مقدمة
وُلِدَ في مدينة القطيف عام 1344هـ (1926م)، حيث تعلم القرآن الكريم والخط ومبادئ الحساب في بلدته، ثم سافر إلى العراق، فدرس النحو والبلاغة والمنطق والتفسير والرياضيات والفقه والأصول وغيرها، ثم اتجهلاحقا إلى الدراسة الأدبية والشعرية حيث تعمق فيها، وتولى إدارة مكتبة جمعية الرابطة الأدبية بالعراق، وإدارة مكتبة الكاشف الخاصة، كما تولى أيضا تحرير مجلة الغري العراقية التي توقفت عن الصدور، وكذلك تحرير جريدة أخبار الظهران السعودية، وبعد 14 عاما قضاها في العراق، عاد إلى القطيف حيث شارك في نهضتها الأدبية، وهو عضو في جمعية الرابطة الأدبية في العراق عام 1941م، وفي نفس العام نظم أولى تجاربه الشعرية، ثم أخذ ينشر شعره ومقالاته الأدبية والنقدية والتاريخية في الصحف السعودية والعراقية واللبنانية والخليجية وغيرها، وقد شارك في الكثير من المهرجانات الشعرية والنشاطات الأدبية، ومن أبرز أعماله ملحمة شعرية بعنوان "شراع على السراب"، وديوان "الحب للأرض والإنسان"، و"قطرات ضوء" وغيرها، إنه الأديب والشاعر والمؤرخ الراحل عبدالله بن علي الجشي، الذي التقاه الزميل، الكاتب والإعلامي محمد رضا نصرالله، في حلقة من برنامجه "ما بين أيديهم"، حيث تطرق الحوار إلى جوانب عديدة من حياة الراحل ومسيرته الأدبية.
ــ (من قصيدة: هذي بلادي)
هذي بلادي وهي ماض عامر
مجداً وآت بالمشيئة أعمر
ألقى عصاه على فسيح جنانها
وعلى الجزائر عالم متحضر
وأذلَّت التيار تحت شراعها
فلها عليه تحكم وتأمر
شهدت مواني الهند خفق شراعها
فكأنها فوق المياه الأنسر
هذي بلادي
* قصيدة "هذي بلادي" من القصائد الجميلة التي لطالما سمعناها وقرأناها في كتاب النصوص (الثالث متوسط)، والتي يبدو أنك قد قلتها احتفالًا بالوفد المصري الذي زار المملكة في بداية الخمسينيات، ممثلاً جامعة الملك فؤاد، وكان الوفد برئاسة الشيخ أمين الخولي، وهو زوج الكاتبة والأديبة الدكتورة بنت الشاطئ، نريد هنا أن تحدثنا أكثر عن هذه القصيدة ومناسبتها.
** كانت المنطقة الشرقية في بدايات خطواتها نحو التفتح بشكل عام، وكانت القطيف إحدى مدن هذه المنطقة، ولم يسبق لها أن زارها وفد على هذا المستوى العلمي والأدبي، وقد فوجئنا بهذا الوفد المصري الذي يمثل جامعة الملك فؤاد الأول (جامعة القاهرة الآن)، فطلب الحاضرون أن يتم تخصيص أمسية أو ندوة للنقاش وللتعرف على النهضة المصرية التي كان أفراد الوفد الزائر على إحاطة كبيرة بها، فكتبت هذه القصيدة في ليلة واحدة وهذبتها، وألقيتها في تلك الندوة، وأُعجِبَ بها الحاضرون، وعلى الأخص الدكتورة عائشة عبدالرحمن الملقبة ببنت الشاطئ، وقد نشرتها في مجلة الكتاب، وأعادت نشرها في كتابها "من أرض المعجزات".
وكانت زيارة هذا الوفد للمملكة بدعوة من المغفور له الملك عبد العزيز، وكان القصد منها توثيق أواصر العلاقة بين مصر والمملكة العربية السعودية، وذلك في إطار توثيق الصلات بين المملكة والعالم العربي بأجمعه، وقد زارت بنت الشاطئ الحجاز أولًا ثم زارت الرياض ثم المنطقة الشرقية، وخلال زيارتها للمنطقة الشرقية زارت القطيف.
* هل كانت بنت الشاطئ تبحث عن مخطوط معين قد سمعت به؟
** نعم، كانت تبحث عن كتاب "الشافي في الإمامة"للشريف المرتضى، وقد تبارى أديبان فقدم كلاهما نسخة مطبوعة منه طباعة حجرية.
جو الخمسينيات الثقافي
* حدثنا عن الجو الثقافي وقتذاك في الخمسينيات، ففي ذلك الوقت بدأ التعليم يُزرع على أراضي هذه الصحراء التي توحدت، ثم انطلقت في مسيرة ثقافية واجتماعية حتى وصلت إلى ما وصلت إليه الآن.
** هناك عاملان رئيسيان في ذلك؛ الأول هو انتهاء الحرب العالمية وتكون عالم جديد منفتح على بعضه البعض، والثاني هو أن المملكة العربية السعودية دخلت في عصر إنتاج البترول، مما أتاح لها الظهور على المسرح العالمي كمنتج للنفط وقد كان ذلك عاملًا نحو التقدم والثقافة.
* ماذا عن الحركة الشعرية وقتذاك؟، فأنت قد تعلمت في العراق ثم أتيت إلى المملكة، وهنالك في القطيف كان ثمة شعراء من أمثال الشيخ عبد الحميدالخطي والشاعر خالد الفرج، هل من حديث حول هذه التجربة؟
** في الحقيقة أن هذه المنطقة بأكملها ترجع أصول سكانها إلى قبيلة عبدالقيس، وكذلك قبيلة بكر بن وائل، والتي منها طرفة بن العبد والمتلمس، وقبيلة تميم، فهذه القبائل كانت تعمر هذه المنطقة، وقبيلة عبدالقيس كانت معروفة بكثرة شعرائها، حتى قال الجاحظ إنه لا يوجد في القبائل العربية من يباري عبدالقيس في كثرة شعرائها، ومن هاجر منهم قد هاجر لكنه ظل مرتبطاًبهذه الأرض، لذلك فإن هذا الشعر لا يزال حيًا ولكن بدرجات متفاوتة من الحيوية، وكما قلنا فإن إطلالة المملكة على عصر البترول والتفتح السياسي العالمي قد ولّدَا تفتحًا فكريًا، بحيث تطور الشعر من الشعر القديم المحافظ إلى شعر منفتح على الأوضاع والأفكار كلها، وكان في القطيف مكتبًا لآل البريكي، يديره المرحوم ميرزا حسين البريكي، وكان يُعنَى ببعض العلوم الحديثة، ومنها الشعر والتعليم وحفظ الحديث وتجويد الخط والقراءة والتاريخ، وقد أنتج هذا المكتب أو هذه المدرسة التلقيدية الكثير من الموهوبين.
وكان هناك بعض الوافدين على البلاد، مثل المرحوم الأستاذ خالد الفرج، فقد كان هذا أيضا مما شجع على التوجه نحو الأدب الحديث، وقد كان للأستاذ الفرج مواقف مشرّفة شارك فيها المواطنين للتعبير عن مواقف المملكة، وخصوصا في تاريخ المملكة وما يتعلق بتاريخ وسيرة المغفور له الملك عبد العزيز، حيث كتب أول ملحمة شعرية سعودية بعنوان "أحسن القصص".
لمحة من تجربتنا الشعرية
* لو سألناك عن التأثيرات العربية التي كانت طاغية وقتذاك في التجربة الشعرية السعودية الوليدة، فنحن نعلم أن المملكة العربية السعودية هي خلاصة للجغرافيا العربية أو هي مرتكزٌ لها، فنجد مثلًا في الحجاز وقد كانت بيئة منطلقة، ولكن هذا الانطلاق كان متأثرًا بالمدرسة المصرية، كما هو الشأن في المنطقةحيث كان التأثير العراقي واضحًا، إضافة إلى تأثير الأدب المهجري الذي كان يشترك فيها الحجازيون والنجديون والأحسائيون والقطيفيون.
** في الواقع، لقد كانت الصلات بين المثقفين الحجازيين قديمة وهي مرتكزة على مصر والتأثر بنهضتها شعرًا ونثرًا وتأليفًا وبحثًا، وأيضا كانتهناك أولى الجامعات وهو ما كان له أثر على الصلات معها، وإذا أردنا أن نتحدث عن الرواد في المملكة فهم بلا شك الشعراء الحجازيون مثل: حسن عبدالله قرشي ومحمد حسن فقيه وحمزة شحاتة، لكن المنطقة الشرقية تأخرت عنهم لبعدها عن مرتكز الثقافة المصرية، وكانت لها علاقة بالعراق، الذي هو نفسه كان لا يزال يخطو نحو التفتح، وكان مجيء خالد الفرج مثيرًا للنشاط الفكري والثقافي في المنطقة، حيث نظم عدة قصائد، بعضها ذات علاقة بالمناسبات وبعضها سياسية تتصل بالاستعمار في الهند وغيرها، وذلك لأنه عاش فترة من حياته في الهند.
شعراء وقصائد
* لو أردنا أن ترسم لنا صورة عن تفتح التجربة الشعرية الجديدة في العراق، لا سيّما وأنك واكبت روادها من محمد مهدي الجواهري وعلي الشرقي وغيرهما، فكيف تحدثنا عن ملامح هذه التجربة؟
** في الحقيقة لقد مرّت عليّ ثلاث مدارس شعرية؛ الأولى جاءت نتيجة للتطور التاريخي وهي مدرسة الجواهري وجماعته، وكانوا يهتمون بقوة الكلمة وسلاسة المعنى ولكن لا يهتمون بالإبداع ذاته أو التجديد، ومن شعرائها: الشبيبي والرصافي والزهاوي، ثم جاءت مدرسة جديدة تعلمت في الجامعات العراقية وتأثرت بالأدب الإنجليزي، وخصوصًا بـ"ت. إس. إليوت" وديوانه (الأرض الخراب)، وعندما كنت أحرر مجلة (الغري)؛ كانت تأتينا قصائد من مختلف الطبقات والمدارس، ومنهم -على سبيل المثال- بدر شاكر السياب، فكنت أنشرها باعتباري رئيس تحرير في المجلة، أما نازك الملائكة، فقد تعرفت عليها شخصيًا، حيث كنا ننشر لها ونلتقي بها في بغداد في بيت أبيها في الأعظمية، فوالدها هو الشاعر صادق الملائكة، وكذلك كان خالها وأختها من الشعراء أيضا، فقد كان بيت الملائكة متأصلًا.
* كيف كنت تقيّم القصائد التي يبعث بها بدر شاكر السياب إلى مجلة الغري قبل أن تنشرها؟
** في الحقيقة لقد تفاجئت بهذا اللون من الشعر، ولكني أؤمن دائما بالتجديد وتعدد المدارس وأن كل لون يبرز فيه أناس ويخفت فيه آخرون، ولذلك لم أستنكر عندما أرى جديدًا، ولكني أبحث عن الإبداع فيه والتفوق، وأنا لي قصيدة في استقبال هاشم عطية في سنة 1947م، وكانت قضية فلسطين لا تزال تحت الأخذ والرد، فتنبأت بأننا إذا فقدنا فلسطين فسنفقد بعدها حلب، لأن فلسطين هي المدخل للسيطرة الصهيونية على البلاد العربية.
سعودي آخر
* هناك أيضا سعودي آخر قد ذهب إلى العراق واندمج في التجربة الثقافية والاجتماعية هناك، وهو الأستاذ سلمان الصفواني، حدثنا عن هذا الرجل ودوره في الحركة الثقافية والنشاط الصحفي الذي مارسه هناك.
** المرحوم سلمان الصفواني ذهب إلى العراق كي يدرس العلم، وبعد ذلك تحول إلى الأدب والسياسة،وأول بروزه كان كمناضل انخرط في جيش الدفاع ضد الزحف البريطاني على العراق، كان ذلك أثناء الحرب العالمية الأولى وكان في معية المرحوم الشيخ الخالصي، ثم اندمج في السياسة وصار عينًا ووزيرًا.
* قبل أن يصبح وزيرًا في حكومة العارفين، نريد أن نسأل عن جريدته "اليقظة"، وكذلك كتابه "محكوميتي"، والسجال الثقافي والأدبي الذي أداره مع بعض الوجوه الثقافية العراقية والمصرية، ومنهمزكي مبارك أثناء انتدابه للتدريس في معهد المعلمين العالي ببغداد.
** من ناحية؛ فإن زكي مبارك من الشخصيات التي تتميز عن الشخصيات المصرية الأخرى بالاندماج إلى حد التوطن، بمعنى أنك تشعر كأنه مواطن في البلد الذي يسكن فيه، سواء في مشاعره أو في أبحاثه ودراساته، ولذلك فإن ارتباط الصفواني به لم يكن غريبًا، فقد كانت تلك هي صفة زكي مبارك، من ناحية أخرى، فإن المرحوم الصفواني ذو اتجاه عربي، وهذا ما جعل صحيفته مشهورة لطابعها العربي القومي.
* ومصداقًا لكلامك فإن الحملات التي قادها في صحيفته "اليقظة" على الصهيونية ونشوء الدولة الإسرائيلية، كأنه قد أوجد كثيرًا من الأذى في الوسط اليهودي العراقي قبل رحيله، ولذلك وجدت بعض الكتاب اليهود العراقيين يشنون حملة غاضبة ضد كتابات سلمان الصفواني.
** هذا شيء طبيعي، فالحقيقة هناك شعور عام ضد الصهيونية في كل البلاد العربية، وهناك شعور نحو اليهود حيث كانوا يحتكرون الاقتصاد العراقي ويسيطرون عليه، وكانوا إذا أقفلوا محلاتهم التجارية يوم السبت، تحدث حالة من الشلل تصيب عمليات البيع والشراء، هذا إلى جانب بعض القضايا في ذهنياتهموذكرياتهم عن العصر البابلي، كل هذه أوجدت نوعاًمن التنافر بين العراقيين وبعض اليهود، ولكن لم يكن العراقيون يعتدون عليهم أو ما شابه، فهم في النهاية كانوا مواطنين، وكانوا يُعاملون بالحسنى، وصار منهم وزراء في الحكومة العراقية.
شعر النكبة
* أنت من الذين واكبوا عام النكبة، ففي سنة 1948م أعلنت إسرائيل دولتها فوق أراضي فلسطين المغتصبة، بالطبع فإن هذا الحدث قد هزك بوصفك شاعراً عربيًّاوأيضا كشاعر في مقتبل التجربة، فهل تتذكر شيئًا من القصائد التي قلتها في ذلك الحين؟
** عندما حدث اغتصاب الأرض بدأت الحرب الصهيونية العربية ونزوح الفلسطينيين، وأنا كنت في ذلك الوقت في البحرين، قائلاً من العراق، ونظمت قصيدة تعرضت فيها لما حدث، ولكني لا أتذكرها الآن.
العودة إلى المملكة
عندما عدت الى المملكة من العراق مع والدك سنة ١٣٦٧هـ - ١٩٤٨م، حيث الوطن ومسقط رأسك، بدأت تقيم صلات ثقافية وأدبية مع أبرز الفاعلين في هذا المجال، ويبدو أن الشيخ حمد الجاسر كان من أوائل من أقمت علاقة وصلات معهم؟
** الأستاذ حمد الجاسر كان مندوبًا لمديرية المعارف في ذلك الوقت، مُعتمدًا للتعليم في مدارس أرامكو، وكان الأستاذ عبدالعزيز التركي معتمدًا للمدارس الحكومية، وكان العلامة الجاسر، وهذا اللقب أحق به وألصق، من ضمن اهتماماته البحث، فكان يأتي إلى القطيف ويراجع ويقرأ ويبحث في مكتبة آل الجِشِّي، وفيها تعرفت عليه، وكان من بين من يستقبلوه فيها المرحوم حسن الصالح الجشي، وقد دامت علاقتي به لفترة طويلة، وقابلته أيضا عندما زرت الرياض لأول مرة في عام 1952م، كما ذهبت للسلام على المغفور له جلالة الملك عبدالعزيز، وسلّمته رسالة من والدي.
* كيف وجدت الرياض وقتذاك؟
** وقتذاك؛ كان المرحوم الملك سعود هو من يباشر الأعمال التنفيذية في الرياض، وكان لديه خطة كي يخطو بالرياض خطوة جبارة، فبدأ بتأسيس مناطق جديدة ومدارس ومستشفيات وأسواق وهكذا، وكان أول سوق يفتتحه هو سوق شارع الوزير.
* ماذا عن الوفد الذي ذهب للتعزية في جلالة الملك عبد العزيز، ومبايعة الملك سعود؟، فقد كنت واحدًا من المشاركين في هذا الوفد.
** كنت في ذلك الوقت أصغرهم سنًا، وكان معي 7 وأنا ثامنهم، وقد توفوا كلهم عدا الشيخ علي المرهون وأنا، وقد التقينا بجلالة الملك سعود في جدة، والتقينا كذلك حينها بالمغفور له الملك فيصل، والأمير عبد اللهالفيصل، وأهداني ديوانه مطبوعاً، وقال إنه قد طُبِعَ بدون إذنه من قبل أحد اللبنانيين، ولكنه سيعيد طبعه طبعة مناسبة وسوف يهديه لي، وبالفعل قد وفّى بهذا الوعد، وأرسل لي نسخة مطبوعة طباعة خاصة على ورق صقيل وأنيق، وعليها الإهداء باسمي، ولا تزال موجودة عندي.
* ونحن صغار كنا نلمحك وأنت في مقدمة المستقبلين في زيارات الملك سعود، وكذلك في زيارات الملك فيصل، وأيضا لك بعض الأشعار في ذلك.
** طبعا أنا كمواطن، وإن كنت صغير السن بالنسبة للآخرين، إلا أنني وجدت أن هناك واجبات لا بد أن أقوم بها قدر استطاعتي وبقدر ما يُتاح لي، وكانت لي قصائد وكانت لي كلمات، ولكنها للأسف فُقِدت مع ديواني القديم، فالشعر الموجود الآن ليس هو كل ديواني.
مع الشيخ الجاسر
* نعود للتحدث أكثر عن الشيخ حمد الجاسر؛ حدثنا عن زياراته للمنطقة، وعن الأحاديث والقضايا التي كان يتداولها الجيل الجديد معه.
** كنا نتداول معه التاريخ والبحث عن الآثار وتحديد المواقع والكلمات اللغوية وتحديد معانيها، عندما كان يأتي من الرياض إلى بيته في الدمام، كان يهاتفنيويعلمني بقدومه، فكنت أذهب إليه، وكان يذهب في تواضع إلى السوق ويشتري معلبات وفواكه ويحملها في عباءته تماما كما يحمل البدوي مؤنته، ثم نذهب إلى بيته وهناك نتحاور ونستفيد منه، وعندما جئت أنا إلى زيارة الملك عبدالعزيز، كنت جديد العهد بالرياض، فكنت أذهب إليه، وكان هو في ذلك الحين موظفًا في المعهد العلمي الذي يديره علماء الرياض، كما كان لديه مكتبة يديرها فكان يتركني أقرأ من كتبها ما أريد، وكنت أقرأ عن تاريخ نجد والآثار والتاريخ، فهذا ما كان يهمني في ذلك الوقت.
تجربة الملك عبدالعزيز
* بمناسبة المئوية حول فتح الملك عبد العزيز الرياض وتشييد المملكة العربية السعودية، كيف تنظر كشاعر سعودي إلى تجربة الملك عبد العزيز؟
** تجربة الملك عبد العزيز تجربة ذات أبعاد كثيرة لا تُحصى، إنما أهمها كانت الوحدة التي حققها لشتات الجزيرة العربية، إلى جانب ظهور الزيت في عهدهواستخدامه استخدامًا رشيدًا، هذا إلى جانب كرمه وحسن ضيافته وكذلك حزمه.
* بعد ذلك وجدناك تنتقل للعمل في الرياض، حيث كنت موظفًا في مكتب وزير العمل، الأمير فيصل بن تركي بن عبد العزيز، ابن أخي الملك سعود، حدثنا عن هذه التجربة؟، وكيف انضممت إلى سلك الوظيفة في هذا المجال؟
** في الواقع، أنا كنت موظفًا في مكتب مصلحة العمل في الدمام، وفي سنة 1960م تم تكوين حكومة جديدة واستُحدِثَ فيها وزارة للبترول ووزارة للعمل والشؤون الاجتماعية، وزارنا في مصلحة العمل بالدمام، المرحوم الأمير فيصل بن تركي كوزير جديد، وذهبت كي أسلّم عليه مثلما فعل بقية الموظفين، وعرضت أمامه مجموعة من أنظمة العمل في الدول العربية، مثل العراق والبحرين ومصر، وكذلك بعض الدراسات عن النفط وغيرها، وقدمتها له كهدية، ومنذ ذلك اليوم أظن أنه قد أعطاني موقعًا في نفسه، وعندما أرادوا أن يؤسسوا مركزًا للوزارة في الرياض، انتدبوا 3 أشخاص، واحداً من المنطقة الشرقية وواحداً من المنطقة الغربية وواحداً من منطقة الرياض، ممثلين للمكاتب الرئيسية، فكان الأستاذ عبدالرحمن المرشد مدير مكتب جدة ومنطقة الحجاز، والأستاذ صالح بن ظافر من الرياض، وكنت أنا من المنطقة الشرقية، لكنني لم أكن في نفس مستواهم، فلم أكن حتى مدير مكتب مثلهم، وكنا نحن الثلاثة فقط من يعمل في الوزارة عندما تأسست، حيث أصبح المرشد مديرًالمكتب الوزير، وأنا كنت مساعدًا له، وابن ظافر يدير الشؤون المالية.
وفي تلك الأثناء توثّقت علاقاتي مع المرحوم فيصل بن تركي، الذي انتقل من وزارة العمل وصار وزيرًا للداخلية، وتولى مكانه الشيخ ناصر المنقور، حيث بقيت معه عامين في الوزارة، وكان (رحمه الله) أيضا لديه روح أدبية وثقافية، وهذا مما قربني منه وإليه.
نشاط الأدب والثقافة
* حدثنا عن النشاط الثقافي والصحفي وقتذاك في الرياض.
** كانت محاولات، حيث كان عبد الله بلخير، سكرتير الملك سعود، يحاول جمع الأدباء والمثقفين حول الملك، وكانت لي علاقة حميمة به، وكنت أزوره في محل عمله بقصر الحكم، حيث كان يجمعنا نفس الاهتمام بالأدب والشعر، وأيضا كان هناك حسن مشاري، الذي كان وكيلًا لوزارة المالية ثم أصبح وزيرًا للزراعة، وكانت تربطني به علاقات منذ أن كان يمثل أرامكو في مصلحة العمل إلى أن صار وزيرًا وكنا نزوره كل يوم جمعة.
كان عبد الله بلخير قد طلب امتيازًا باسم اليمامة، وحمد الجاسر قدم الطلب نفسه باسم اليمامة أيضا، فأعطيت للشيخ عبد الله بلخير، لكنه لم يصدرها، وفي النهاية عادت إلى الجاسر، ثم انتقلت إلى آخرين، وتفرد هو بمجلته "العرب"، التي تخصص فيها ونذر نفسه لها.
مع اليمامة
* بعد ذلك طوّحت بك الأسفار، فابتعدت عن البلد، وإذا بك تحن إلى هذه الديار، وربما لذلك تزوجت متأخرًا وأنجبت طفلًا وطفلة، فأسميت الطفلة بـ "يمامة"، والطفل بـ "قطيف".
** أنا أشعر بهويتي، وأريد أن أشعر الآخرين بهويتي، وأن أشعر أولادي كذلك بهويتهم، لذا سمّيت ولدي البكر بـ "قطيف"، تمثيلًا للمنطقة الشرقية، وسميّت ابنتي بـ "يمامة"، تمثيلًا للمنطقة الوسطى، وكان في نيتي إن أنجبنا فتاة أن نسميها "طيبة" على اسم المدينة المنورة، أو "سقيف" إذا كان ولدًا، لكن لم يوفقنا الله لذلك.
* بهذه المناسبة؛ هل لنا أن نسمع بعض الشعر المتصل باليمامة؟
** من قصيدة "بين اليمامتين":
طوفي يمامة بالجزيرة حلوة الأنغام نشوى
طيري يمامة لليمامة فالذرى للطير مأوى
عودي لسربك عودة البطل الذي بالحب يقوى
إن الديار لتزدهي بالقرب حيث البعد يطوى
إن اليمامة موطن لك مثل دارين وصفوى
طوفي يمامة بالسنين وقطري التاريخ صفوة
ولتقطفي من كل غصن زهرة كالمسك شدوى
واعصري من كل كرم ما به الأجيال تُروى
مع الشعر
* بالرغم من هذا الشعر المتين الديباجة، لماذا لم نجد لك ديوانًا مطبوعًا؟
** في الحقيقة، أنا عندي كسل غريب، كما أن الظروف قد تعقدت بصورة مختلفة، وربما أن هناك أسباباً أخرى.
* كم ديواناً لديك الآن من الشعر؟
** عندي ديوان نظمته متأخرًا، وعندي بقايا شعر من زمن العراق، وعندي مجموعة من الرباعيات أطلقت عليها اسم "قطرات ضوء"، وعندي ملحمة شعرية عن الحياة في الخليج، عنوانها "شراع على السراب"، وقد شكلتها بصورة حياة إنسان من زواج والدته ثم ولادته ثم ألعابه وتعليمه وإلى غير ذلك، فهي قصة شعرية تصور الحالة الحياتية في الخليج في شكل سيرة حياة بطل، وقد نشرت أجزاءً منها في مجلة العرب وكانت تُنشر تحت عنوان "النشيد الرابع عشر"، حيث قسمتها إلى أناشيد.

* عنوان الحلقة على يوتيوب: مقابلة عبد الله الجشي مع محمد رضا نصرالله في برنامج ما بين أيديهم (هنا).



