12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

العصارات الحية.. بلسم مجهول الفوائد

كل ما نشربه أو نأكله يمكن أن يكون سلاحًا ذا حدين لنا، فربما يعود علينا بالنفع العام أو الكثير من الأضرار التي لم نكن نتوقعها على الإطلاق.
يحتاج الإنسان للغذاء لكي يمكنه من النمو والعيش بصحة جسمية جيدة، وهناك عدة مكونات غذائية تستخدم لذلك الغرض، وأهمها الماء، فالماء هو المشروب الأساسي، وعنصر حيوي وضروري؛ لأنه يمكّن الجسم من تأدية وظائفه الحيوية ويخلصه من المواد السامة، يقول المولى سبحانه وتعالى: {وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون} [ سورة الأنبياء، الآية: 30 ] وكذلك قوله تعالى: {ونزلنا من السماء ماء مباركًا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد } [ سورة ق، الآية: 9 ].
ولكن علينا أن نعلم أي ماء نشرب؟ الماء هنا نقصد به الماء الحي، وعندما نتحدث عن مصطلح "الماء الحي" فإن تداعيات كثيرة تروح وتجيء في الذهن، فهل يفهم الجميع معنى مصطلح "الماء الحي"؟
من المعروف أن الجسم البشري الراكد، يكون غير قادر على أداء وظائفه الحيوية وأنشطته البدنية المرتبطة بالحياة الصحية السليمة، كذلك الأمر بالنسبة للمياه الراكدة لا تصلح للحياة؛ لأن ركودها يسلبها عناصر الحياة التي تتجدد بتحركها المستمر كما تتغير رائحتها ولونها وطعمها، وثمة فرق بينها وبين الماء المتحرك، كلاهما صالحين للشرب ولكن الفارق أن الأول ميت والثاني حي!
لذلك، حرّك قارورة مملوء نصفها بالماء جيداً قبل أن تشرب ما فيها، تدعى هذه العملية أكسجنة الماء أي تشبيعه بالأوكسجين، أثبتت دراسات وتجارب عديدة أن مفعول الماء سيرتفع لو تم تحريكه قبل الشرب، إن تحريك الماء سيحسن عملية الهضم والصحة العامة وجهازك المناعي، خاصة أن المعدة والأمعاء مصنعان للعديد من التفاعلات الكيميائية والتي لا يمكن أن تجري دون وجود الأكسجين الكافي لها، كما أن أكسجنة أو تهوية ماء الشرب ينظم عمل القلب والعضلات ويقلل تساقط الشعر ويقلل ظهور التجاعيد ويحّسن المظهر العام للجلد ويزيد قدرة الجسم على التخلص من السموم لأنه يزود الخلايا بكميات أكبر من الأوكسجين فيحسن أداءها.
فالماء، الذي يشكل نحو 75% مـن جسم الإنسان، وهو الوسيط الرئيس في عملية التفاعلات الكيميائية، وعنصر أساسي في بناء الخلايا والأنـسـجـة، وهـو المنظم لحـرارة الجسم، ويرطب الجهاز التنفسي، ونشاط لعملية الهضم، وسهولة في حركة المفاصل، ويحسن وظيفة العضلات وتطرية الجلد وحفظ نضارته، إضافة إلى غسيل الجسم من شتى السموم ومنع تشكل الرواسب والحصيات في الكليتين.
الماء الحي هو الذي يكون من الطبيعة وليس الماء المعالج المعبأ في قوارير.
يحتاج الإنسان إلى شرب ما يقرب من 2 - 3 لترات من الماء يومياً، ويدخل ضمن الحساب المحتوى المائي الموجود في الغذاء وخاصة الفواكه والخضراوات الطازجة، فبعضها يحتوي على نسبة قد تبلغ 90% من وزنها ماء، كما في البطيخ والشمام والخيار والطماطم، نختار منها الثمرة الغضة الناضجة العصيرية، وأن نتناولها حينما نشعر بالعطش، فالمحتوى المائي في الفاكهة والخضراوات له دور مهم في تغذية خلايا الجسم وتنقية الدم وإذابة السموم والتخلص منها، وضبط عمل الجهاز الهضمي.
نسلط الضوء هنا على الفواكه والخضراوات الطازجة، وهي أغذية نباتية مشبعة بنور الشمس، وبالعصارات الحية.
بقليل من التفكير يمكنك الحصول على حاجة جسمك من الماء الحي وإروائه عن طريق الفواكه والخضراوات.
فهل لماء الفاكهة والخضراوات تأثير على الجسم؟ هناك مميزات نجدها في الخضار والفواكه لا نجدها في غيرها، والتي تعتبر كنزاً لمجموعة من المغذيات المعززة للمناعة والصحة في مواجهة الأمراض، وهنا خصصنا الحديث عن المكون الرئيسي وما يحمله من فائدة.
تعتبر الفواكه والخضراوات عالية المحتوى المائي، جزءاً مهماً من كمية المياه التي نشربها يومياً، فهناك أنواع من الثمار كثيرة الماء وربما قيل عنها منتج مائي مثل الجح والبطيخ الرامسي، هذه الثمار لها فائدة كبيرة لاحتوائها على سوائل مهمة، تجعل الإنسان يشعر في حالة إرواء.
فمتى ما شعرت بالعطش اتجه لأكل مثل هذه الثمار لتحصل على حاجتك من العصارات الحية، ويعني "ثمرة طازجة يوميًا تروي عطشك".
احرص على أن يكون طبق سلطة الفواكه والخضراوات الطازجة جزءاً أساسياً من وجبتك الغذائية، فهو غني بالفيتامينات والأملاح المعدنية والألياف الغذائية، والذي يهمنا هنا المحتوى المائي في هذا الطبق الذي يغذي خلايا الجسم، ويساعد على التخلص من بعض المواد الضارة في الدم، ويحافظ على قلوية الدم وتنشيطه، ويحسن وظيفة الجهاز المناعي.
هناك أخطار عالية تصاحب استهلاكنا المنخفض للماء الموجود في الأطعمة، نتيجة عدم حصولنا على كميات كافية منه، فالفواكه والخضراوات تعتبر أغذية وقائية تحمينا من الأمراض.
اعتدنا على تناول الفاكهة في آخر وجبات الطعام، وكثيراً ما نصرف النظر عن تناولها إذا ما شعرنا بالامتلاء، فهي ليست نوعاً من الترف الغذائي الذي يجوز الاستغناء عنه، وإنما العكس هو الصحيح، ولو كنا أكثر رغبة في تحقيق الفائدة المرجوة من الفاكهة، لبدأنا طعامنا بها بدلاً من اختتامه.
أكثر ما يقلقنا في ظل انتشار الأمراض المستعصية هو العلاقة المباشرة بين نوعية مياه الشرب التي نتناولها والإصابة بتلك الأمراض، فالأمر يتعلق بعدة جوانب أهمها تلوث المياه والمعالجات الصناعية، والذي يهمنا هي المعالجة الكيميائية التي تتعرض لها مياه الشرب المعبأة، فمقدار الأملاح المعدنية وتقنيات التعقيم، أساليب غير صالحة، تتسبب في تغيير تركيبة المياه الطبيعية، وهذا قد يؤدي إلى متاعب صحية.
في حقيقة الأمر أن المياه المعبأة يتم معالجتها وتغيير خواصها الطبيعية، أسواقنا مليئة بهذه المياه، هي مياه معالجة تختلف عن المياه الطبيعية والمعدنية المكربنة وغير المكربنة التي يحصل عليها مباشرة من مصادر طبيعية، تم التلاعب في خصائصها الطبيعية، فالمعالجة الكيميائية للماء تمر بمراحل متعددة بعضها مفيد مثل التنقية من الرواسب والمواد العالقة، والقضاء على الجراثيم الضارة، والتخلص من الملوثات، لكنها تفقده خصائصه الطبيعية مثل الأملاح المعدنية والهواء المنحل فيه، كما أن تعقيم الماء بالأوزون قد يترتب عليه تكون مركبات مسرطنة مثل "برومات البوتاسيوم"، ولسنا في مأمن من مثل هذه المعالجات الكيميائية التي تقود لأخطار صحية دون علم المستهلك.
اطلعت على المقطع المتداول والذي يتضمن الحذر من شرب مياه يقل فيها الرقم الهيدروجيني الـ "PH" عن (٧)، فقد أثارت مثل هذه المقاطع بلبلة حولها، فهي تمس صحة الناس.
وقبل البدء بالتعليق نقول: لا يمكن إبداء الرأي حيال كل ما يثار أو يتداول من أقاويل، أمر ليس بالسهل تغطيته، فنحن نرى المتخصص وغير المتخصص كلٌ يدلي بدلوه بعلم ودون علم مما أثر بصورة سلبية على ثقة الناس فيما يتناولونه من طعام وشراب، كل هذا بسبب سلسلة من الشائعات لا يعلم لها مصدر.
بدا أن قنوات التواصل قد أصيبت بالجنون فلا يكاد يوم يمر دون أن نقرأ أو نشاهد فيضان من النصائح والتحذيرات تغرق تلك القنوات بأحاديث بعضها مناقضة للحقيقة، فالمنتج الغذائي مأمونًا أو غير مأمون لا بد أن يستند إلى حقائق علمية وفحوصات مخبرية، ومصدر رسمي معتمد، وأن ما يشاع عن وجود مياه معبأة في الأسواق منخفضة الرقم الهيدروجيني لم نره في الواقع، ولم يثبت مخبرياً، ولا يوجد له أساس من الصحة.
وبحكم الخبرة الطويلة  في هذا الجانب، وتواصلي الدائم مع المختصين في الهيئة العامة للغذاء والدواء الرقابة على الأغذية للتأكد من سلامة الغذاء، تمت الإفادة بعدم تجاوز الرقم الهيدروجيني للمياه المعبأة عن الحد المسموح به في المواصفة القياسية الخليجية، ونادراً قد يكون هناك ارتفاع طفيف للأس الهيدروجيني عن الحد المسموح بـ 0.3  وهذا مؤشر لقلوية الماء وليس انخفاضها عن (7) كما جاء على لسان صاحب المقطع.
• أن يتراوح الرقم الهيدروجيني "PH" لمياه الشرب المعبأة بين 6.5 - 8.5. المصدر:GSO 1025/2014
المياه المعبأة هي مياه معالجة وليست مياهاً طبيعية، لذلك تستطيع شركات المياه المعبأة أن تتحكم في قيمة  الـ  PH حسب اللوائح الفنية والمواصفات القياسية.
لا شك أن درجة الحموضة للماء لها تأثير صحي، يحذر الباحثون من أن انخفاضها عن الحد المسموح به، يؤدي إلى تحول الماء إلى محلول سام، كما أنه يكون أكثر جذباً للمعادن الثقيلة داخل جسم الإنسان.
كما أن انخفاض قيمة  الـ  PH عن الحد المسموح به يجعل الماء غير مستساغ، فالحموضة تكسب الماء طعماً غير مقبول.
يذكر أن جسم الإنسان يمتلك "منظماً طبيعياً دقيقا" لمستويات الحموضة، والتي تحدث تغييرات في درجة حموضة الدم مثل التي تحل مشاكل خطيرة في الأعضاء والأنسجة.
وتتراوح نسب درجة الحموضة في معظم مياه الشرب ما بين 6.5 إلى 8.5 درجة، وإذا كان الماء عند درجة (7) فهذا يعني أنه ماء مقطر نقي تماماً، بدرجة حموضة محايدة، أما إذا قل فهذا يعني أنه أعلى حموضة، وإذا زادت الحموضة عن 7 فهذا يعني أن الماء قلوي.
الجهات المعنية بوضع اللوائح الفنية والمواصفات القياسية الإلزامية للغذاء سواء كان مستورداً أو مصنعاً محليًا، يقع على عاتقها وضع الضوابط القانونية والشرعية والمستندة إلى تشريعات دولية، بينما الأجهزة المعنية بالغذاء تقع على مسؤوليتها مراقبة وفحص الأغذية، ومن ضمنها  مياه الشرب المعبأة وغير المعبأة في مختبراتها أو مختبرات الجهات الأخرى ولا تسمح بتداولها في الأسواق إلا بعد ثبوت صلاحيتها للاستهلاك الآدمي، ولها دور في توعية المستهلك عبر موقعها الإلكتروني في كل ما يتعلق بالغذاء.
وأخيراً، رحم الله أيام زمان عندما كنا صغاراً ملأت أجوافنا مياه حية خرجت من أرض خالصة، كان الناس يحصلون عليه من طريقين: ماء العيون الجارية وماء المواطير التي تدق مواسيرها بالأرض، مياه طبيعية  تستخرج من مخزون المياه الجوفية.
ما زلت أتذكر لذة الماء في تلك الآنية الفخارية المعروفة بـ "الحب" التي تتميز بخاصية التبريد ومناسبتها لحفظ ماء الشرب، طعمها منعش وخصوصاً في أيام الصيف، ما كنا نتسمم أو نمرض، نظام حياة يتسم بالبساطة، ها أنتم جيل المياه المعبأة في قوارير تصابون بأمراض لم تكن منتشرة أيام الحِب!!



منصور الصلبوخ - أخصائي تغذية وملوثات.


error: المحتوي محمي