جاءت تحمل طفلها الذي ألبسته ملابس سوداء ليشارك دون أن يدري برسم لوحة الحداد الذي لا ينتهي ولا يقتصر على الكبار دون الصغار.
أحسبها جاءت ويتملكها الخوف أن يقوم أحد بمنعها لأنها جاءت بطفلها وممنوع اصطحاب الأطفال، حين دخلت وجلست بجانبي كانت متأخرة وقد تم توزيع البركة والعصير، وحتى حين يسألها من بجانبها هل أعطوكِ بركة تجاوب نعم وتريهم شطيرة أظنها أعدت بالمنزل لطفلها، وأنا لم أرَ أنه تم المرور عليها وإعطاؤها أي شيء، لكن أشعر أنها كانت تريد فقط الجلوس والتنعم بالاستماع للمصيبة وحضور ابنها معها بدون منغصات.
كان ابنها يُصدر أصواتًا غير مفهومة وشعرت أنه من ذوي الاحتياجات الخاصة، كانت تخفي صوته بوضع يدها على فمه لتسكته، كنت أشعر بالخجل الشديد من استشعاري لخجلها لئلا ينظر لها أحد بنظرة عتب بإحضار ابنها وتسببه بالإزعاج.
كلنا نعرف أن الأطفال قد لا يستطيعون الجلوس طويلًا دون حراك أو تحدث، فهذا ليس أمرًا صحيًا لطبيعة الطفل، من الممكن أن يكون الطفل الطبيعي مع التربية والتوجيه يبقى هادئًا ومحافظًا على نوع من الهدوء الذي يحتمله، لكن ماذا اذا كان ذا حالة خاصة؟
ربما تأتي الأمهات بأطفالهن الذين يملكون حالة خاصة ليتلقوا عطفًا خاصًا من صاحب المصيبة ليعطف الحسين على أم تبكي وهي تدعو لفلذة كبدها الذي أنجبته وهو يحمل رزقًا خاصًا قد ينال منه الناس بالتهجم والسخرية.
فلنعترف أن هناك نسبة لا بأس بها تعاني منها الأطفال كحالات التوحد والتشتت وفرط الحركة وغيرها، لكن ما ذنب الصغير الذي ليس بيده التحكم بتصرفات تصدر منه لحالته، لنوجه له أو لأمه نظرة حادة تدعوه للسكوت والهدوء، لتجعل أمه تخاف الخروج به، ليُحكم عليها سجنًا بالمنزل، ليكون طفلها سجينًا معها كي لا يتعرض للطرد والتوبيخ الذي قد يعقد حالته.
لنأتي بالواقع مع الكبار؛ قل لي متى كُنت بمكان كان الكبار هم مصدر الإزعاج واستطعت إسكاتهم وإسكات أحاديثهم الجانبية، فإذا كان الكبير الذي يستوعب الكلام ويفهمه لا تفيد معه أي توجيهات بالهدوء وجعل الهاتف بوضع الصامت احترامًا للمكان الذي فيه، فهل ينبغي أن يكون الطفل بحالته الخاصة أن يكون مستمعًا لرغبتك.
قد لا نفهم حديثه ويسبب شيئًا من الإزعاج، ولكن لا ندري إن كان يرى بعينه ما لا نراه نحن فيتحدث عاليًا بما لا نفهم لكن يفهمه حُسينه، صدقوني صراخ الأطفال هو أهون بمراحل من شخص كبير يجلس بوقت المصيبة دون احترام ويتحدث بهاتفه أو مع الذي بجانبه دون اكتراث لوضعه ووضع من حوله الذي استمات لينال مقعدًا متاحًا له بمأتم، وغيره بقوا بالخارج دون مقعد.
هنا يحضرني موقف حدث لي منذ أيام، حيث ذهبت لمأتم ولم يكن هناك متسع فاضطررنا للجلوس على الدرج بفناء المأتم وكانت بجانبي إحدى الأخوات التي منذ بدأ الخطيب بالنعي وهاتفها يرن وتتحدث به بكل مرة، إلى أن بدأ بالمحاضرة وما زلت لا أستطيع الانتباه تارة من رنة الهاتف وتارة من حديثها بالهاتف، إلى أن قررت الهمس لها: "غناتي ممكن وضع هاتفك على الصامت؟"، فوافقت واعتذرت لي على الإزعاج، لكنها لم تلبث دقائق حتى قامت وغيرت مكانها بعيدًا عني!!
لا أعلم إن كان طلبي به شيء من الخطأ، ولكن إذا كان الكبير يشعر بالإحراج حتى من كلمة تقال له بشكل خافت دون علم الناس بها، فكيف بمن يستلم الأطفال بصراخه وتهزيئه علنًا أمام الناس ولا يراعي ما يحتاجون له من تعامل خاص، فيجعل بهم عقدة من المكان وما يرتبط به.
إحدى الصديقات تقول لي قصة صديق ابنها الذي بمقتبل العمر وكان يؤذن بالمسجد، ولا تعلم ما الذي صدر منه وجعل شيخ المسجد يزجره بشده أمام الجميع، ليروي لها ولدها أن صديقه لم يترك الأذان فقط بل كره المسجد وكل ما له صلة به.
نحن للآن لا ندرك أن بكل شخص وكل فئة هناك حالات خاصة تحتاج لمراعاة حالتها ومعاملتها بشكل خاص، لأن معاملة كل الفئات بنفس الطريقة شيء خاطئ، فالخطاب للأطفال يختلف عن الكبار، وخطاب الكبار يختلف فيه النساء عن الرجال.
الأطفال يحتاجون اللين والعطف أكثر والنزول لهم وتفهم مراحلهم وحالاتهم، والنساء يحتجن النظر أكثر لإحساسهن واحترام مشاعرهن، والرجال يحتاج خطابهم احترامًا لعقولهم.
جميعنا قد نقول نحن حالة خاصة بين الناس، لكن هناك من هم فعلًا حالة خاصة تحتاج رعاية ونظرة خاصة بالتربية والتعامل .
أتتوقعون أن علي الأكبر لم يكن حالة خاصة لدى أبيه الحسين؟ فهو شبيه جده خَلقًا وخُالقًا ومنطقًا وبه يرى جده حين يشتاق له.
ومع أنه حالة خاصة قدمه أول قربان طاهر من أهله ليفدي به الدين ويضحي لأجله ليبقى لنا سليمًا، لكن ما زلنا نُفسد لليوم تضحياته ونفرط بسلامة ديننا.
أتتوقعون أن الصفات التي حملها علي الأكبر (ع) جاءت من فراغ؟ أم أن الحسين أولاه تربية خاصة ليكون الولد العزيز ذا الصفات الغُر التي تحمل كل جميل شكلًا ومضمونًا، لهذا احتضر الحسين (ع) لوداعه وحين رؤيته مقطّع الأعضاء.
ومن ذا لا ينصدع قلبه حين يرى آية من جمال الله وجمال رسوله غدت قطعة لحم مهبرة ومقطعة إربًا إربًا، أتُرى نلوم الحسين إذا اسودت الدنيا بعينه بشهادته ليتمنى الموت مناديًا: على الدنيا بعدك العفا يا ولدي.



