لحظة الدخول إلى الديوان؛ تمثل لحظة الكشف الأولى، فالشاعر يواجه القارئ من أول لقاء بينهما، ويضع له قانوناً للقراءة والتأويل، ينبغي أن يسير عليه، وإلا أخفق في إدراك الدلالات المختبئة، داخل القصائد، فلحظة البدء أو لحظة اللقاء؛ تهب المعنى حضوره في ذهن القارئ، الذي سيكون مستعدًّا بعدها؛ للإمساك بالدلالات المتطايرة. الشاعر حبيب المعاتيق في ديوان "معلقون على الأحداق"، أمسك بيد القارئ، ودفعه للولوج إلى عمق التجربة، عبر "عتبة أولى":
"للشعر نوافذ مشرعةٌ
ولقلبي سبعة أبواب كاذبةٍ جدًّا
وسياجٌ صادق"
من قصيدة "عتبة أولى" تنطلق أسئلة المقاربة؛ حيث الجمع بين (الشعر والحب)، في إطار علاقة ممتدة، عبر صفحات الديوان، إذ العلاقة بينهما؛ تشابك والتحام، وعلى أساسها انبنت الدلالات العميقة، فليس بإمكان مفردة واحدة استيعاب المعنى:
"مشتعل منذ حملت وقود الحب على ظهري؛
ومنذ نزلت بحور الشعر
أنا غارق.
هل أكذب؟
من أين سأنجز للعشاق قصائدهم؛
واللوعة أكبر في صدري
من هذا العاشق.
من أين ..
أنا المخلوق ..
وهذا الشعر إذا يحتاج
فلا يحتاج سوى خالق"
يتأكد التعالق بين (الشعر والحب) في قصيدة "أبناء الحقيقة"؛ التي تأتي امتداداً لقصيدة البدء "عتبة أولى"؛ حيث الغرق في المجاز؛ وسيلة الشعراء لصنع عوالمهم، واكتشاف الأسرار، فبدون المجاز؛ سيبقون على شاطئ الحقيقة، ولن يتمكنوا من إحداث تغيير في العالم:
"وإذا ابتعدنا في الحقيقة
لم يزدنا بعدنا في الشعر
في المعنى اللذيذ سوى التدني"
الاقتراب من المعنى؛ يحتاج فهماً أعمق للشعر، لا أن يُكتفى بقراءته، وذلك من أجل بلوغ أهدافه البعيدة، ودلالاته المستترة، وعلاقاته المنسوجة بإتقان، الشاعر أدرك هذه الحقيقة، ولذا أطلق صرخته الجريئة للقارئ؛ كي يتعمق المفردات ويكتشف الدلالات وأن لا يكتفي بقراءة عابرة:
"رُوحوا افتحوا يدَ شاعر للحب؛
تنبتُ من أصابعه القصائد،
والمعاني أعجب الأشجار،
تمتد المعاني في أصابع كفه جنات عدن"
دعوة مفتوحة لقراءة الديوان وفق الأسس التي وضعها، والتي ينبغي أن لا تغيب عن ذهن القارئ، فالمعاني ليست جامدة وجافة ولا قيمة لها، إنما هي أشجار تنمو إلى أن تصبح جنات سماوية، خلقها الشاعر من قصائد الحب، وهنا السؤال: أي قصيدة تلك التي تمتلك القدرة على منح الشاعر الخلود في الجنان؟
الإجابة: ليست سوى قصيدة في "الأم"؛ حيث الموروث يتقاطع هنا ويتناص مع الحديث النبوي: "الجنة تحت أقدام الأمهات"، وهو ما يجسده الشاعر في قصيدة "فتيلة من فانوس أمي":
"أتلو عليها الهوى والحب والولها
وأجتبيها
من الأشعار أجملها"
تتكشف العلاقات شيئاً فشيئاً، بين (الشعر والحب)، فالقصيدة الحقيقية يكتبها الشاعر في أحب الأشياء إلى قلبه "أمِّه"، فهذه القصيدة؛ تمثل لوحة عملاقة رسمها لعلاقته مع الأم التي أحب، والتي لها دور كبير في تنشئته وإعداده؛ كي يكون شاعراً، وعبر هذه العلاقة مع الأم الحقيقية، ينتقل إلى علاقته مع مشاعره وعواطفه، التي يجيش بها، فلا يعود هنالك مبرر للتفريق بين مشاعر الحب والشوق واللهفة فجميعها يدعوها "أمِّي":
"منذ انكشفت على التأويل في لغتي
أدعو العواطف (أمِّي)
كي أُأولها
في كل دمعة مشتاقٍ
أرى شبهاً
من شكل أمِّي
الأسى الفنان شكلها"
الانطلاق إلى التأويل، هو ما يسير الديوان ناحيته، فالحقيقة لا تستقيم أمام عين القارئ؛ إلا حين يتأولها ويتمكن من إدراك أعماقها، وهو ما حاوله الشاعر في نصوصه وقصائده، حيث التّوحدُ بين العواطف والتأويل؛ أحدث انزياحاً للدلالة، لتصبح كلُّ عاطفة جياشة، بمثابة "أمٍّ" للشاعر.
العواطف تبلغ أوجها في ختام الديوان، حين تلتصق بالأرض، التي يصدح باسمها، لتكون اللازمة والتكرار والأبد في قصيدته "(تاروت) وتآويلنا في الحب":
"تيمتها (تاروتُ)
وارتبكت على شفتي الحروف
مع المهبِّ الساري
(تاروتُ) يا عمري،
وأغلى ما يكون الحب
ما لو نيط بالأعمار"
يستمر النداء (تاروت) في الأبيات اللاحقة داخل القصيدة، إلى أن يصل حد الكشف المباشر، فلا تعود هنالك حاجة للتأويل وإخفاء العواطف الجياشة، فالشوق واللهفة قد كشفا حقيقته، وأن "الأم" التي يتوجه إليها الشاعر بقصيدته، ليست إلا وطنه ومسقط رأسه:
"يا أمَّنا
الألق الذي لم نرتضع
إلا بحلو حليبها الدرار
(تاروتُ)
يا نغماً شجيًّا طالما
حنت إليه صبابة الأوتار"
انتقال الدلالة وتشكلها؛ هو ما يعمل عليه الشاعر في ديوانه، فالمشاعر والعواطف تعتبر أساس القول الشعري، وهنا استعار مفردة التّوحد النهائي والانمزاج بالأم؛ لتكون الدافع لكل قصيدة يكتبها، فلا يمكن للقصيدة أن تخرج إلا من عاطفة الأمومة، وهو ما اتضح في قصيدة "(تاروت) وتآويلنا في الحب"؛ التي تجسد عمق ارتباطه بالأرض "الأم".



