12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

ما بعد المدينة الفاضلة «حب الحسين»  

الحب هو أقوى عاطفة إنسانية تولد النشاط والحركة لدى الإنسان، الحب ليس مجرد شعور بل هو حالة معنوية تسبقها حالة من الاستغراق الفكري للوصول إلى جوهر وحقيقة من نحب، الحب طبيعتنا وفطرتنا النقية التي تدفعنا للاندماج بقوة مع قيم ومبادئ وأخلاق من نحب، الحب سلوك له فعل وجداني تستحيل فيه الروح الإنسانية إلى طاقة من الخير تنثر البركة في كل مكان تحل فيه (واجعلني مباركًا)، الحب هو أبرز مشاعر مصممي المدن الفاضلة وملهمي الحياة.
يا ليتنا كنا معكم
​هذه عبارة لها وقع كبير في الوجدان المحب للإمام الحسين عليه السلام وهي تعبر عن انفعال ومشاعر الحب، إنها لحظة تماهٍ واتصال عميق بذلك المجال الطاقي الحيوي الرباني الذي يجسده سيد الشهداء، نحن نقول للمولى الحسين عليه الصلاة والسلام يا ليتنا كنا معك سيدي فنفوز معك بنصرة الحق والقيم والمبادئ الرسالية التي تنقذ الناس من الاستبداد والظلم وتعيدهم لطبيعتهم وفطرتهم وبشريتهم، هو تعبير عن الرغبة العميقة في الانتماء لأولياء الله ومن ارتضاهم لدينه، مع هذه الطبقة من أصحاب القلوب المستقرة في معرفتها وإيمانها هو المقدمة اللازمة للتكوين المعرفي والعاطفي الذي ينتج حاضنة تنمو فيها الأرواح النقية (لنبشر أنفسنا بأن قد طهرنا بولايتك)، ومن جانب آخر هو تجسير العلاقة بين المؤمن والحقيقة وإعادة تنظيم حياة المجتمع وفقًا لإرادة السماء، وفي بعد آخر صيانة هويتنا الدينية من عبث الشرك المتلصص وتلك القوى المخربة التي لم تزد الإنسان إلا اغترابًا عن ذاته وعقيدته.
السعي بين المحبوب وأهدافه
​روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله في رواية مطولة قال فيها: إنّه لمكتوب عن يمين عرش الله الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة وإمام خير ويمن وعزّ وفخر، وبحر علم وذخر، وإنّ الله عزّ وجلّ ركّب في صلبه نطفة طيّبة مباركة زكيّة.
​إن وظيفة المحب تتجلى في السعي بين جوهر المحبوب وأهدافه المقدسة وذلك من خلال صياغتها بشكل حيوي في برامج وأنشطة إثرائية، تساهم في إعادة إنتاج متواصلة (كل يوم كربلاء وكل أرض عاشوراء) للسلوك الأخلاقي الذي يساهم في استقرار العلاقات الاجتماعية، وضبط إيقاع حركة الإنسان في الحياة وترتيب رغباته في اتجاه تحقيق الوظيفة النهائية للدين، ومن جانب آخر فإن الإمام الحسين عليه السلام (مصباح هدى) أي أنه بشهادته المباركة تجلت الحقائق للناس (ليميز الخبيث من الطيب) (المعتقدات الأصح) بعد التلبيس والتدليس الذي حدث في بعض الأجزاء الرئيسية والأولية لأهم معالم الدين.
الوظيفة الأخرى السعي للتخفيف من معاناة الناس ومرارة الحياة من خلال بسط العدل والإحسان ومنع الإساءة وإيجاد حلول واضحة لمشكلات الاجتماع (الاقتصادية وأبرزها الفقر والمعرفية وإبرزها اضطراب الهوية الدينية والأمنية ومنها الاهتمام بسلامة الوجود الإنساني وغيرها من مشكلات الاجتماع).
المميزات الشخصية لمحب الحسين
​أوضحنا فيما سبق بعض الوظائف الأساسية للمحب، وقلنا بمهمته الأولى توضيح الحقيقة للناس من خلال البرامج الإرشادية الممنهجة التي تقوم على العقل الحكيم (هو منطقة تقاطع بين العقل والعاطفة) وتوضيح الموقف العاشورائي دون الدخول في الأحكام الأخلاقية على أحد وهذا بلا شك من جملة أخلاق المولى الحسين عليه السلام وهو أسلوب مجدي في التوجيه والأخذ بيد الناس للحقيقة، لذلك تحتاج الشخصية المحبة لسيدنا الحسين عليه السلام لصفات معنوية تساهم في توليد الحكمة والموعظة الحسنة نذكر بعضًا منها:
الإحسان وهو تقديم أكبر مقدار من الخير الذاتي الممكن، وذلك بأن يوطن الإنسان نفسه على الصبر وتنظيم الانفعالات والنظر إلى الإحسان كصفة مهمة للمصلح المستنير {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.
العدالة وتبدأ باعتدال القوى النفسية فكما يقول أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام العدل في اعتدال قوى النفس (الحب، والكره، والبغض والتعصب وغيرها من انفعالات نفسية والتي يؤدي عدم ضبطها لتشويه السلوك الأخلاقي والمعرفي للإنسان المؤمن، هذا من جهة ومن جهة أخرى هو العدل في توزيع الأمور الباعثة على الراحة سواء المادية والمعنوية على الناس.
إصلاح النفس وذلك من خلال التأمل الباطني والتنمية المستمرة والدائمة لخبراتنا المعرفية والعاطفية والسلوكية وإعادة تشكيلها وتنظيمها باستمرار، والتأكد من نقاء الدوافع من خلال اليقظة الذهنية والالتفات للطبيعة الخادعة لبعض الأفكار، التي قد تضللنا وتجعلنا نسير في اتجاه بعيد عن الأهداف المقدسة للمحبوب، الذي كلما يلهمنا الاقتراب منهم الحياة الطبية.
أحب الله من أحب حسين.



error: المحتوي محمي