12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

في أم الحمام.. عرش البيان يفترش «حُزنائيل» الدّبيس تحت المجهر.. والنَّقد يقُول كلمته

أقام مُنتدى سيهات الأدبي "عرش البيان" في مكتبة جدل بأم الحمام، أمسية شعرية، تسيدها النَّقد، لأغنيات الشّعر، وحكايات الحُزن والبسمة، للاحتفاء بديوان الشّاعرة فاطمة الدّبيس التي عنونته بـ"حُزنائيل" بأسلوب يُشبه في ألوانه كأنَّما الأمسية، جاءت قصيدة شعرية لها طابعها المُشاكس، ولوحة أبصرها القادمون، لاستكشاف مواطن جمالها، وما أخذته حدائق العينين إلى حيث الدَّهشة، وذلك مساء الاثنين 19 ربيع الأول 1443هـ، بحُضور نخبة من النُّقاد والشُّعراء.
وضع عرش البيان ديوان الشّاعرة الدّبيس الذي احتوى على 74 نصًا، جاءت فاكهة ما بين الشّعر العمودي والتفعيلة، والكتابة النَّثرية الوجدانية، إضافة إلى الأبجدية القصصية في 336 صفحة تحت المجهر، ليأخذ النُّقاد فسحتهم من خلال الإبحار، لتركُن الدّبيس في إحدى الزوايا، تتأمل أحرفهم، وما يُثيره النَّص من إغواء، يستفز فكرهم، فهل استطاعوا، أن يجعلوا من أحرفهم الإغراء، يستفز أصابعها، لتكتب النَّص الآخر الذي ينتظرها على قارعة الشُّوق.
وبدأ الحفل الذي قدمه الشَّاعر حسين الشافعي بكلمة ألقاها علي الحرز، صاحب مكتبة جدل، رحب فيها بالضّيوف، ثُمَّ ألقى النَّاطق الرسمي لمنتدى سيهات الأدبي "عرش البيان" الشَّاعر عقيل ناجي المسكين قصيدة ترحيبية مُهداة للشَّاعرة فاطمة الدّبيس، جاءت بعنوان "نداء بين ألف أغنية" ومن ضمن ما قال فيها موجهًا خطابه للشَّاعرة، يقُول:
أنَّى لـ"حُزنائيل" سحر بلاغة
يُغوي بكُنه جمالها الأجواء
عجبًا لحُزن والسُّرور نتاجه
نسج النَّماء وغازل العلياء
يُشير المسكين إلى أن ثمَّة ما يتميز به "حُزنائيل"، من التَّدفق البلاغي الذي يُراقص ابتكار المعنى الغض، والطَّري كأنَّه الخارج للتّو من البحر، تُمسده القطرات، تمشي الغياب على بياضه، مُبينًا أنَّ لمثل هذه البلاغة ما يأتي، كنبيذ عينيها، يُمارس فعل الغواية، الغواية التي تبعث على الجمال، كرعشة عُصفور أصابته قطرات الماء، فارتعش، لينثر لؤلؤة الماء في الأرجاء جمالًا، يُغنيه الإغواء عُذوبة.
وأشار إلى أنَّ في عُمق الحُزن تتفتح السَّعادة، وتُشمُّ رائحة العنفوان في النَّماء، والتَّطور، كأنَّه أراد أن يقُول: "إن الألم نافذة، يطل منها الإبداع والبناء".
إلقاء ونقد
تقدَّمت الشّاعرة الدّبيس، يحملها الأمل، يُعانق قدميها المُتعبات من السَّفر، كُلُّ أحلامها التي نسجتها في القصيد، لتُلقي بكُلّ ثقة، بكُلّ عنفوان الأنثى التي تُحيك من الجمال، ما يحمله هذا الكُون من الجمال، ومن الحُزن، ما تحمله قُلوب التَّائهين من الأسى، والوجع الذي لا يغفو لحظة، فتجده حاضرًا بكُلّه فيها.
قالت في قصيدتها شروقٌ آفل:
كـمـوتٍ فــرَّ مـن أعــمــاقِ لــحــــدِ
مشيتُ على رصيفِ الحزنِ وحدي
ولاحَ حــــريـــقـــــهُ بِـــذُرايَ لــمّــا
تــلاشــى العـمــرُ في جــزرٍ ومـــدِّ
تُشير الدّبيس في كلماتها إلى تعرية مفهوم الوحدة، لتربطه بالموت، مُتمثلة أنَّ ذاتها، تأتي بكونها اللّحد، وهذا المعنى الضّمني، يأخذنا إلى استشعار درامية الحياة، والفعل الدّراميُّ، لهذا الكائن البشري الذي يسكنها، وتتفاعل معه، كأنثى شبَّ في ذاتها حريق الحسرات من خلال تجاذبات الواقع الدّرامي، مع الواقع المُتخيل.
وفي قولها:
لـمـاذا جــئـتُ؟ نـازَعَنـي ســــؤالٌ
مــضـيــتُ بـــهِ لــقــبـــري دون ردِّ
تعيش الشَّاعرة ثقافة السُّؤال، لتُؤكد على تلازمية السُّؤال لدى المُبدع، أو الإنسان الذي يعيش توجس اللّحظة، فلا تكون عابرة في دنياه، يُحدق فيها مليًا، ويضع لها ما تجود به رُؤياه من سُؤال، كأنَّها أرادت أن تهمس في أذنيَّ اللّحظة، أنَّ السُّؤال يُمثل حالة استكشافية، تتقاطع مع طبيعة الإنسان.
يقُول ستيف جوبز، بأنَّ الإنسان لكي يصل إلى المعرفة، عليه أن يقُوم بالسُّؤال.
اللّغة التَّصويرية
وتكلم الشَّاعر والنَّاقد فريد النمر عن ذكريات امرأة مُبعثرة في إصدار "حُزنائيل"، واللّغة التَّصويرية وإشاراتها في ورقته النَّقدية التي عنونها بـ"حُزنائيل بين اللّغة والتَّصوير المُثقف والتَّجريب"، قائلًا: "إنَّ حُزنائيل يكتنز بالإهداءات المُتعددة، تعدد وحيه الشّمولي الذي يُعلقنا في كتابة كل وحي جديد من خلال إشارة تصويرية عالية الرَّمزية، تُحيلنا لنصين مُشتركين، نمسك بهما كحالة شعرية بوجودها الكُلي".
وتابع: "ذلك يُحملنا ذات العلاقة الظَّاهرية التي لا تُخطئها العين، ويحملنا الغزارة والعُمق البوحي في تأملهما التَّعبيري الهادئ في مبناه".
وقال: "فكأنَّ القصيدة بغزارتها وخُصوبتها، تُوقظ أعماقًا جديدة في دواخلنا، مُشيرًا إلى الوحي الأول، المُتمثل في الإهداء، حيث كتبت: للفراغ المحض وحده من يدرك عدمي"، مُبينًا: "ومن هُنا نجد نصين فلسفيين لقيمة الوجود، وحديث الذَّات للذَّات".
وأردف؛ الأول بعنوان على حافة وجود لا موجود، والثَّاني علق حائر في غيبه، والتي تخوض فيهما الشَّاعرة معركة اللاشيء والعدمية والغياب الآدمي للوجود الأول، ومن فراغ العائم خلف الغيب للقدرة الـ"كُن" الإلهية الصُنع و"يكُون" في حقيقة الخلق وملء هذا الفراغ، لتقُول:
خلق جديد يسافر إلى ضده ليُكونني/ مرايا مُتشظية تسللت إلى رحم أمي/ في مُحاولة سرية لممارسة الحياة
وبيَّن بقوله: "هُنا تتضح الصُّورة الشّعرية، وملامستها الأعماق بتجرد عفوي صاخب قبل أن تُحرّك السَّطح المُتشظي منها، لتُصبح الصُّورة وجودًا جديدًا في لغتها، وتعبيرًا عنها بتحويل الأنا إلى ما تُعبّر عنه".
وأضاف: "هُنا يخلق التَّعبير الوجودي من العدم، والعبارة الأخيرة، تُحدد مُستوى هذين المرئي والخفي التي تسعى الشَّاعرة لصهرهما في علبة الدَّهشة".
وتطرَّق إلى الحديث عن الكتابة الأنثوية، قائلًا: "إنَّها تُدخلنا لعوالم المرأة الخاصة، للّحظة عبورها وانزلاقها، كواحدة من أهم العوامل التي تدمج الأفكار بحيوية التَّصوير بطبيعتها الأنثوية على هيئة ذكريات حية وخاصة، وهي بدايات الإنسانية لجميع البشر، وليس كلغة مُتخيلة وحسب".
وقال: "هذا ما يُميزها بل تتعدى بهذا الدَّمج تأسيس لفاعليتين، هُما الوعي بالتَّجربة واستلهامها كتعبير نصي، يُؤنسن التَّجربة بحرية مُطلقة ولغتها القابلة".
الحبكة الإبداعية
وتحدث عن المفهوم الفني والحبكة الإبداعية، مُبينًا أن المفهوم الشّعري في كتابة النَّص في هذه المجموعة الشّعرية، يميل للّغة الأسطرة الشَّعرية ليس عبر أسطرة الحكايات في مدلولها القديم، إنما في خلق مسلك لمفهوم أسطوري، ينتمي لعصره عبر ثقافته العصرية الحديثة، ولغته التَّعبيرية المُشيرة لبعض المُصطلح الأدبي المُنتج سواء الرُّوائي منه أو الشّعري أو المُوسيقي أو التَّشكيلي أو حتى الموروث مُتكئًا على الإحالة إما اللّفظية أو المكانية أو التَّاريخية أو الأيديولوجية، ليكُون المفهوم الشّعري مُصافحًا لأنطلوجيا الشّعر في إشاراته.
واستشهد بوحيها الرَّابع، حيث تقُول:
إلى أول حرفين في الأبجدية متبوعين بياء الانتماء ونصُها أشهرك في وجه العالم أعود إليك كحرف مُوسيقي تاه طويلًا عن نوتته كإيقاع لم يجد مقطوعة أمه كرقصة ضلت طريقها إلى الحفل ثُمَّ وقعت بين يدي عاشقين أعود
وذكر أنَّ ما يُميز "حُزنائيل"، أنَّها أنثوية تامة كاملة الشَّغف والعُذوبة والابتكار، وقال: "لقد رسخت فينا هذه الشّعرية، كيف ينمو المُستحيل الشّعري، ليخلق علاقاته الجمالية بين ما هو مُتعدد في فنه وشعوره، وبين ما هو مكاني وزماني في تشكله، وبين ما هو انطلوجي وأيديولوجي في تكوينها دون العبث في الحدود المتباينة إلا عبر صهرها في ذوق اللّغة، ونفخ روح المُخيلة المُجنحة في جسدها البالي، لتبعث مسكونة بتصور الفعل الشّعري.
تشريح المُفردة
بدوره، ذكر النَّاقد مُحمد الحُميدي في ورقته النَّقدية التي كانت بعنوان "سيرة الخيبات والوجع"، أنَّ البارز في تجربة ديوان "حُزنائيل"، للشَّاعرة فاطمة الدبيس؛ هو غلبة السَّوداوية والخيبة والكآبة، وتآكل الفرح والبهجة والسَّعادة، وكأنَّ الحياة بالنسبة لها مأتم كبير، كبير جدًّا، لا يسعها الخُروج منه.
وتحدث عن مُفردة "حُزنائيل"، بكونها تعود في أصل تكوينها إلى كلمتي "حُزن" و"ائيل"، فمن تركيبهما أتى العنوان، حيث الحُزن يُشير إلى الحالة النَّفسية الشَّديدة التَّعاسة والاكتئاب التي يمر بها الإنسان، وتُفضي به إلى الانزواء والبُعد، واجتراح رُؤية خاصة للعالم، لا تكون على غرار النَّاس الأسوياء، إذ الحالة الشُّعورية تحكِم قبضتها على تصرفاته؛ فتبعده عن أمور، ربما ظنها تضره، أو تسبب له ألمًا، بينما في الحقيقة، هي ذات نفع لوجوده.
وتابع: "كلمة "ائيل" تتقاطع مع ألفاظ مثل: جبرائيل وميكائيل وعزرائيل؛ أسماء الملائكة الكرام، أصحاب الحظوة والسَّطوة، حيث تقُوم الكاتبة باستدعائهم إلى المجموعة؛ عبر التَّماثل الصَّوتي والتَّشابه اللّغوي، وهو ما يُلقي بظلاله على كامل المجموعة".
وأضاف: "إذ الاستدعاء، يشمل التَّوظيف، فالملائكة شهدوا بداية الحياة والخليقة، وسيشهدون نهايتها، ولذا فإحضارهم واستدعاؤهم، يُشير إلى استدعاء الجوانب اللامرئية في حياة الإنسان، وهي الجوانب التي تسبق الولادة وتلي الموت، باعتبارها مما لا قدرة للإنسان على استكناهه ومعرفة تفاصيله".
وتطرق إلى قولها:
للصَّمت في رئة الغريق..
للّحظة الموت الأخيرة..
للهوى..
للبيدق المهزوم..
أبتكر القصيدة
وبيَّن: "هكذا تكون تجاوزت أحزانها، عبر اجتراح البديل، الذي هو الكتابة، حيث الكتابة تمحو أوجاع العالم، وأوجاع الإنسان، وتعيد تشكيلة من جديد، وهو ما أدركته الشَّاعرة في سيرتها".
النَّص المُثقف
وتكلم الشَّاعر والنَّاقد هادي رسول عن عمق الثَّقافة الشّعرية التي تتحلى بها الدّبيس، وقال: "تستحضر الدبيس أساطيرها في رُؤيا النَّص مُتسقة في نسيجه الرؤيوي المُتأمل، وتذوب ثقافتها القرائية في دلالات النَّص، ليأتي نصًا مُثقفًا".
وحلل بأنَّ النَّص المُثقف لا يُقدّم تنظيرات ومفاهيم مُعلبة، إنما تذوب ثقافة الكاتب في نصَّه الأدبي، ويلتقطها المُتلقي بإشاراتها العميقة والكثيفة.
واستطرد قائلًا: "إنَّها تُؤنسن الأبد وتحاوره وتلعب معه الشّطرنج، ولها فضاءاتها الشَّاغرة التي تنزّ الوحدة على الأرصفة القديمة"، مُؤكدًا أنها مشغولة بثنائيات الأبد والعدم، اللّيل والشَّمس، الموت والحياة.
 النَّص الجديد
وتناول الشَّاعر والنَّاقد علي مهدي المادح، عُضو مُنتدى سيهات الأدبي الحديث عن ابتكار اللّغة، وقال: "لا يختلف أحدٌ على أنَّ اللّغة العربية من أهمِّ خصائصها اختلاق اللّفظ وتحميله بالمعاني، فهذا الدَّور المفقود اليوم، يُعد مُستهجنًا رُغم انبهار المُتلقي بالجديد من الكلام".
وأكمل: "لكن لايزال العقل الجمعي، يرفض الخُروج عن كلمات القاموس، ولا يقيم وزنًا لهذا التَّلاقح اللّفظي الذي يُشبه اندماج خلية بأخرى، ليُشكل مخلوقًا آخر مُمتدًا من ذات النَّسيج الذي انطلق منه، ليكُون أحد أفراد تلك السَّلالة التي انبثق منها".
وأردف: "لقد نجحت الدّبيس في تجاوز عقبة القوالب العقلية، وحواجز القاموس الصلبة، وأسلاك الاحتكار الشَّائكة لظاهر اللّفظ، واستطاعت ببراعة أدبية أن ترفد اللّغة العربية بمفردة جديدة عبأته بالحُزن المُقدس، تاركة المُتلقي في صراع مع مُفردة حُزنائيل، مُنتصرة ولادة مفهوم في ذهنه، نابعًا من حريته في تشكيل وجه جديد لمعنى أصيل".
وجاء كلام الشَّاعر علي مكي الشيخ في ورقته التي جاءت بعنوان "حُزنائيل أُنثى المجاز والمُثاقفة الشّعرية"، حيث قال: "هُنا نحن أمام شاعرة، تُشاكسُ وتتمرد وتُثير الخلاف الذي لا حدود لإبداعها فيه، فهي تنسب لحرائق الأسئلة لا إلى جليد الإجابات، تُشكل الفلسفة جزءًا من مُقومات ثقافتها، مُنفتحة على أبعاد الفكر الإنساني، تواجه الأسئلة العنيدة التي قد تستعصي عليها إجاباتها بأسئلة مثلها، لتنفتح لها فضاءات أخرى أكثر جمالًا وتعقيدًا".
واختتم الشيخ بقوله: "وهي بهذا تُحاور وعي النَّص المقروء، ونجدها دائمًا تُحقق ثيمة الغاية اللامُدركة أو الهدف اللامتناه".





error: المحتوي محمي