12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

ميثولوجيا كربلاء (2)

لا تحتمل المرويات والشعبيات البطولية دلالة واحدة فحسب، بل تتشظى ضمن اتجاهات عدة؛ اجتماعية، سياسية، اقتصادية، عقائدية، أخلاقية، قانونية، نفسية، ولهذا حينما يستمع الفرد إليها يعود بالذاكرة إلى ماضيها وملابساتها ويجتهد لاكتشاف خباياها، كما في قصص بطولة عنترة وأبي زيد وسواها.
عنترة بن شداد وأبو زيد الهلالي لم يصلا حافة الأسطرة ولم يدخلا دائرة الميثولوجيا، فقد بقيا داخل التراث المحلي، وضمن جوانبه، أما قضية كربلاء، وشخصية الحسين بن علي، فقد تجاوزت دائرة المرويات الشعبية، لتدخل عالم الميثولوجيا؛ العالم الذي يحوي العجائب والغرائب.
تحولت شخصية الحسين من حالة الفردانية والخصوصية إلى حالة عامة وعائمة ومحملة بالدلالة، إذ أضحت رمزاً وأيقونة وزيدت الكثير من المرويات حولها، وما شجع على ذلك اعتمادها على المنقولات الشفوية قبل تأسيس الكتابة وتدوين الواقعة.
تتميز شخصيات الميثولوجيا بقدرتها على مجاوزة محيطها القريب لتصبح إحدى رمزيات العالم، فالحسين ليس للشيعة أو للمسلمين، بل أضحى لعموم الأفراد ومن مختلف الثقافات كما هو الحال بالنسبة لشخصيات الميثولوجيا اليونانية أو الهندية أو الفارسية أو الصينية.
هذه الشخصيات أضيف لها الكثير وتم تحميلها العديد من الدلالات والغرائب والعجائب، ولذا يمكن رؤية تأثيرها عبر الاستشهاد بها والإتيان بذكرها والتمثيل بأفعالها كلما وقع حادث مشابه أو قضية تتقاطع مع أهدافها، فهي إذن اخترقت حاجزي الزمان والمكان، إضافة إلى اختراق حواجز اللغة والديانة والهوية.
الحسين أيضاً؛ اخترق حواجز الزمان والمكان واللغة والديانة والهوية، ويمكن رؤية ذلك بوضوح عبر الاستشهادات المختلفة التي ترد على لسان غير العرب كما هو حال غاندي المناضل الهندي غير المسلم، حيث استشهد بالحسين للتدليل على عدالة قضيته، وهو ليس إلا اسماً من كثير من الأسماء عبر التاريخ.
ما يؤسف له أن المسلمين وإلى اليوم لا يدركون أهمية الحسين باعتباره رمزاً وعَلماً فاعتبروا كربلاء خاصة بفئة واحدة هي الشيعة بينما الحقيقة خلاف ذلك، وإن كان الشيعة أكثر المستفيدين منها، عبر ربطها بمدارسهم ومناهجهم وخطاباتهم؛ أي بحياتهم اليومية.
لا يزال الحسين صندوقاً مقفلاً بالنسبة للكثير من المسلمين والعالم، وما يمكن ملاحظته هو الظلم الذي نالته قضيته، على مستوى الانتشار والتوزيع، فبرغم مضي ألف وأربعمئة عام لا يزال المسلمون يمارسون تجاهها التهميش والتغييب وكأنها لا تعنيهم ولا تختص بهم.
ليس ضرورياً أن يرى الفرد الفائدة من الحسين تجاه مذهبه أو حتى ديانته كي يؤمن بتعاليمه ويصدق أقواله ويتبع منهجه ويسير على خطاه، فالميثولوجيات لا تتطلب ذلك، إذ تكتفي بإبراز الدلالة وكشف المعنى وإعطاء المتلقي ما يرغب في سماعه وتصديقه، وهو ما نجده لدى الميثولوجيات القديمة كما في قصة تموز وعلاقته بعيد النوروز أو شم النسيم أو الاحتفال بقدوم الربيع.
الميثولوجيات منبع لا ينضب للدلالة، فالمعنى يستفيق داخلها ولا ينتهي؛ حيث تصبح الشخصيات خالدة ومتجاوزة لزمانها ومكانها ولبقية العوائق التي تحاول احتجازها ضمن دائرة مغلقة، ولعل أكثر المستفيدين منها هم الشعراء والكتاب والخطباء، الذين كلما عادوا إليها اكتشفوا أجزاء فاتتهم وحقائق لم يتبينوها جيداً.
الإسلام دين الحقيقة، لا شك، وينبذ الخرافات والأساطير، أما الشعب العربي فليس الديانة الإسلامية وإن اتصل بها عضوياً، وأصبح جزءاً لا يتجزأ من تاريخها وتكوينها، حيث ظل محتفظاً بعجائبياته وغرائبياته ولم ينسها مثلما نجد في الروايات الواردة عن وادي عبقر وتأثير "القرين" على الشاعر.
ويمكن أن نضيف أكثر من ذلك فندرج مجموعة من الكتابات ضمن هذه الفئة التي تحمل الكثير من المعاني والدلالات، مثل رحلة المعري المسماة "رسالة الغفران" أو مثل "التوابع والزوابع" أو قصة حي بن يقظان، وطبعاً لا يمكن نسيان كتاب "ألف ليلة وليلة" الذي يعتبر قمة الحكايات الشعبية والمرويات الخرافية.
العودة إلى قضية الحسين عودة إلى صندوق محمل بالمفاجآت وحاوٍ لكثير من الدلالات سواء على المستوى الاجتماعي أو السياسي أو الديني أو الأخلاقي أو القانوني أو النفسي، وحين ينفتح سيكون أمام الكتاب والشعراء والخطباء كنز لا ينضب يلهب خيالهم ويثري أحاديثهم.




error: المحتوي محمي