12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

عَظَمَةٌ بإرادةٍ كونيةٍ.. وسِفْرْ خَالدٌ  

أدهشني كنزٌ عظيمٌ بالغ الأثر ثمينٌ في فحواه، فريد في تحليلات كاتبه المنطقية، ومقارناته التي تنم عن ثقافة عالمية وموسوعية.
إنه كتاب "الإمام علي صوت العدالة الإنسانية" للأديب العملاق وصاحب القلم النزيه "جورج جرداق" الكاتب والشاعر اللبناني المسيحي المولود في "1933م" والمتوفى في 5 نوفمبر "2014م".
المُؤَلَف الذي حظي بالاهتمام الكبير والإقبال، وطبع عدة مرات وتُرجم إلى عدة لغات في فترة زمنية قصيرة، وكان موضع إعجاب وإكبار من ملايين القراء، وأحدث ضجة في الأوساط الثقافية والعلمية، وقيل عنه: إنه من أعمق وأدق الأبحاث التي عالجها أديب عربي حتى الآن.
دراسة عظيمة قسمت إلى خمسة مجلدات وملحق، في جزءين، كل منها موضوع قائم بذاته تجتمع كلها في سفر واحد؛ لتشكل في النهاية موضوع الدراسة الرئيسي التي عكف عليها الكاتب.
يصفها النقاد بأنها أعظم دراسة عالمية تناولت - بعمق - حياة الإمام علي (ع) وشخصيته، وبأسلوب فريد غير تقليدي فيه جلاء للحقيقة، تقدم عوناً كبيراً لكل باحث وطالب علم.
لا غنى لأي جيل من الأجيال الحالية واللاحقة عن هذه الموسوعة؛ لأنها ستيسر لهم كل ما يودون معرفته عن الإمام علي وأسرار عظمته عليه السلام، حقاً، إنه موسوعة علوية كما قيل عنه.
من أين استمد عليٌّ بن أبي طالب عظمته؟ وفيم تمثلت؟ ومن وجه الأنظار إليها؟
إرادة كونية شاءت أن يكون عليٌّ - عليه السلام - شيئاً من ذات الرسول العظيمة، وقد هيأت هذه الإرادة ظروفاً ومناسبات عديدة - سجلها التاريخ - برزت فيها خصائص ما كان لأحد أن يشارك بها علياً، كان أول المسلمين ولم يبلغ مبلغ الشباب.
قيل: لَمَّا عوتب على إسلامه دون مشورة أبيه أبي طالب، أجاب على الفور: "لقد خلقني الله من غير أن يشاور أبا طالب، فما حاجتي أنا إلى مشاورته لعبد الله".
عظمة إنسانية تمثلت في شخصيته، ومن وجه الأنظار إلى هذه العظمة هو نبي الرحمة والرسول الأعظم - عليه وعلى آله صلوات الله وسلامه - عندما نصبه في يوم الغدير المعهود، أميرًا للمؤمنين ورأى فيه خير من يتمم شروط الرسالة من بعده وقال: "من كنت مولاه فعلي مولاه".
ومن ذلك أيضاً، اليوم الذي باهل فيه رسول الله نصارى نجد عندما اكتسى بعباءة وأدخل معه تحت الكساء علياً وفاطمة والحسن والحسين - عليهم السلام - وقال: اللهم إنه قد كان لكل نبي من الأنبياء أهل بيت هم أخص الخلق إليه، اللهم وهؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجز وطهرهم تطهيراً، فهبط جبرئيل بآية التطهير في شأنهم، ثم خرج النبي بهم - عليهم السلام - للمباهلة فلما بَصُر بهم النصارى، لم يجرؤوا على المباهلة فطلبوا المصالحة وقبلوا الجزية عليهم؛ لِما رأوا من الصدق وشاهدوا من إمارات العذاب.
وهو اليوم نفسه - حسب ما روي - الذي تصدق فيه أمير المؤمنين - عليه السلام - على الفقير بخاتمه وهو راكع، فنزلت فيه الآية: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (المائدة : ٥٥).
ما أعظم شأنك يا أمير المؤمنين!
وإليكم قطرة من بحر الموسوعة الزاخر والسِفْر الخالد - استوقفتني - يقول فيها الكاتب الفذ، متحدثاً عن عظمة الإمام علي (ع) إذ يقول: ما يبرر لنا قيمة ابن أبي طالب بمقياس العظمة الحقيقية هو: عظمة الإنسان الذي يفكر عميقاً ويعمل صادقاً ويحب خيراً ويموت شهيداً، ويترك في كل حالاته آثاراً إن أجريتها على محكَّ العقل شمخت وتعالت، وإن أجريت عليها مقاييس الحنان الإنساني انتفضتْ وعاشت!
جُزيتَ خيراً أيها الأديب على ما بذلته من جهد، وطيب الله ثراك.
لن ينتهي الحديث عن الإمام علي - عليه السلام - في كل عصر وزمان، وستفيض الأقلام بالحديث عن عظمته، وعن مناقبه وأخلاقه وسجاياه ما بقي الدهر.
وسيخلد ذكره في عقول وقلوب المحبين والموالين، وفِي الأسفار المخلدة للمنصفين.



error: المحتوي محمي