12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

إشكالية المقدس في نقد الكاتب عبد الأعلى لخطاب السيد المنير

من بوابة الجندرية والحركة النسوية وجدل التاريخ والمتخيل
دخل العلامة المنير الموسم العاشورائي لعام 1443هــ  جاعلاً (موضوعة المرأة) تحت مجهره الخطابي, لما تمثله تحديا صعبا في الساحة الفكرية الإسلامية المعاصرة و موضوعا مائزا بين الكلام القديم والكلام الجديد هذا من جهة, ومن جهة أخرى تجريب مناهج العلوم الإنسانية واللسانية المعاصرة ,من هنا جاء تعليق أحد الكتاب (سلمان عبد الأعلى ) حول المحاضرة الأولى ( سيرة الزهراء ع بين التحقيق التاريخي والتلاعب الطائفي ) من خلال مناقشة سماحة السيد منير الخباز لكتاب  (جدل التاريخ والمتخيل سيرة فاطمة للدكتور بسام الجمل) اذ يقول صاحب التعليق الكاتب سلمان عبد الأعلى :


(احتج السيد الخباز على الدكتور الجمل بمنهجية لا تتناسب مع منهجيته، فقد احتج عليه بالقرآن الكريم في الآيات المتعلقة بالسيدة مريم عليها السلام في مسألة الرزق، ونبي الله عيسى عليه السلام في مسألة الخلق، ونبينا محمد صلى الله عليه وآلهوسلم في مسألة الإسراء، وهذا الاحتجاج لا يفيد للاحتجاج مع أصحاب الفكر الذي يُحسب عليه أمثال الدكتور بسام الجمل، لأنهم يرون أن القرآن الكريم من مصادر تكوين المتخيل الديني).
ثم أشار إلى مقالة له نقد فيها ما جاء في كتاب الدكتور الجمل تحت عنوان "فَاطِمَةُ (ع) بَيْنَ التَّارِيخِ وَالمُتَخَيِّل"
مما يوحي للقارئ أنه استخدم منهجية تتناسب مع منهجية الدكتور الجمل وأن منهجية  سماحة السيد منير الخباز كانت خارجها 
سؤال مركزي
وهنا نسأل هل فعلا منهجية سماحة السيد منير الخباز كانت خارج منهجية الدكتور الجمل وأن منهجية  الكاتب سلمان عبدالأعلى تتناسب ومنهجية الدكتور الجمل أم لا ؟
للإجابة على هذا السؤال المركزي لابد أن نحلل نقد الكاتب عبدالأعلى لكتاب الدكتور الجمل ومقارنته بمحاضرة سماحة السيد منير الخباز وذلك من خلال النقاط التالية :
1 - موضوع النقد 2.  هدف النقد 3. منهجية النقد وأدواته 4. نتيجة النقد

1- موضوع النقد : سيرة السيدة الزهراء  (ع) بين التحقيق التاريخي والمتخيل .

انصب جل جهد الكاتب عبد الأعلى على التحقيق التاريخ بالدرجة الأولى عن المتخيل لقول الدكتور الجمل :
(وآية ذلك أن التاريخ يوفر للمتخيل مادة أولى يتخذها منطلقاً لبناء صورة عن فاطمة مثلما أن المتخيل يعيد قراءة المعطيات التاريخية بطريقة تأويلية رمزية) .  
إذا فموضوع النقد واحد عند الدكتور الجمل و سماحة السيد منير و الكاتب عبد الأعلى .
2 - هدف النقد أو الناقد (تأثير الهدف في اتخاد المنهج المناسب  و إشكالية المقدس)
لهدفية النقد تأثير واضح في اتخاذ المنهج المناسب فمثلا هدف الدكتور الجمل هو :
( بأن اهتمامنا بفاطمة في التاريخ ليس القصد منه إعادة كتابة سيرة فاطمة بأدوات المؤرخين المحترفين، وبمناهجهم الحديثة المعاصرة في المقاربة، وإن كان النظر في ذلك مهماً؛ بل القصد معرفة كيفيات الانتقال من سيرة تاريخية يُعتقد أنها كذلك لدى منتجيها، إلى سيرة متخيلة نراها نحن على هذه الصفة، ويراها غيرنا من العلماء المسلمين قدامى ومعاصرين من صميم التاريخ) .  
واما هدف الكاتب عبد الأعلى فهو كما يقول :
(والحق أن هذا النوع من الدراسات النقدية الحديثة في غاية الأهمية، نظراً لكوننا في مسيس الحاجة لإخضاع جميع شخصياتنا الدينية المركزية - وليس فاطمة (ع)  فحسب - لدراسات من هذا القبيل، وذلك لكي نستطيع أن نميز بين ما له أصل تاريخي، وبين ما هو متخيل خارج عن الأُطر التاريخية) . 
نلاحظ هنا أن هدف الكاتب يتقاطع مع هدف الدكتور الجمل حسب الظاهر
سؤال :
إلى أي مدى يتقاطع هدف الكاتب مع هدف الدكتور الجمل في الدراسات الحديثة فهدف الدكتور الجمل يتناسب مع حقل مايسمى بفلسفة الدين
تعريف فلسفة الدين :
ـ فلسفة الدين: وهي "نوع من الفلسفة تعتمد العقلَ في بحث وتحليل المقدّسات والمعتقدات والظواهر الدينيّة وتفسيرها، وهي لا تتوخّى الدفاعَ عن هذه المعتقدات وتبريرها، مثلما يفعل اللاهوتيّون والمتكلّمون، وإنّما تهتمّ بشرح وبيان بواعث الدين ومنابعه في الروح والنفس والعقل، ونشأة المقدّ وتجلّياته في حياة الإنسان، وصيرورته وتحوّلاته في المجتمعات البشريّة" .
وأيضا يقول الباحث الإسلامي الدكتور عبدالحسين  خسربناه
( أما اليوم فلا تطلق فلسفة الدين إلا على التفكير الفلسفي والعقلاني حول الدين , ولا يمكن عدها وسيلة لتعليم الدين بناء على ذلك يمكن للملحدين وللا أدريين – كما للمتدينين – مزاولة التفكير الفلسفي  حول الدين)
اي كما أشار إليه الدكتور عبدالجبار الرفاعي (وهي لا تتوخّى الدفاعَ عن هذه المعتقدات وتبريرها، مثلما يفعل اللاهوتيّون والمتكلّمون) .
ولذا عرف الدكتور خسروبناه علم الكلام (هو علم وفن ينتمي للدراسات الدينية تستنبط وتنظم وتبين به المعارف والمفاهيم العقائدية من خلال الاستعانة بالنصوص الإسلامية ويستدل به على إثبات تلك المعارف وتبريرها باتباع مختلف المناهج والمقاربات الدينية وغير الدينية ويرد به على شبهات المخالفين ومناقشاتهم العقائدية)  
وإن كان حاول البعض كالمفكر الإيراني عبدالكريم سروش ربط علم الكلام بفلسفة الدين عبر مفردة الجديد أي علم الكلام الجديد وهنا ندخل في إشكالية كبرى في بلورة علم الكلام الجديد 
هل هو امتداد للقديم كما هو في التعريف السابق  وهومختار الدكتور خسروبناه أم هو انقلاب على جوهر الكلام القديم واشترك معه في اللفظ أي بما يسمى بالاشتراك اللفظي كما هو حاصل عند بعض المفكرين الحداثيين أو هو تكامل لعلم الكلام القديم عبر استخدام المناهج  الحديثة  والمسائل المستحدثة  كما هو حاصل عند مدرسة المفكرين السيد محمد باقر الصدر والعلامة الشهيد الشيخ مرتضى المطهري .
فواضح هدف سماحة السيد منير الخباز من المحاضرة  هوالدفاع عن مكانة السيدة الزهراء عليها السلام وموقعها الإسلامي فهذا الدفاع يتناسب مع حقل علم الكلام الجديد المنطلق من مدرسة المفكرين الشهدين الصدر والمطهري  وهو الدفاع عن المعتقدات والمقدس من خلال الاسفادة من المناهج الحديثة.
أما هدف الكاتب عبد الأعلى فقد وقع في ارتباك في التعامل مع منهج الدكتور الجمل عبر ما يسمى بإشكالية المقدس  أيتوخى الدفاع عن مكانة السيدة الزهراء عليها السلام فيدخل في حقل علم الكلام؟  أم لا يتوخى ذلك فيشترك مع الدكتور الجمل في حقل فلسفة الدين.؟ 
للإجابة على هذا التساؤل نستشهد بالتالي :
1. بدأ الكاتب عبد الأعلى متحمسا في بداية مقاله بقوله :
(حاول الباحث بسام الجمل دراسة كيفية تحول سيرة فاطمة الزهراء  (ع) من الواقع التاريخي إلى المتخيل الإسلامي، والحق أن هذا النوع من الدراسات النقدية الحديثة في غاية الأهمية، نظراً لكوننا في مسيس الحاجة لإخضاع جميع شخصياتنا الدينية المركزية - وليس فاطمة   فحسب - لدراسات من هذا القبيل، وذلك لكي نستطيع أن نميز بين ما له أصل تاريخي، وبين ما هو متخيل خارج عن الأُطر التاريخية.  
ثم يتدارك الكاتب عبد الأعلى بقوله :
لا يمكن القول بأن جميع الشخصيات يصح التعامل معها وفقاً لهذين المعيارين، وبالخصوص الأنبياء   ومن يقترب من دائرتهم، فهل يصح القول بأن النبي (ص) وابنته فاطمة  (ع) هما ممن يتفقون في تعاملاتهما في أمورهما الحياتية - كالعادات الخاصة بأمور الزواج وإدارة شؤون الحياة - مع القيم الاجتماعية السائدة في الوسط القبلي آنذاك؟ أعتقد أن هذا الأمر مجانب للصواب، وبالخصوص بالنسبة للرسول (ص)،فمما لا شك فيه أن دعوته اشتملت على ما لا ينسجم مع الكثير من القيم الاجتماعية الموجودة في عصره
ولهذا توصل الكاتب  عبد الأعلى في نتيجة قراءته النقدية لكتاب الدكتور الجمل الى القول :
(ولكنه للأسف الشديد فر من هذه القراءة ووقع فيما هو أعظم منها، حيث أنه قرأ سيرتها بما أستطيع أن أسميه بالقراءة التحقيرية أو التسفيهية ) . 
ثم يقول  في موضع أخر :
(علماً بأنه ليس بالضرورة أن تكون الشخصية هامشية حتى تتحول سيرتها من التاريخ إلى المتخيل، لأن هناك الكثير من الشخصيات المحورية المهمة كالأنبياء   التي تحولت سيرهم من التاريخ إلى المتخيل، بل أكاد أجزم بأن الشخصيات المحورية المهمة هي التي تكون قابلية انتقالها للمتخيل أكثر من غيرها، وذلك نظراً لتأثيرها الكبير في نفوس المتأثرين بها).  

3- منهجية النقد وادواته ( معالجة سماحة السيد منير الخباز لإشكالية المقدس). 

عزيزنا عبد الأعلى اذاً لا معنى لنقدك  لسماحة السيد منير الخباز بقولك  في التعليق :
(احتج السيد الخباز على الدكتور الجمل بمنهجية لا تتناسب مع منهجيته، فقد احتج عليه بالقرآن الكريم في الآيات المتعلقة بالسيدة مريم عليها السلام في مسألة الرزق، ونبي الله عيسى عليه السلام في مسألة الخلق، ونبينا محمد صلى الله عليه وآلهوسلم في مسألة الإسراء، وهذا الاحتجاج لا يفيد للاحتجاج مع أصحاب الفكر الذي يُحسب عليه أمثال الدكتور بسام الجمل، لأنهم يرون أن القرآن الكريم من مصادر تكوين المتخيل الديني).  
فإن ما طرحه سماحة السيد منير الخبازملتفت لما أشكلت عليه  وهو قولك :
( لا يمكن القول بأن جميع الشخصيات يصح التعامل معها وفقاً لهذين المعيارين، وبالخصوص الأنبياء   ومن يقترب من دائرتهم) .
بينما قلب  سماحة السيد منير الخباز الطاولة على الدكتور الجمل في إشكالية قبول الغيب والمعجز أذا ثبت تاريخيا وذلك عبر تواتر القرآن   فما بعد القرآن تواتر كوثيقة تاريخية في سياق قوله والذي لم يفهمه الكاتب عبد الأعلى .
(إذا كانت كل رواية فيها لمسة إيمانية غيبية، نتحفظ عليها ولا نقبلها لأن فيها لمسة غيبية إيمانية، بعيدة عن مسار التاريخ هذا يقتضي أن نتوقف حتى في الأحداث التي ذكرت في القرآن، القرآن ماذا قال عن مريم؟ ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ هل نتوقف لأن فيها لمسة غيبية؟ أو عندما يقول عن عيسى ابن مريم: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ هذه لمسة غيبية إعجازية، محمد   عندما يقول عنه القرآن الكريم: ﴿سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ هذه قصة عليها لمسة غيبية إعجازية واضحة.
إذن ليس كل حدث فيه لمسة إعجازية يتحفظ عليه ويقال هذا ليس من التاريخ، بل المهم أن هذا الخبر ثبت بطريق صحيح أم لا، إذا ورد الحدث بطريق معتبر بحسب الموازين العلمية يؤخذ به حتى لو كانت فيه لمسات غيبية أو إعجازية أو إيمانية) . 
فتواتر القرآن مما لا شك فيه سواء أكان ذلك عن طريق تعاقبه في كل عصر بالمشافهة أو الكتابة  سواء عن طريق المخطوطات التي اكتشفت في العصر الراهن وتم التأكد منها بالفحص الكربوني أو غيرها فالأشكال على تواتر القرآن يذكرنا بما أشكل به عميد الادب العربي طه حسين على الشعرالجاهلي أنه منحول مستوردا هذه الشبهة من بعض المستشرقين فسالت عليه الردود العلمية تترى وكيف لا يكون ذلك فالشعر ديوان العرب ؟! كذلك القرآن كتاب المسلمين فالإشكال على النص القرآني شبهة مقابل البديهة ولهذا كان الدكتور الجمل ملتفتا إلى هذا الامر، أي قيمة التواتر في الثقافة الإسلامية وأدواته الاحترافية مما تدلل على إبداع العقل الإسلامي والتي استفادت منها الحضارة الغربية  فقال الجمل :
(التاريخ ليس القصد منه إعادة كتابة سيرة فاطمة بأدوات المؤرخين المحترفين )  
ومن جهة أخرى يقول :
( وآية ذلك أن التاريخ يوفر للمتخيل مادة أولى يتخذها منطلقاً لبناء صورة عن فاطمة مثلما أن المتخيل يعيد قراءة المعطيات التاريخية بطريقة تأويلية رمزية )
وهذا ما يقصد به من كلمة (جدل) في عنوان الكتاب (جدل التاريخ والمتخيل) أي أن الدكتور الجمل لا يمتلك أدوات المؤرخين المحترفين فاستعاضه بمفردة الجدل والتي تعني الديالكتيك و الصيرورة المستمرة  أي التاريخ يؤثر في المتخيل و المتخيل يعيد قرأءة التاريخ اي لا يوجد ثابت في التاريخ وهذا  ما احتار فيه الكاتب عبد الأعلى 
 فقال أي  الكاتب عبد الأعلى :
(من الغريب حقاً أن يقع الباحث في الإشكالات التي أشرنا إليها آنفاً رغم التفاته


error: المحتوي محمي