وصبر غزَّة.."
تمضي السنوات وتتلاحق، فتتغير الحياة من حولها، لكنها تظل كما هي؛ متعبة، مهترئة، مثقوبة، يعتصرها الألم والوجع، وها هي قد بلغت العشرين ولا رفيق لها سوى غرفتها، تبثها أسرارها وهمومها وشكاياتها، تقول في قصيدة "وجود لا يعرفُ أينَه"، من "الوحي العاشر" (ص122):
"يجتاحني وجع الحياة ومُرّها
حتّى أرى عشرين موتاً في فمي
لم يبقَ لي إلا خيالٌ تائهٌ
عبرَ الحياةَ إلى المماتِ الأعظمِ
وانسابَ حُزني بالقيامة حاملاً
وجع المجرة كلُّها بجهنمِ".
عادة يحضر الرجل، الرفيق، الزوج، السند؛ ليحمل الأعباء عن حبيبته ورفيقة عمره، يحضر بعنفوانه وحبه وخشيته وغيرته عليها، يحضر كخلاصٍ روحي؛ يمارس تطهير جسدها وروحها، لكن الشاعرة تستحضره بصورة غير اعتيادية، إذ أحضرته؛ ليزيد اشتعال ألمها، وليضرم النار أكثر في مشاعرها وأحاسيسها، إلى أن تتحول الدنيا في عينيها إلى منفىً، سجن، عتمة لا ضوء فيها، تقول في قصيدة "سبحان من جعل الطبيب طبيباً" من "الوحي الحادي عشر" (ص149):
"قلبي زجاجة خيبة
تتكسر الأيام في خطواتها"
الحبيب الذي علَّقت على كتفيه أحلام خلاصها، هو نفسه الذي اغتال هذه الأحلام، فأعادها إلى بؤسها وشقائها، لهذا استعارت له قناع "حزنائيل"؛ حيث يتعرف القارئ عليه للمرة الأولى والأخيرة، إذ تسمية الديوان مأخوذة من هذا القناع، الذي استعملته الشاعرة؛ في تمرير رسالتها، تقول (ص150):
"فيقول حزنائيل لي:
مدّي لثغرك نوتةً من لحظةِ الناي الكثيفة
مَوسِقي حلقَ الصبا
ليلوحَ فيك الصبح بعد الموتتين قشيبا"
الخلاص بالحب من الأوجاع؛ هو ما تهدف إليه الشاعرة، عبر استعمالها للقناع "حزنائيل"، حيث تقول في قصيدة "ألف نبي لقلب واحد" من "الوحي الرابع عشر" (ص164):
"أما بعد،
أجِّل جمالك حتى لحظة التعميد!
حتى أغرق في مائك حدَّ الغفران الأبدي
حد الخلاص الممتدِّ من لحظة عناقٍ للحظة عناقٍ للحظة عناق.."
العناق والعناق والعناق ليس إلا البداية، فما تنتظره الحبيبة أكثر، ففي نص "الواحد الكثير"، من "الوحي الخامس عشر"، تقول (ص171):
"هناك..
حيث ساعداك يطوقان ضياعي..
ورأسي ينهدّ على كتف حزنك..
هناك..
حيث تضمنا قصيدة واحدة..
ماءٌ.. يعانق ماء..
ونغمةٌ.. تذوب بنوتة..."
إلى أن تصل إلى هدفها في المقطع الموالي (ص172):
"هناك
حيث أغرقُ في مفردة الحب الحقيقي..
في معجزة الشعور الذي يجعلني أشع.."
الآمال الكبيرة، والخطط التي رسمتها لحياتها، والألوان الوردية والأرجوانية، جميعها اختفت، وتحولت لهباء، فالخلاص لم يأتِ مع الحبيب، بل إن الحبيب هو الذي ذهب، إذ غادر عالمها، وتركها محطمة، تكتب في إهداء "الوحي العشرون: لآخر دمعة بالعالم.. وهي تتمدد بحجم حياتي"، ثم تكتب مجدداً في إهداء "الوحي الثاني والعشرون: للحاسة السادسة، الحدس الذي أخبرني أنك يوما ما سترحل"، وهو ما يتحقق على أرض الواقع؛ حيث تكرر عبارة "أين أنت يا آدم؟" مرتين، في نص "وشم على ذراع النوستالجيا"، من "الوحي السادس والعشرون" (ص269-270):
ما عاد هناك من آدم، ابتعد، رحل، ذهب إلى المجهول، فعادت الأحزان إلى قلب أنثاه التي تركها، حينذاك أحست بنفسها ميتة، فكتبت في قصيدة "إلى جناتهِ ربِّ ارجعون"، من "الوحي الثامن والعشرون" (ص291): "تمر على جنازتي السنون".
الحزن، والخيبة، والانكسارات المتلاحقة، وهزائم الحياة التي لا تنتهي، أفضت إلى أن تصبح "امرأة دون هوية"، وهو عنوان نصها في "الوحي الثلاثون" (ص301)، مما جعلها تغرق في الصمت، والانكفاء على الذات، في محاولة أخيرة؛ لابتكار نفسها مرة ثانية، لهذا تكتب في قصيدة "لا شيء عندي إلا المجاز"، من "الوحي الحادي والثلاثون" (ص315):
"للصمت في رئة الغريق..
للحظة الموت الأخيرة..
للهوى..
للبيدق المهزوم..
أبتكر القصيدة"
هكذا تكون تجاوزت أحزانها، عبر اجتراح البديل، الذي هو الكتابة، حيث الكتابة تمحو أوجاع العالم، وأوجاع الإنسان، وتعيد تشكيلة من جديد، وهو ما أدركته الشاعرة في سيرتها.



error: المحتوي محمي