12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

الروبيان زينة موائدنا

عالم البحار بطيباته التي لا حدود لها، غذاء الإنسان المستقبلي، حيث يزخر بأرقام فلكية من الأسماك والقشريات والأعشاب وكائنات لا يعلم سرها إلا الله، قال سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [سورة النحل، الآية 14]، وما يهمنا في هذا العالم هو لحم البحار الطري، السمك لأهميته الغذائية ونحن في فترة السماح بصيد الروبيان، الوجبة التي تزين موائدنا بأطعمتها المختارة.
نعم، الروبيان بأحجامه وألوانه وطعمه اللذيذ وفوائده ومزاياه ومحتوياته، هو من الأطعمة المفيدة للغاية التي تجعل الإنسان أكثر قوة ونشاطاً وذكاءً، عرفناه مطبوخاً ومقلياً ومشوياً، وأطباقاً تعودنا أن نأكلها في وجباتنا اليومية مع الأرز أو بدونه، تلك الأطباق التقليدية والمغلفة بأسرار الطهو المتراكمة منذ قرون، حاضرة على موائدنا، شهية نتلذذ بأكلها فربات البيوت الماهرات تتفنن بأعدادها وتحضيرها.
يشكل صيد الروبيان ثروة غذائية وقيمة اقتصادية تدر أرباحاً طائلة على القائمين عليها، كما أنه مصدر دخل لسكان المناطق الساحلية.
لا شك أن الحظر الموسمي للروبيان يهدف إلى المحافظة على هذه الثروة الوطنية المهمة في بلادنا من الاستنزاف والصيد الجائر والعمل على تنفيذه بدقة، وهنا يأتي دور التزام الصياد بالضوابط التي وضعتها وزارة البيئة والمياه والزراعة ممثلة في مركز أبحاث الثروة السمكية.
يتم التداول وتجهيز الروبيان حالما يتم إنزاله من القارب أو السفينة، فسلامة وصلاحية الروبيان يعتمد على الإمكانيات المتوفرة والسريعة للصيادين وتخزين المصائد في عرض البحر، وسرعة وصوله إلى يد المستهلك.
يشهد سوق القطيف المركزي أمواجاً متدفقة من الروبيان، أفرغت شحناتها في ساحة مزاد السوق، السوق الذي يعتبر من أقدم الأسواق في المنطقة، يمد سائر مناطق السعودية ودول الخليج بالأسماك والروبيان، عشرات البرادات من خارج السعودية وتلك التي تأتي من الداخل تفرغ حمولتها، وبرادات أخرى تنتظر دورها تابعة لشركات ومؤسسات تموين محلية وخليجية للتصدير إلى الدول المجاورة.
بدأ المستثمرون في تخزين كميات كبيرة من الروبيان قبل انتهاء موسم صيده، فلديهم إمكانيات تخزين غير متوفرة لدى المستهلكين، من هذا المنطلق نرى لزاماً عليّنا أن نشير إلى مسألة التداول والحفظ والتخزين، وهو الذي نتبناه في إطار التوعية الشاملة التي تمس صحة المستهلك بصورة مباشرة.
السمك أو الروبيان يمكن أن يظل صالحاً عدة أيام إذا وضع في درجة برودة أقل من الصفر مئوية بعد صيده مباشرة، كونه من الأغذية سريعة الفساد وهذا يعود إلى أمرين، الأول سرعة غزو البكتيريا بمجرد خروجه من الماء، والثاني أن بروتينات السمك توجد بصورة سهلة التحلل مقارنة باللحوم الأخرى.
لذا يقترح المتخصصون أن يكون تناول السمك وطبخه مباشرة بعد الصيد، وإذا تعذر فيجب حفظه سريعاً في الثلج المجروش، هذه الصورة التقليدية غير مرغوبة في الوقت الحاضر بسبب طول الفترة التي يستغرقها صائدو الأسماك في وسط البحر، يمكن من خلالها أن يتعرض السمك والروبيان للفساد بصورة أسرع، يلجأ البعض إلى استخدام طرق أخرى مثل المواد الكيميائية المضافة كالحموض الخفيفة أو بنزوات الصوديوم أو غاز أوكسيد الإيثلين، أو استخدام تقنية الأشعة، لكن أفضل طريقة حديثة لحفظ الأسماك هي التجميد السريع سواء بعد الصيد أم بعد التنظيف والتقطيع، وهذه الطريقة هي المتبعة فعلاً على نطاق العالم، فهل لهذه الطريقة تأثير على القيمة الغذائية؟
لا شك أن جودة الأسماك لا تتوقف على خفض درجة الحرارة، ولكن على سرعة هذا الخفض، فتجميد الأسماك يؤثر في الجودة بدرجة كبيرة، وكلما زادت سرعة التجميد زادت فرصة بقاء الغذاء المجمد بمستوى جودته.
وللأسف هذه التقنية تحتاج إلى إمكانيات غير متوفرة لعموم الصيادين المحليين، من هنا طالبنا بتسريع تداول وتجهيز الأسماك والروبيان حالما يتم إنزاله من قوارب ومراكب الصيد.
وعلى نطاق التداول العام، فإن سرعة تجميد الأسماك الطازجة محلياً؛ لم يكن ممكناً، فهناك فترة طويلة أثناء صيد الأسماك ونقلها وتخزينها وعرضها في الأسواق وحتى وصولها إلى المستهلك، وعلى نطاق مصغر يواجه المستهلك مرحلة بقاء هذه الأغذية في المجمد المنزلي فترة طويلة؛ مع صعوبة ضبط درجة حرارة المجمد "الفريزر" كل ذلك قد تنتج عنه مخاطر صحية.
تجميد الطعام وسيلة مهمة للحد من خطر التسممات البكتيرية، وتبقيه بعيداً عن الفساد وتجنبه من التلف، الإنزيمات الموجودة في الأطعمة الطازجة قابلة للانحلال، وهي شديدة الفعالية في درجة حرارة تتراوح بين 35 - 50 درجة مئوية، إذ تؤدي إلى تخريب الفيتامينات وتفكيك بنية الطعام، ولكي نتجنب ذلك الفساد، علينا حفظها بطريقة يتيح لنا فرصة أكبر للإفادة من قيمتها الغذائية.
وجود الماء مع بعض الإنزيمات في الخلية مع عامل الحرارة يشجع على التحليل الإنزيمي المسؤول عن تحليل المواد الفعالة في الأغذية الطازجة، وتكسيرها، مما يؤدي إلى تلفها، وعدم الاستفادة منها.
بقاء الإنزيمات في الأغذية المجمدة لفترة طويلة، يفقدها القيمة الغذائية ولونها وقوامها وطعمها بعد إزالة التجميد منها.
مع موسم السماح بصيد الروبيان، يشهد سوق القطيف المركزي كميات هائلة من الروبيان وبأسعار جيدة تغري المشتري فيضطر بعضهم إلى شراء كميات كبيرة منه، وتخزينه في الفريزر طيلة فترة الحظر، فإطالة مدة حفظه مع عدم ضمان فعالية المجمد نتيجة تكرار فتح باب الفريزر طيلة فترة تخزينه، قد تتلف أو يفقد جزءاً من خواصه الطبيعية.
إذن، عملية التجميد الطويلة تظهر آثاراً سلبية على الغذاء الطازج ولا تحافظ على مذاقه الطبيعي المميز.
• فترة صلاحية الروبيان المجمد 8 أشهر. المصدر: GSO 150/ 2007.
وقد يتساءل أحد الباعة إذا كان هناك كميات متبقية من الأسماك والروبيان في نهاية اليوم، كيف نحافظ عليها لإعادة عرضها في اليوم التالي؟
المدة الطويلة من وقت صيدها إلى وصولها إلى بائع التجزئة في سوق السمك لا تخلو من عوامل ذات آثار ضارة.
• يجب ألا تزيد فترة الصلاحية للروبيان المبرد على خمسة أيام من تاريخ الصيد. المصدر: GSO 1361/2002.
• ألا تزيد درجة حرارة الروبيان المبرد على ( - 0.5 + أو - 1)° س ولمدة لا تزيد على 36 ساعة، المصدر: GSO 1361/2002.
في سوق السمك يعرض الروبيان في حاويات كالسلال البلاستيكية أو الصحون المعدنية أو مبرد به ثلج، ويفضل بعض الباعة غمره بالماء مع قطع من الثلج لأسباب شخصية تتعلق بالربح دون النظر إلى مسألة الحلال والحرام.
عرض حاويات الروبيان من الصباح الباكر إلى المساء أو نهاية اليوم في سوق يفتقد للشروط الصحية، مفتوح على الأجواء الحارة والرطوبة العالية، هذه الظروف تدخلنا في مسألة الحذر من إمكانية فساد هذه الكميات المعروضة، فكيف لنا أن نطمئن بصلاحية الكمية المتبقية من الأمس لليوم التالي!! وفي الغالب يتم تخزينها في الفريزرات ثم يعاد إذابتها، هذا الإجراء يساعد على نمو الجراثيم وبالتالي قد تنتج سموم لأنواع معينة من البكتيريا مقاومة لدرجات الحرارة العالية ولا يمكن تدميرها بسهولة، وبالتالي فإن الغذاء الذي سيؤكل سيؤدي إلى تسمم غذائي.
• عدم تعريض الروبيان المبرد لأشعة الشمس أو التجفيف أو تعريضه لأي عوامل ذات آثار ضارة، المصدر: GSO 1361/ 2002.
لا أحد يستطيع أن يؤكد أن ما يعرض من أسماك في سوقنا المحلية وسط تلك الأجواء وبين الأحياء والصورة العشوائية سليمة من الناحية الصحية، ناهيك عن الروائح الكريهة ومياه غسيل أرضيات السوق التي تملأ الطرقات؛ وتنشر عفونتها بين البيوت، فقد سئم سكان الحي من الصورة المزرية، أصبح السوق مأوى وغذاء وسكينة وراحة للميكروبات والجراثيم!!
هل ذلك المنظر وتلك الحالة تعجب الجهات المعنية والأجهزة الرقابية، وقبل كل ذلك مرتادو السوق؟!
نعم، ما يثير الخوف من السوق الحالي هي تلك الظواهر السلبية، مما سبب عزوف الكثير عن السوق المركزي وتوجههم نحو الأسواق الفرعية ومحلات بيع الأسماك المكيفة المنتشرة في كل موقع، يتزامن ذلك مع الزخم الدعائي ونشر العروض اليومية المغرية عبر قنوات التواصل المختلفة لجذب الناس.
يترقب محبو الأسماك والباعة والموردون الانتقال إلى السوق الجديد الذي تم إنشاؤه حاليًا ليودعوا السوق المركزي المتهالك الذي مضى على إنشائه أكثر من نصف قرن لكنه يحتل مكانة الصدارة بين الأسواق في المملكة والدول المجاورة، ورغم تهالك السوق القديم إلا أن الكميات الكثيرة من الأسماك مختلفة الأنواع تتدفق عليه سواء من الصيد المحلي أو المستورد من خارج المملكة يوميًا، ويتوقع أن يزداد حجم الاستثمار أضعافًا بعد افتتاح السوق الجديد المقام من الجهة الشمالية لفرضة القطيف، والذي نأمل أن تتقلص جميع الظاهر السلبية، ويصبح أحد معالم تراث المنطقة وثقافتها.
وأخيراً، هل سألت نفسك: لماذا نقبل على شراء كميات كبيرة من الروبيان في موسم السماح؟ وكيف نخزنها؟ وما هو عمرها الذي ينتهي به صلاحها للأكل؟ فالمشكلة تكمن في عدم إتقان التعامل والتداول مع الطعام وتخزينه!!


منصور الصلبوخ - أخصائي تغذية وملوثات.


error: المحتوي محمي