قراءة استكشافية لديوان "حزنائيل" للشاعرة فاطمة الدبيس
- ابنة اللحظة التي تتقن فن الحياة ..
بكل اللغات المتنوعة للحبّ كانت تمارس الكتابة أو بمعنى أصحتتمارسها الكتابة. كما تمارسها نزهةٌ عرفانية في سماوات الفن الكثيفة.. محفوفة بتهويمات العرش .. سائحة في الغيب مشتولةٌ بحقل الربّ .. مقطوفةٌ مِنْ شجرة القدرة مخطوطة باللوح المحفوظ ، محمولة على عاتق المشيئة ، جاءت من العدم الموشى بالأسئلة ، مِنْ نافذة الدهشة المكسورة من الكأس الفارغة التي حين أرجحها الله امتلأتْ .
متسربةٌ من مسام الفراغ الأعمى في لحظةِ هروبٍ مِنَ الصفر الملقى على قارعة "الديجافو" ، حيث كان وجودها مجبولا على الحيرة الأزلية ..
يعجن اللغزُ طينتها ، يسفحها بغيمةٍ مبلَّلةٍ مِنَ الأسئلةِ .
تتواردُ الدهشةُ في مرايا المكانِ وانعكاسِ الزمان .
تترشحُ مِنْ عدمها لوجودها مساحةُ إِيماضٍ فارع
كموتٍ فرَّ مِنْ أعماقِ لحدِ
مشيتُ على رصيفِ الحزنِ وحدي
ولاحَ حريقُهُ بذراي لمّا
تلاشى العُمرُ في جزرٍ ومدِّ
لماذا جئت ؟ نازعني سؤالٌ
مضيت به لقبري دون ردِّ
تجلت بي القيامة منذ كانت
دموع الأنبياء تهزُّ مهدي
تعاود وترها مُذْ كان فيها
يصلي دهشةً ضدي وَضِدْي
أنا وجع السماءِ وألف جرحٍ
تناسل في خطى الآتين بعدي
ليبقى دائمًا وجعي جحيمًا
كنهر فاضَ من أَناتِ خلدِ
هنا نحن أمام شاعرةٍ تشاكسُ وتتمرد وتثير الخلاف لا حدود لإبداعها فهي تنسبُ لحرائق الأسئلة لا إلى جليد الإجابات ، تشكلُ الفلسفةُ جزءًا مِنْ مقومات ثقافتها منفتحة على أبعاد الفكر الإنساني تواجه الأسئلة العنيدة والتي قد تستعصي عليها إجاباتها بأسئلة مثلها فتنفتح لها فضاءات أخرى أكثر جمالاً وتعقيدًا وهي بهذا تحاور وعي النص المقروء .
ونجدها دائمًا تحقق ثيمة الغاية اللا مدركة ..أو الهدف اللامتناهي،تقول :
لم أكتمل يومًا بفيض نبوءةٍ
ماكنت منذ البدءِ غير بقايا
لم أَشبه المرآةَ يومًا ، إنني
حتى أنا لا أنتمي لأنايا !
في وجدها التاسع تقول في إهدائها :
"للشيءِ الوحيد الذي أعرفه .. أنني لا أعرف شيئًا لفتاة لن تولد
في حكاية لم تبتدئْ وَلن تنتهي ، كنتُ هناك ، ولم أكنْ وذلك الصفر الموغل في العدم
ينوسُ.. ما بين شهادتي ميلادي وموتي
باللاكينونة في فراغ الأشياء"
وما يلفت في هذه التجربة (الحزنائيلية) هو تنوع الشكل الكتابي فلا تكتفي بالعمود أو التفعيلة ولكنها تربطها بالنثر ورشاقته .
عدم الاكفاء بشكلانية محددة مؤشرٌ على رؤية مختلفة يذكرني بمقولة للشاعر قاسم حداد حينما سئل عن تنوع تجربته قال :
في الفن القناعة كنز لا ينفع ، فأنا لا أفهم كيف اكتفى الشاعر بشيءٍ دون الموت "
بعد هذه الإطلالة الخاطفة حول تأسيس الرؤية الحزنائيلية في مشروعها الأدبي حيث حاولت الشاعرة إعادة تشكيل الأمكنة التي لامستها ظلالها وتشكيل الشخوص التي تلبستها وعانقتها وغَلَّفتها بهسيس الملائكة صنعت مِنْ ذاكرتها عملاً مرآويًا شعرائيليًّا.. متفردًا ..
يقول الشاعر ياسر آل غريب :
" أن تكون شاعرًا يعني أن ترى الشوارع شرايين ممتدَّة ، أنْ تبصر لؤلؤة الصحراء وقوافل البحر .
ليس الشاعر مَنْ يدفن رأسه في المعجم ، بل مَنْ يصوغ معجمًا آخر للحياة "
فها هي تصوغ معجمها الفاطميّ المخاتل .. وتقول :
يخونُ الشعورَ الصوتُ
يخون الصوتَ الصمتُ
يخون الصمت الفمُ
يخون الفم الأحداقُ
تخون الأحداق الدموعُ
تخون الدموع الكلماتُ
تخون الكلمات الفكرةُ
تخون الفكرة العقلُ
يخون العقل القلبُ
يخون القلبَ الشعورُ
يخون الشعورَ الصوتُ
فيخرسها حزنٌ لا فم له ...
هكذا ...
كانت المخلوقة الكهفية تمتدُّ مِنْ أسرارها العتاق كنصٍّ فهلويٍّ مُسْرَّفٍ في الغموض ..
تكفر به كلُّ اللغات وتلعنه جميع الديانات ..
تمتد ..
من طريقها الذي يبدأ با للاشيء ، ولا ينتهي بشيء .. "
أنا لستُ ميتةً فحسب ، وإنما
الموت ينهل بعضَ موتي مِنْ دمي !
وهاهي تفصح عن حزنائيل بأسلوب الراوي والمحدِّثْ مِنْ وراء الغيب لها ..
"فيقول حزنائيل لي :
مُدِّي لثغركِ نوتةً مِنْ لحظة الناي الكئيبةِ
موسقي حُلَقَ الصَبا
ليلوح فيك الصبح بعد الموتتين قشيبا
لغةٌ مشغولةٌ باللغة ومجازٌ مُسَيَّجٌ بالمجاز تخيط ذاكرتها بإبرة الخيال المستفزّ صانعةً منه واقعًا غيبيًا ادراماتيكيًا تؤنسنُ اللحظة وتغزلُ الأبجديات بخيوط الضوءِ المراوغة تحقن وعيها بالكثير مِن رغوة الشك لتضع آثار ذاكرتها على صهيل السؤال المثقف وتقدمه لقارئها على شكلّ قهوةِ مجازٍ فكري مغّلفٍ بالإبداع والاستغراق .. حيث تجمع كل مسافات المعرفة الثقافية الفنية والإيمانية في مقطع واحد فتقول : في وحيها الخامس والعشرين :
تتقاطر يد الله ..
فيهطل وجهك ..
بابتسامةٍ كان ختامها مسكًا ومزاجها كافورا ..
تتأرجح رئتي بنفحات قدّيسي حتى يُلجمني هذا الانهمارُ المعجزُ
لحظةُ صم تَسُحُّ ثرثرة ..
تغدقنا باعترافات الهمس الساكن ..
بأغنيات عبد الحليم وأم كلثوم وفيروز
بقصائد الهايكو وهي تتناسل مِنْ عيني و عينك
بآلة المندولين ..
ونصف ابتسامة تفضح ما بالقلب مِنْ تورّق ..
لحظةٌ
نخرج فيها من النص ..
ونستسلم لرقصة " سالسا " في أعماق عُقدةِ حبل مشنقة هناك ...
حيث تضمنا قصيدة واحدة ..
كفرت بخرافة الأعداد
آمنت بالواحد الكثير "
• حزنائيل والمثاقفة الشعرية:
يحيل عنوان المجموعة (حزنائيل) إلى عدة رسائل غاية في الأهمية فمن الناحية السيمائية نجده يحدد لنا مكان العمل الشعري يلبسه ثوبًا هلاميًا مراوغًا مبتكرًا ومتأرجحًا بين الملائكة والأنس... في نحت لغوي يقع في المابين .. مما يحتاج إلى قارئٍ ومتلقٍ فطنٍ وذلك لأنه عمل يعتمد على الدلالات الغائبة والمشفرة أحيانًا ولن يستطيع القارئ النمطي التقاط ما ترمي إليه مِنْ دوالٍّ ومضمرات ، فلا بد مِنْ قارئٍ لازمني مسلحٍ بثقافة موازية للنص وقادر على قراءة مابينالسطور أو ماوراءها .
تضعنا الشاعرة منذ عتبتها الأولى أمام تجربةٍ مغايرة متعالقة مع نصوص سابقة متعالية، فهي تدرك ماذا تفعل فنيًّا وهي بهذا الوعي اللافت والذي يقنن مستوى التلقي ونوع القراءة تشير مِنْ خلال مراوغة العنوان وبعض العتبات والنصوص اللامنتهية وغير المفضوحة إلى :
أولاً: أن ثمة ماهو مسكوت عنه .. فالحزن يتحول إلى كائن غيبي أو أسطوري لعل مساحة الحرية التي تنشدها الشاعرة غير متاحة في الإفصاح عما تريد وأن الرقيب مازال يتربص بتجربتها التي تسعى للحرية .
ثانيًا : أن عملية الحذف التي اعتمدتها الشاعرة في إكمال المعنى أو في بعض العبارات .. مثل :
" إلى الذي .....
الذي اسم موصول بالعالم ... مبنيٌّ على الحب ! " الوحي الثاني عشر
" لكلِّ مَنْ يقرؤني الآن ، إلاّ ......" الوحي الحادي والعشرون
فهي تحاول أن يشاركها القارئ في صناعة النص .. فبدون ذلك القارئ المستوعب لخلفيات النصوص ومضامينها وتشكلاتها لايمكن لهذه التجربة أن تقول الكثير، أو أن تُقرأ كما تريدها الشاعرة .. وقد استطاعت أن تثقف تجربتها باستخدام عدّة مستويات فنية ورؤيويه ، فمن حضور الغياب وتجليات التناصوالمضمر النصي وتوظيف الأسطورة انتهاءً بفكرة النص المفتوح والمثاقفة الشعرية حيث برهنت للمشهد الشعري والأدبي أنها خنساء حزنها ونازك حريتها ورابعة عصرنتها المتصوفة داخل القصيدة وخارج نصها .. لتثبت خصوبة الأنثى حين تبدع لابد أنْ تبتكر وتأتي بما لم يستطعه الأوائل .. حيث أهدت وحيها ..
(الحادي والثلاثين)
" إلى جميع شعراء وشاعرات العالم ، لأنَّ الأبجدية انتماءٌ فارهٌ ونسبٌ حميم "
" لم تبق إلاّ غصة الذكرى لها
ولي شعرُ الصبابةِ .. والكتابةِ
والمجاز الـ يعتريني لحظة الغرقِ المديدةْ
.....
مسفوحةٌ في الشعر تعبدُ حبرها
حيث الهوى في الشعر ناموس العقيدة !"
ورقة نقدية ألقاها الشاعر علي الشيخ خلال الإحتفائية والأمسية النقدية لديوان الشاعرة فاطمة الدبيس في مكتبة جدل بأم الحمام مساء الإثنين 19 ربيع الأول 1443هـ.



