جاء في كتاب المقامات العرفانية (١): إن الفقر مقام آخر من المقامات العرفانية التي يلزم على السالك التحقق بها للوصول إلى كماله المطلوب.
تعريف الفقر
الفقر في اللغة هو عدم الحيازة والمسكنة، وفي الاصطلاح العرفاني هو صفة للعبد؛ قال تعالى في كتابه المجيد: (أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد) (٢).
فالفقير في المسلك العرفاني هو الذي يدرك افتقاره إلى خالقه ومعبـوده ويصيـر فانياً فيه، ويرى كل الأوصاف حتى وجوده مرهونة بلطف معبوده وعنايته، وعليه، فالفقير في مذهب العرفان هو المخالف لكل فكر أو نظر يشير إلى الإنية أو قدرة غير الحق تعالى.
السيد الإمام (قُدس سره) يعتبر الفقر مقابلاً للغنى، ويقول إن الغنى من الأوصاف الكماليـة للمـوجـود بما هو مـوجـود، ولذا فهـو من الصفات الذاتية للحق تعالى.
ولما لم يكن أحد غنياً حقيقياً أمام الحق المقدس جل جلاله، الغني بذاته، كانت الموجودات كلها من أدناها وهو التراب إلى ذروة الأفلاك، ومن الهـيـولى الأولى إلى الجـبـروت الأعلى فـقـيـرة ومحتاجة، والفقير لا يرضى بحقيقة غير حضرة المحبوب والجمال المطلق ويرى جميع القدرات وحوادث عالم الوجود في يد قاهر حكيم كما يرى نفسه مقهورة أيضاً لقدرة الله، فيصل إلى مقام الفناء الذي هو عين البقاء ويصير مصداقاً لحديث قرب النوافل.
ومن هنا يتضح كلام النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم: "الفـقـر فخري"، ويتبين أنه لا تنافٍ بين الفقر وامتلاك الثروة المادية، فكثير من الفقراء أثرياء وكثير ممن لا يملكون الثروة ليسوا فقراء في الحقيقة.
والإمام يصرح بأن امتلاك الثروة المادية لا يوجب الغنى النفساني، بل يمكن القول إن من لا يملك الغنى النفساني يزداد حرصاً واحتياجاً كلما ازداد مـالاً ومنالاً: "فالأثرياء هم فـقـراء في مظهـر الأغنيـاء ومحـتاجـون فـي زي من لا يـحـتـاج".
ويقول (قُدس سره) أيضاً: كلما ركل السالك بقدميه التعلق بالدنيا؛ وحول وجهة قلبه نحو الغني المطلق وآمن بالفقر الذاتي للموجودات وعرف بأن أحداً من الكائنات لا يملك من نفسه شيئاً وأن لا قدرة ولا عـزة ولا سلطنة إلا في حضرة الحق المقدسة، وسمع بأذن قلبه النداء الملكوتي واللسان الغيبي (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد) (٣)، عندها يستغني عن العالمين بحيث يبلغ مـسـتـوى استغنائه درجـة لا يرى مـعـهـا لملك سليمان أية قيمة.
ويقـول ذو النون المصـري: إن علامة غضب الله على العبد أن يكون خائفاً من الفقر. ومن هذا البيان ينبغي على السالك أن يكون طالباً للفقر وساعياً في اكتسابه.
ونـخـتـم كـلامنا فـي تعـريف الفـقـر بما قاله الخـواجـة عـبـد الله الأنصـاري في هذا المجـال: الـفـقـر اسم للبـراءة من رؤية الملكة، فالإنسان لكونه عبداً ومربوباً لا يملك حتى وجوده، فهو وما ينسب إليه لله.
وينقل شيخ الهرات قولاً لأمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة أنه: سمع رجلاً يقـول إنا لله وإنا إليه راجعون، قال عليه السلام: إن قولنا إنا لله إقرار أنفسنا بالملك وقولنا: وإنا إليه راجعون إقرار أنفسنا بالهلك.
أقول: لا شك و لا ريب أن ما يشير إليه أهل المعرفة (العرفانيون) بالنسبة للفقر ليس الفقر المادي بل الفقر بمعنى: أن يرى الإنسان كل ما لديه هو من عند الله ولولا عناية الله ولطفه لما استطاع الإنسان حتى أن يتنفس، وكما يشير العلماء فإن الانسان في اللحظة الواحدة يتنفس ١٥ نفساً (٤)، و قد ألف الإنسان هذه النعمة فلا يستشعر عظمتها فكيف بباقي النعم والثروات.
نعم نحن لا شيء بل أقل من لا شيء تحت الغني المطلق عز وجل ملك الملوك جبار السموات والأرض.
إن نبي الله سليمان (ع) بالرغم من ملكه العظيم إلا أنه يفتقر لغنى العلي العظيم، بل لولا لطف الله لما كان لديه هذا الملك العظيم، إذاً نحن فقراء إليه ومحتاجون إليه بالأمس واليوم وغدا وحتى قيام الساعة.
فما قيمة الثروات بعد الموت؟! وما قيمة أعمالنا قبال نعمه وعطائه؟! وما هو حالنا عند الوقوف بين يديه وصحيفة الأعمال مدنسة بالذنوب.
نحن فقراء محتاجون إليك يا رب.
[إلهِي قَلْبِي مَحْجُوبٌ، وَنَفْسِي مَعْيُوبٌ، وَعَقْلِي مَغْلُوبٌ، وَهُوَائِي غالِبٌ، وَطاعَتِي قَلِيلٌ، وَمَعْصِيَتِي كَثِيرٌ، وَلِسانِي مُقِرُّ بِالذُّنُوبِ، فَكَيْفَ حِيلَتِي يا سَتَّارَ العُيُوبِ، وَيا عَلامَ الغُيُوبِ، وَيا كاشِفَ الكُرُوبِ، اغفر ذُنُوبِي كُلَّها بِحُرْمَةِ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، يا غَفّارُ يا غَفّارُ يا غَفّارُ، بِرَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ] (٥).
ولو أدركنا هذه الحقيقة سلوكياً لعشنا أجواء السعادة، حيث إن الإنسان كثير القلق، قال تعالى (۞ إِنَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعࣰا) (٦) يقلق على النعم التي وُهبت له ويخاف من زوالها، ولكن لو أدرك الإنسان حالة الفقر إلى الله واستحضرها دائماً في نفسه ورأى أن كل ما لديه هو لله وأنه محتاج إليه، حيث إذا شاء عز وجل أخذ وإذا شاء أعطى لحكمة وعلل، حينها يعيش الإنسان حالة التسليم والصبر والرضا والإيمان فيكون بذلك مستقراً مطمئناً.
(١) المقامات العرفانية، ص٥٥ - ٥٧، للكاتبة: السيدة فاطمة الطباطبائي، الطبعة الأولى، دار الولاء.
(٢) سورة فاطر - آية ١٥.
(٣) سورة فاطر - آية ١٥.
(٤) موسوعة المعرفة، ص١٦٣، طبعة: مكتبة جرير - ٢٠٢٠.
(٥) رواه البحار ٨٧ / ٣٣٩ ح ١٩ وفي ج ٩٤ / ٢٤٣ ح ١١، عن كتاب الاختيار للسيّد ابن الباقي.
(٦) سورة المعارج - آية ١٩ - ٢٠.



