استمعتْ بكل إنصات لتغريد الإبر والخيوط في إحدى الحصص الدراسية بالمرحلة الثانوية، وتحديدًا في عام 2018م. حاولت أن تغرّد مع السرب وبدأت غرزتها الأولى، وكانت النتيجة تفوق توقعاتها بكثير، فقد اكتشفت حبّها وشغفها بالتطريز، وقدرتها على الإمساك بكلّ براعة بزمام الإبرة في رحلة فنّها التطريزي على الأقمشة.
أريدُ أن أطرّز، ولكن متى؟ وكيف؟ هكذا تساءلت ابنة جزيرة تاروت ساجدة مهدي الصادق في نفسها، وكانت الإجابة مخبأة لها في فترة جائحة كورونا، حيثُ كان الوقت المناسب المدّخر لها للشروع فيما هي شغوفة به، فبعد تخرجها في الثانوية في بداية 2020، وتحديدًا في وقت الحجر بدأت ساجدة بالرسم والتلوين بالألوان المائية، ومن بعدها جاء فنّ التطريز الذي تحب؛ ليملأ لها وقت فراغها الطويل في تلك الأزمة، فأخذت تعمل على اللوحة تلو الأخرى بلا توقف أو ملل، يدفعها في ذلك أصدقاؤها الجدد من الخيوط والأقمشة والإبر التي أظهرت حبها لها بانسجامها معها فيما تصنع بها من لوحات قد تكون بسيطة الصور، لكنّها عميقة التفاصيل والشعور.
انطلاقة
شهد نوفمبر 2020 انطلاقة الصادق الحقيقية، فبالرغم من تخرجها واستعداها لملاقاة عالمها الجامعي الأول في المسار العلمي، إلا أنها سعت بكل خطاها لفنّ التطريز، وذلك عند تحصيلها لعدد من اللوحات المُتنوعة والغرز المختلفة أيضًا التي تبرز بها هذا الفن، وبعد تشجيع أهلها وأصدقائها، ومن خلال مشاركتها لفنّها عبر تطبيق snapchat قررت أن تبدأ مشروع التطريز الخاص بها الذي أسمتهُ sajedah.stitch.
حكاية القطعة الأولى
تسترجع الصادق حكاية أول عمل تطريزي كان خط انطلاقتها في المشروع، تقول لـ«القطيف اليوم»:" أول عمل شجعني أن أبدأ مشروعي، كان هي لوحة مطرزة بعبارة "It's a girl "، وقد كانت بطلبٍ من أختي وداعمتي الأولى مُصورة الأطفال حوراء الصادق، وبعدها توالت قطعي الفنية الواحدة تلو الأخرى".
معلم بلا مترجم
تحدث ساجدة عن تعلمها لهذا النوع من التطريز، قائلةً: "تعلمتُ بالمحاكاة من متابعة مقاطع اليوتيوب للمهتمين بالتطريز من جميع الدول والمناطق المختلفة، وكانت بعض هذهِ المقاطع باللغة الفرنسية والإيرانية والهندية، وكنتُ أكتفي حينها بالمشاهدة والتطبيق، لكنني طورت من نفسي ودفعتُ بعملي نحو الإتقان والجمال".
أدوات الأناقة
يتطلّب عمل الصادق عددًا من الأدوات التي تنتج رقة التصاميم المطرزة، ومنها؛ إطار التطريز والإبر الطويلة وقماش الكتان وقماش الإيتامين والخيوط الملونة كالمونليه وخيوط القطن برليه والمقص وقلم قابل للمسح.
وتبدأ خطوات عملها بإعداد اللوحة بتثبيت القماش الذي يكون أكبر من مقاس اللوحة بنحو ٣ سم، ثم ترسم الثيم على القماش بكل دقة وتتأكد من تفاصيلها، تليها مرحلة التطريز والتفنن بألوان الخيوط وتمازجها؛ لتخرج اللوحة بعدها بألوانها المتناسقة التي تحددها الخيوط وتبرز جمالها.
خفة يد
تتفاوت ساعات العمل لدى الصادق في لوحاتها بحسب مقاس اللوحة ورسومها ونوع الغرز وعددها، وكلما تعدّدت الألوان المُختلفة داخل اللوحة الواحدة كلما ازداد الوقت المستهلك في إعدادها، وتلعب الاحترافية في العمل وسُرعة الفنان وخفة يدهِ من وجهة نظرها دورًا في تقليص مدة العمل مع وجود الإتقان في وقتٍ واحد.
تجربة جديدة
جرّبت الصادق التطريز على الملابس أيضًا، فوجدتهُ شيئًا مُميزًا ولطيفًا، كما أنّهُ كان مطلوبًا أيضًا في فترة سابقة، ولكنّها ومن خلال التجربة وجدت أنّ فنان التطريز يحتاج إلى وقت طويل في صُنع وردة واحدة يدويًا على تيشيرت قطني أو فستان مثلاً، نظرًا لتنوع الخامات والأقمشة، لذا أصبح عملها قليلاً في التطريز على الملابس.
فنٌ صامت
يكتمل مزاج التطريز لدى الصادق في أجواءٍ هادئة، بعيدًا عن صخب العالم من حولها، وقريبًا من أصوات أبطال مسلسلها المفضل لخلوتها، لتبدأ بعدها فاتحة أعمال هذا الفن الصامت بمحاكاة الأعمال الأخرى، فهي أهم خطوة قبل البدء، لأنها ترسم لها صورة واضحة في القطعة التي ستنتجها، وتوسّع أُفقها وخيالها أكثر.
الحصان ينافس الـ90 عملًا
وأنتجت بخيوطها الكثير من التصاميم التي وصلت لما يربو على 90 لوحة مطرزة، لكنّ الحصان المطرز هو الأحب لقلبها من بين مجموعتها، فقد واجهت صعوبة في تنفيذه بالدقة التي حرصت عليها، واستغرق العمل عليه 5 أيام بساعات متفاوتة، وكانت النتيجة مرضية بل مبهرة لذائقتها الفنية.
لوحة العروس
وجدت لوحة العروس المطرزة إقبالاً وطلبًا مبهجًا من زبائنها، ولا غرابة في قطعةٍ تؤرخ أجمل تاريخ يربط بين شخصين برباط الزواج المقدّس، وهي ترى أنّ انطباعات الناس حول أعمالها مرضية ومثلجة لصدرها، فقد سمعت الكثير من الكلام المثني على جمال مُنتجاتها، وخصوصًا من أصدقائها في مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا الثناء يدفعها بلا شك لتطوير ذاتها للأفضل دائمًا.
أسئلة وتدريب
وُجِّهت العديد من الأسئلة للصادق حول فنّها من متابعيها، أو ممّن تقع عيناه بالصدفة على صفحتها فيجذبهُ هذا الفنّ الذي تقدمه، فدفعتها تلك الأسئلة إلى استغلال موهبتها وحرفيتها في تدريب الراغبات في تعلّم هذا الفن، فأصبحت مُدربة في التطريز اليدوي وفتحت المجال للتدريب الجماعي والفردي حضوريًا، وهي تعتزم قريبًا إقامة دورات أونلاين لِتكون مُتاحة للجميع.
شغف
تبتهج الصادق بكل قطعة تنتهي من تطريزها، لتسترجع شعورها مع أول غرزة أبهرتها وألهمتها في تلك الحصة الدراسية، فشغفها بالتطريز تغذّى بالجمال والأناقة واللطافة فيما تصنع بعيونها وعيون من تعامل معها.
وختمت حديثها لـ«القطيف اليوم» بقولها: "إنّ الشغف بالأشياء ينقذنا دون أن نعرف، فممارستنا للشيء الذي نشعر بهِ تجعلنا نجد أنفسنا فيه، وتمنحنا الكثير وتساعدنا على الاستمرار".




