12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

أحمد شلي وسهر.. نداء الروح للروح

قال ولد عمي أحمد لأخته سهر: صبراً جميلاً يا سهر، سوف أنهي عنك كل هذه الآلام ما دمت حياً، تنظر إليه سارحة والأنفاس أنين.
أمسك بكفيها وزفر، كلام صدق وعزم: كيف أحيا وأتمتع بالحياة وكل يوم أراك على هذا الحال بين أنين وونين ليل نهار، بإذن الله سوف أنهي مشاويرك اليومية للمستشفى، سأقطع دابر أوجاعك، لا طاب لي عيش طالما حياتك معلقة بين الحياة والموت، حياتي فداء لك.
رديت عليه بابتسام: يخليك ربي لي يا أحمد.
سهر محمود شلي، تناديها مديرة المدرسة والمعلمات لقد جاء والدك، حان وقت ذهابك، الله يعينك يا ابنتنا فيما أنت فيه، وعساك عالقوة في ذهابك اليومي للمستشفى.
تغادر سحر الصف قبل خروج زميلاتها بحصتين على الدوام الرسمي، حفظت الإشارات ومتغيرات الشوارع على مدى عقد ونيف، مشوار يستغرق ساعة إلا قليلاً، تصل لنزلها الثاني، تستسلم لجهاز غسيل الكلى كأنه عبادة يومية، ألفت الوجوه وتفاصيل المكان فأضحت حجرة الغسيل حميمية بيت، تفتح حقيبتها المدرسية، تسهو بالأقلام وتسرح مع الألوان وتستكمل واجباتها المدرسية برغم الألم وتقييد الحركة.
يمضي الوقت، تطبق صفحات الكتب والكراسات والدفاتر، تلاحقها ابتسامة الممرضين والممرضات، أنس وفيض محبة وحنان، تربيته رفق ومسحة دلال، جهاز الغسيل يكف عن أداء المهمة بعد أربع ساعات من الضخ والدوران عبر خارطة الجسد.
تلملم سحر متعلقاتها، ويأخذها التثاؤب إغفاءة متقطعة عبر مشوار الطريق، تستسلم أحياناً للنعاس وهي راجعة في السيارة عصراً، تصحو بتفاؤل ونظرة أمل.
بين ذهاب ورجوع ثمة متاعب ينال من جسد البراءة، تخطو خطوات نحو الدار، فتبرق دمع في عيني والدها محمود فتحمد الله وتهمس له بثقة وطمأنينة تأسر القلب "أبوي أني راضية باللي أنا فيه وإذا الله بيشافيني بيشافيني"، يمسح على رأسها ويتمتم ونعم بالله، تنكب سحر على استذكار دروسها بجد واجتهاد، حباً للعلم والتعلم، التركيز والانهماك مساحة نسيان لدروب الألم.
الوالدة تسهر من أجل عيون سهر بمشاعر لا حد لها وبعواطف جياشة في الغدو والرواح والصحو والنوم، الأب يشد عزمها بكلمات إيمانية وهدايا قلبية، والأخ يلاطفها ببذخ وبوعد لغد أفضل.
والداها بذلا كل ما في وسعهما وأقدما على التبرع لها، لكن المستشفى قال كلمة الفصل بعدم التوافق كليتيهما مع جسدها النحيل، وإحدى عماتها أقدمت على التبرع لها لكن ثمة وضعاً صحياً حال دون ذلك.
كل قدم نفسه لإنهاء ما تعانيه الوردة خوفاً من حالة الذبول، النصيب المقدر يرسم املاً مستودعاً في جسد أخيها االأكبر
منذ الصغر لم تعرف سحر عذوبة الطفولة، فعذاب الكلى أضناها سهراً على سهر وهي بعمر 8 سنوات.
وإلى أن بلغت ثلاثة عشر ربيعاً عام 2017 أخضعت لعملية جراحية لاستئصال إحدى كليتيها بزرع كلى من شخص مجهول، ظن أهلها أن معاناتها انتهاء وفراق، لكن بمرور ثلاث سنوات أصبحت الكلى المزروعة ضيف غير مرحب به، لم تقو عمراً، أصابها الضعف والوهن، وحسب ما قيل بأن الكلى مأخوذة من شخص كان ميتاً دماغياً، وهنا الزرع لا يطول بقاؤه، مآله الخمول! أخضعت سهر لعملية الاستئصال، وعادت لسيناريو الأمس تطرق أبواب الغسيل من جديد.
مشاوير واستسلام للجهاز التي خبرت إيقاع تدفق محلوله في كيانها الغض، يا ترى من يحن للآخر، هي أم الجهاز؟
لا أحد يرحب بمراجعة المركز الصحي فكيف الحال مع المستشفى، تتسلل الرهبة في فرائصنا حتى لو علاج التهاب حلق أو جرح بسيط، كل يفر من منظر المستشفيات، روائحها توتر البعض وتزكم أنوف الآخر، لله در الأطباء والطبيبات وكل ملائكة الرحمة، أي عمل يقومون به، أي عمل يخوضونه، أي كفاح يبذلونه، عمل أبعد من الوظيفة ذاتها وأكبر من كسب عيش.
عمل إنساني عظيم عند الله والناس، هؤلاء الأخيار رفقاء الأعمار، ألف تحية لكل الأطباء الساعين لتخفيف آلام البشر، ما أروع نفسياتهم التي تعلو سمواً ورفعة، يعالجون دون النظر لا للجنس ولا للون ولا للعرق أو الدين أو الطائفة، يهبون حياتهم ويتعرضون للعدوى وصراخ المرضى، ومن خلفهم الباحثون في صناعة تطور الأجهزة الطبية التي سهلت عملهم، بفحص دقيق وساعدت على الكشف السليم، وكذا كل مخترعي الأدوية، المنكبون في المعامل والمختبرات، وكل علماء الطب الذين أفنوا الأعمار لتخفيف آلام البشر وتهدئة الأوجاع، وإرجاع التعافي للمبتلين بالأمراض المستعصية، رحموا بشراً وبشراً من الفتك والويلات.
ارتحالات سهر للمستشفى سرقت منها سنوات الصبا وبهجة الطفولة، تخفف من معاناتها المستمرة دعوات أمها الحنونة، تهبها صبراً وعزماً، والروح الإيجابية متوقدة عند الأسرة، إنها رسل طيف تحمل مراجيح الأمل لعيون سحر.
الوعد لحظة وفاء من أخيها أحمد، قائلاً للدكتور: متى الموعد؟ رد عليه: في اليوم المحدد سأتصل عليك للتهيئة، سوف تأتي وأريدك أن تكون مهيأ معنوياً ومرتاحاً نفسياً، قال له: جاهز يا دكتور في أي وقت تشاء، وفي أي اتصال تقرر إنني على أهبة الاستعداد.
جاء اليوم الموعود، الأخ والأخت ممددان على فرش بيضاء، لحظات غابا عن الوعي، روحاهما تناجيان بعضهما البعض.
بوشر بفتح الجسدين بإتقان ودقة وعناية فائقة، قلباهما يدقان ونبض قلب والدتهما ترسل الدعوات إثر الدعوات تقرأ الآيات وتعيد البسملات، بضعة أمتار تبعد عنهما، أدعيتها تلف فضاء المكان وترسل التهدئة أماناً من خوف، عملية تكللت بالنجاح بعد مرور ٦ ساعات حبست فيها الأنفاس وارتفعت فيها أصوات الرجاء، حرص ومعاينة من لدن الأطباء، ومتابعة حثيثة من فريق طاقم العمل، بعد أن تصرم التخدير، أفاق الاثنان رويداً رويداً، تلمع في وجهيهما نور الشمس ضياء الحياة، استرد كل واحد منهما وعيه، راح كل واحد يسأل عن الآخر، دكتور طمني على أخي، دكتور كيف وضع أختي؟
تطمينات مرسلة لكليهما، والشفاه تتمتم وتلهج بحمد الله كثيراً
شكر الوالدان الرب على منه وعطاياه وحسن توفيقه، ترديد مستمر حتى انقطاع الأنفاس، وجوه الكادر الطبي تعلوها المسرات وتباشير الفرح تتناقل من الوالدين لكل الأهل والأقارب والخلان وجميع المعارف وحتى الأبعدون تناقلوا الفرح، الفرح حالات مستشرية تلف وجوه كل من سمع بالخبر، رسائل التهنئات تتولى صوتاً وكتابة ولقاءات فضائية كانت بالقرب، فرح لا متناهٍ يغسل القلوب بعد سنين العجاف وأنين المعاناة، قال الوالدان: شكراً لك يا أحمد أيها البطل وبارك الله فيك يا سهر يا وردة الورود.
بعد أيام خرجا من المستشفى مكللين بإنجاز المهمة.
الفخر والإباء يلف أرواحهما المؤتلفة بحسن الظن بالله، أحمد قال كلمة وعد لأخته منذ زمن وترجمها بفعل بطولي، لقد أعطى مثالاً يحتذى لقيم البذل ومعاني التضحية.
تبرع أحمد لأخته سهر هو نداء الروح للروح.
تناهى لسمعي من والدهما ابن عمي محمود شلي في وقفة فرح مطولة بسلامة الأولاد، بقص حكاية وراء حكاية، وثمة موقف علق في البال: "يابن عمي لنا ذكريات ومشاهد لا حصر لها في أروقة المستشفى، كانتا زائرتان غريبتان عنا أبديتا حماساً منقطع النظير بالتبرع بكلتيهما مجاناً حب لسحر، لوقف معاناتها مع غسيل الكلى، وكل واحدة لا تعرف الأخرى قدمتا نفسيهما وفي أوقات مختلفة وهما ليستا من المحافظة! تعجبت لما أخبرني به، وأردفت له هامساً بأن فناناً تشكيلياً (ح. ر) صديق لي تبرع لبنت صغيرة لا يعرفها، لا تجمعه أي رابطة نسب بها ولا أي قرابة لا من بعيد ولا من قريب، فقد قدم كليته من أجل إنقاذ روح لتبقى على قيد الحياة!!
أي سحر يسكن هذه النفوس الأبية وأي مكافأة تكافأ بها! أن تتبرع بجزء من جسدك من كيانك لإنقاذ نفس أخرى، قمة التضحية وأرفع معاني الفداء، تبرع لا يعادله كل ذهب الدنيا، هناك أرواح خيرة في كل مكان.
معاني الوفاء والتضحية جسدها قولاً وفعلاً، الشاب ابن الواحد والعشرين ربيعاً أحمد محمود شلي، على صنيع ما فعل، قدم حياته لتحيا أخته الغالية، وكثر الله من أمثاله.
هناك يا أحمد من سبقك وهناك أناس على درب التبرع سائرون، وتذكر أنك بطل ليس في لعبة كرة اليد في نادي الهدى بتاروت، أنت نجم لامع في سماء التبرع، وبطل في عيوننا، نذرت زهرة شبابك وأحييت نفسا تحبها حباً جماً وكنت عند الوعد منصفاً، (من أحيا نفساً كأنما أحيا الناس جميعاً).
طب عيشا يا سهر، فكنت للصبر عنواناً.
مواقف فخر:
يهدي الأب والمربي الفاضل محمود شلي باسمه وجميع أفراد العائلة الكريمة باقات ورد لكل من: الدكاترة في مستشفى الملك فهد التخصصي بالدمام، د. عبد الرحمن الشامسي، د. محمد مغربي، د. محمد صلاح، د. أحمد عزام، د. عمار، د. العنود الشامي، د. حنان الكنعاني، أ. شذى السندي، هؤلاء الذي أولوا عناية كبيرة واهتماماً بالغاً لا يوصف بابنتي، عاملوا سهر بمثابة ابنتهم كانت وما زالت في عيونهم عزيزة وغالية، كسبت منهم الرأفة والعطف والتقدير وحب المهنة العظيمة، والمعاملة الحسنة والرعاية الفائقة واللغة الإنجليزية، عاجز عن تقديم الشكر لهؤلاء الدكاترة الأفاضل.
وأيضاً أقدم تحياتي لزيارة الاتحاد السعودي لكرة اليد المتمثلة في المسؤولية الاجتماعية بالاتحاد برئاسة أ. وجدان العبد الكريم، مع الاخوة المرافقين لها، علي العليوات، فاخر غاشي، حسن طلاق، حسين الأحمد ومدرب المنتخب السعودي لكرة اليد الفرنسي السيد
Didier Dinart (ديدييه دينارت) والمصور بشير، كانوا ضيوفاً أعزاء في منزلنا وقدموا درعاً تحية اعتزاز لابني أحمد، زيارتهم
أثلجت صدورنا.
ولا أنسى أيضاً التسهيلات من قبل إدارة التربية والتعليم في المنطقة الشرقية لإكمال بنتي سهر تعليمها في جميع مراحلها الدراسية إلى أن وصلت على أبواب الجامعة، لهم منا كل التحايا.
والشكر موصول لإدارة نادي الهدى المتمثلة في شخص الأستاذ وصفي البصارة وعلي حبيب المختار وبقية الأعضاء، وكل الأصدقاء والأصحاب والمعارف والزملاء الذين أرسلوا التهنئات بتواصلهم وزياراتهم، وكل من شاركنا فرحتنا الكبرى، الله يطول في أعمارهم ويمدهم بالصحة والعافية.



error: المحتوي محمي