رأيته في أحد المتاجر الغذائية، رجل يجلس على الكرسي المتحرك تدفعه إحدى السيدات، دققت النظر هل هذا هو الأستاذ أبو زكي خلف؟! تقدمت وسلمت عليه: كيف حالك أبو زكي. أجابني بصوت منخفض: حياك الله. سألته هل عرفتني؟! نظر إلي وأجابني: نعم أنت رضي. من شدة فرحتي صرخت بصوت عالٍ: أحسنت. وصرت أتحدث إليه وأدعو له بالصحة والعافية. ودّعته وكنت سعيدًا بهذا اللقاء.
كانت هذه الحادثة قبل وفاته بشهر تقريبًا. نعم هو المرحوم المعلم والمربي الفاضل الحاج محمد منصور آل خلف الذي عرفته منطقة الشويكة بأبي زكي خلف الذي رحل عن هذه الدنيا في يوم الثلاثاء 2 محرم 1443هـ.
في هذه المقالة المختصرة سأتحدث عن بعض الصفات والأخلاقيات الحميدة التي رأيتها في المرحوم:
الإنسان النافع
لم يكن المرحوم أبو زكي شخصية عادية، بل كان صاحب بصمة في مجتمعه، كانت له بركات في مجتمعه، فهو الإنسان النافع كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) - في قوله تعالى: {وَجعلني مُباركًا أيْنَما كُنتُ} قال: نفاعا (1). (نافعًا) يخلق له بصمة خير أينما اتجه، يبادر بعمل الخير ويباركه ويدعمه أيضًا. (نافعًا) تفوح منه رائحة الحب لمجتمعه، تفوح منه رائحة الخير لمجتمعه.
عمل بلا ضجيج
قال الإمام علي (عليه السلام) - في وصف المتقين: "إن صمت لم يغمه صمته، وإن ضحك لم يعلُ صوته. وعنه (عليه السلام) - في صفة المؤمن: كثير صمته، مشغول وقته (2).
المرحوم أبو زكي كان يعمل بصمت شديد وشديد (لا تسمع له همسًا): صمت التخطيط والإنتاج. صمت تحمل المسؤولية. صمت الشجاعة في التوجيه والتحفيز لعمل الخير.
جليس الخير
روي عن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال: "جليس الخير نعمة" (3). إن مجالسة المرحوم أبي زكي كانت مجالسة الحلماء التي تزيد الإنسان حلمًا، وهي مجالسة الحكماء، لما فيها من حياة للعقول، وشفاء للنفوس. نعم عندما تجلس مع المرحوم فأنت تجلس مجالسة الأبرار الذين إذا فعلت خيرًا حمدوك، وإن أخطأت لم يعنفوك. هنيئًا لمن كانت له جلسات مع المرحوم ومنه تعلم تلك الصفات الحميدة.
ديوانية الخير
قال الإمام علي (عليه السلام): فعل الخير ذخيرة باقية وثمرة زاكية. وعنه (عليه السلام): عليكم بأعمال الخير فتبادروها، ولا يكن غيركم أحق بها منكم (4). كانت ديوانية المرحوم أبي زكي ديوانية فاعلة، منتجة. كانت ديوانية خيرية لا يصدر منها إلا كل نافع ومفيد للمجتمع.
وبحق أقول: إن ديوانية المرحوم أبو زكي كانت ضمير المجتمع، تفكر في مشاكله، تتابع أخباره، تسعى جاهدة لسد الثغرات، وتقدم الإعانات والمساعدات بمختلف مسمياتها، (مساعدات رمضانية، صدقات، مساعدة زواج) (5).
العامل المخلص
قال الإمام الصادق (عليه السلام): العمل الخالص: الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عز وجل (6).
أقامت لجنة التكريم بمنطقة الشويكة حفلًا تكريميًا للجنة الصندوق الخيري بالشويكة، وتحدث أحد الأعضاء مع المرحوم أبي زكي وطلب منه الحضور للتكريم إلا أن المرحوم رفض وقال: نحن لم نعمل هذه الأعمال لكي يكرمنا الناس. نحن ننتظر التكريم من رب العالمين. فكان نموذجًا مطبقًا لقوله تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [سورة الإنسان آية 9].
المحب لأهل البيت (عليهم السلام)
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا" (7) كان شديد الحرص على حضور مجالس أهل البيت (عليهم السلام) حتى آخر حياته. كان يحضر الحسينية. يخطو خطوات ثقيلة. يتقدم خطوة خطوة. حتى يدخل الحسينية. يجلس ويستمع. كما كان مواظبًا على زيارة مراقد أهل البيت (عليهم السلام) ومنهم السيدة زينب عليها السلام وقد التقيته في إحدى الزيارات للسيدة زينب (عليها السلام) ورأيت منه تلك الأخلاقيات وذلك الترحيب الجميل.
أحبه الناس
قال الإمام علي (عليه السلام): ثلاث يوجبن المحبة: حسن الخلق، وحسن الرفق، والتواضع. وقال الإمام الباقر (عليه السلام): "البشر الحسن وطلاقة الوجه مكسبة للمحبة وقربة من الله" (8)
هذه هي بعض الأخلاقيات تتجلى في شخصية المرحوم، ولهذا أحبه الناس جميعًا، ولولا ظروف جائحة كورونا لرأينا ذلك التشييع المهيب ولرأينا مجلس الفاتحة المزدحم بمحبيه.
رحمه الله رحمة الأبرار وحشره الله من النبي محمد وآله الأطهار.
الهوامش:
(1) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 1 - الصفحة 256
(2) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 2 - الصفحة 1666
(3) ميزان الحكمة 2: 60.
(4) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 1 - الصفحة 838
(5) يمكن الرجوع لمقال الأستاذ عبد الإله التاروتي بعنوان: أبو زكي الخلف.. المعلم الذي أسس صندوق الشويكة وأقدم الديوانيات.
(6) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 1 - الصفحة 758
(7) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 1 - الصفحة 158
(8) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 1 - الصفحة 496



