12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

انتبه لقد جرحتني

حين نكون في حالة عجلة من أمرنا عند التقطيع وإعداد الطعام، قد تجرحنا السكين لعدم انتباهنا لحدتها وقربها من أصابعنا، و قد لا ندرك أن نفس الأمر يحدث حين نكون في عجلة من أمرنا وغيره في حال إعداد الكلام وإنهائه مع الآخرين، فنجرحهم بكلمة دون علم بأثر تلك الكلمة بنفوسهم.
اللسان يُوصف بأنه جارحة وهو بحق جارحة تجرح بجروح السكين، بريئة من عمل مثلها مهما كانت مسنونة عند أشهر الصنّاع لها.
السكين قد تجرح الجسد ويلتئم الجرح مع الأيام، لكن جرح القلب والروح قد يبقى أثره باقيًا حتى مع محاولات الاعتذار، فكيف بمن لم يجد حتى كلمة آسف لمحاولة ايقاف نزف الروح من كلمته الجارحة.
بعض الكلمات قد تغير مسار إنسان وتدمره وتودي به لطريق المهالك، خاصة إذا كان مهزوز الشخصية وغير واثق بنفسه.
رُوِيَ عَنْ الإمام عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السَّلام) أنهُ قَالَ: "ضَرْبُ اللِّسَانِ أَشَدُّ مِنْ ضَرْبِ السِّنَانِ".
مع وسائل التواصل لا تحتاج لضرب الآخرين أن تراهم مباشرة، فيكفي أن ترى مقطعاً أو كلاماً لهم بمختلف الحسابات وتُشهر سيف لسانك عليهم بالتنمر و"الطقطقة" والتعليقات السلبية.
وكم من كلمة من متنمر أوقفت نجاحاً وأوقفت حماساً وأوقفت عطاءً وأوقفت شيئاً من الجمال من الروح الإنسانية وأبدلته بروح عدائية تتقاذف مع الآخرين ضربات اللسان بكلمات رديئة لا يستخدمها إلا المُعدمون ثقافيًا.
أحيانًا من قلة فهم بعض الناس وهوسهم بالتعليقات السالبة والتنمر، قد تستغرب حين ترى حديثاً عن موضوع معين بمقطع ما وترى التعليقات تترك الموضوع وأهميته جانبًا، وتصب اهتمامها على شكل المتحدث وملابسه وكل ما يتعلق به والذي لا شأن له بالموضوع.
أحياناً ليس المهم من قال المهم ما قيل، ليس مهم من الشخصية التي قالت لأنه حتى الأطفال أحياناً يقولون لنا كلاماً يوجهنا أكثر وأكبر من الكبار، ويقال بالمثل خذوا الحكمة من أفواه المجانين.
البعض لأن لديه حساسية وعداءً مع أحد من الناس لهذا فهو لا يتقبل أي مقولة يقولها ويعترض عليها وينتقدها بقلبه قبل لسانه، فلتكن لدينا ثقافة تقبل الرأي الآخر فمن المستحيل اتفاق الجميع على رأي واحد، لكم رأيكم ولي رأيي والاختلاف بالرأي لا يفسد للود قضية.
لكن من المؤسف أن تنتج حروب لسانية وقلبية في حال الاختلاف بالرأي، ألم ندرك للآن أن الله خلقنا مختلفين من أصغر إصبع نملك بصمته، وروي عن رسوله قوله: "اختلاف أمتي رحمة؟".
أعلم أن الحديث عن اللسان وآفاته بحر قد يُغرقنا جميعًا، فليس هناك شخص حافظ على سلامة لسانه إلا من رحم ربي.
وهنا أتذكر كلمة قيلت بعاشوراء ويستحيل أن تقال لأحد وتجرحه، لكن قلب الحسين انجرح منها، لكن جرحه ليس من لسان قائلها لكنه من سنان قاتله الذي جعلها الكلمة الأولى والأخيرة، حين سقط أبو الفضل على الأرض نادى على أخيه الحسين بنداء الأخوة، قال له أخي بعد سنين من الأخوة الحقيقية التي يحلم العالمين بالحصول على مثلها.
ناداه أخي ليكون الجرح بليغًا وليعلم العالم معنى كلمة أخ عند الشدة.
وعلى سبيل جرح هامته وطبرته التي تُذكرنا بفلق هامة والده علي وطبرته، فنفس الدماء سالت على الأكتاف التي حملت على عاتقها حماية الدين وحمله على أكتاف الراحة.
جرح الرأس الذي لا علاج له أوصل لنا كلمات مجروحة لا تزال تجرح من يقرأها أو يسمعها، ففي طبرة الأب العظيم علّت السماء بندائها تهدمت والله أركان الهدى وانفصمت العروة الوثقى، قُتل علي المرتضى، وفي طبرة الولد لا نعلم كيف كان مدى الصوت لدى الأخ المجروح بفقد عضيده حين نادى الآن انكسر ظهري الآن قلّت حِيلتي وشمِت بي عدوي.



error: المحتوي محمي