أطرق اليوم موضوعاً ليس بجديد، فقد تطرقت إليه في مقالة سابقة نَشَرتها «القطيف اليوم» بعنوان "بقدر أخطائنا يهرب النوم من عيوننا"، وقدمت فيها إشارة عابرة حول ما يحصل لجسم الإنسان خلال النوم، وحول ماهية النوم بشكل عام ومعاناة الناس من قلة النوم.
أما ما الذي دفع بي إلى الكتابة عن النوم مرة أخرى فهو أننا حتى اليوم لا نزال نجهل علاقة قلة النوم بـ "ضعف الجسد في مواجهة تحديات العصر"، فجميع الأسواء التي نعانيها من هذا الاضطراب والانعكاسات الخطيرة تعزى إلى الأنماط الحياتية المدمرة والتي أصبحت سمة جيلنا الحالي.
- يُعرف النوم بأنه حالة طبيعية تساعد عضلات الجسم على الاسترخاء، إذ تقل في أثنائه الحركات الإراديّة والشعور بالمحيط، ويعد نوعاً من أنواع تغيّر الوعي وليس فقدانه، وهو ظاهرة طبيعية تتم بشكل دوري لتنشيط الدماغ والعمليات الحيوية التي تحدث في جسم الإنسان.
عندما تأوى إلى الفراش وتحاول النوم فلا تستطيع ستحاول وتركز في محاولاتك وتتقلب فلا يغمض لك جفن، ثم تفشل، وبعد جهد تنام، وإذا استمرت الحالة أسابيع، فإن النوم يصبح مشكلة، هنا تشعر بأن عندك أرقاً، تقضي ليلتك أو عدة ساعات بدون نوم، فالأرق يؤدي حتماً إلى الإرهاق والكسل، ويوهن الأعصاب ويزيد التعب المضني الذي قد يقودنا إلى تناول المنوّمات التي لها تأثيرات جانبية أو مضاعفات خطرة.
معروف أن الإنسان وباقي المخلوقات الحية الأخرى ينتمي زمنياً إلى نوع متكيف مع الطبيعة عموماً، أي ينام خلال الليل، ويستيقظ خلال النهار، في القرآن الكريم آيات عديدة تؤكد على أن الليل للنوم والسكون والهدوء، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: 47]، أن الإنسان عندما يسلم نفسه لذلك العالم السري الغامض يهرب ولو مؤقتاً من مصائب العالم المستيقظ، والسؤال هنا، كيف يدخل الإنسان إلى عالم النوم؟
يشتكي الكثير من الناس من عدم قدرتهم على النوم رغم محاولتهم اتباع أكثر من طريقة ووسيلة دون جدوى، إن المشكلة الحقيقية عند مثل هؤلاء تكمن في نمط الحياة المتميز بالقلق والتوتر والأرق الدائم، زمن عولمي صعب له تحدياته وفروضه ونوافله، لقد زادت حالات أمراض النوم بشكل ملحوظ، هذا حالنا اليوم مقارنة بما كان عليه أجدادنا، كيف كانوا يعيشون؟ هم يكدحون طوال النهار بجد ونشاط، وينامون باكراً شاكرين لله تعالى، فلا قلق أو خوف، ولا فكر إلا في النوم، وما كانوا يعرفون ما يسمى "ضغوط العصر"، كانت الأحياء تدخل في سبات عميق في ساعات الليل الأولى، كانوا ينامون متى أرادوا، في هدوء وراحة بال دون انتظار، يكفي فقط لتحقيق ذلك الشعور بالنعاس والرغبة في النوم، هم بحاجة إلى دقائق بالكثير، وبعدها ينجحون في الدخول في عالم النوم العميق، لا يعانون من اضطرابات النوم، يستيقظون فجراً لأداء الصلاة بنشاط، ثم ينطلقون إلى رزق الله تعالى.
اليوم فقدنا تلك الحياة البسيطة التي سلبت منا النوم الهنيء، كان فصلاً هاماً من فصول التحضر الإنساني، لم يبقَ منه سوى الاستمتاع بما يسرد لنا عن ماضي الأجداد، ليت الزمان يعود للوراء، صحيح أنهم تعرضوا للجوع والفقر وقسوة الحياة، ولم يكن كل شيء متوفراً، وكانت الإمكانات بسيطة، إلا أنهم عبروا شاطئ الحياة بأمان وأقل أضرار، وتذوقوا نكهة الحياة وحيويتها.
أثبتت الأبحاث العلمية الحديثة بعض النظريات حول ما يحصل لجسم الانسان خلال النوم ليلاً، وتُجْمع على أن النوم حالة من النشاط الدماغي المكثف والمعقد، الذي يشمل أيضاً الخلايا العصبية يصحبه شلل كامل في أعضاء الجسم الأخرى.
والذين يعانون قلة النوم أو السهر يكونون أكثر عرضة من غيرهم للإصابة بالأمراض والأوبئة، بسبب حدوث خلل في الجهاز المناعي، وبذلك يضعف الجسم على مقاومة الجراثيم والفيروسات الشرسة.
النوم حالة راحة وتخلّص من السموم والكيميائيات المخزنة في الخلايا الدهنية من خلال الكبد والقولون والكلى والغدد اللمفاوية والجلد، كما أن الخلايا والأنسجة والأعضاء المتلفة تتجدد في هذه المرحلة فلذلك للنوم عموماً مسائل صحية بالغة التأثير على حياة الإنسان.
الأعراض الناتجة عن قلة النوم تشمل زيادة الوزن واحتمال الإصابة بالسكري النوع الثاني، إضافة إلى ارتفاع ضغط الدم واضطرابات المزاج.
هناك علاقة بين أمراض النوم والغذاء، فالغذاء قد يؤثر على النوم بشكل مباشر أو غير مباشر، فحساسية الطعام تسبب الأرق وقلة النوم، ويمكن علاجه إذا ابتعد الشخص عن الأطعمة المسببة للأرق، وهناك مرض آخر يعرف بـ octurnal eating syndrome متلازمة زيادة الأكل أثناء الليل، هذه المتلازمة من ضمن أمراض النوم المصنفة عالمياً، وعلاجها سلوكي أي بتغيير سلوك المريض تجاه الطعام.
أما العلاقة غير المباشرة بين النوم والطعام فإن الشخص عندما يتناول وجبات دسمة غنية بالكربوهيدرات والدهون تؤدي إلى حدوث السمنة وزيادة الوزن، وبالتالي ظهور الشخير الذي قد يتطور إلى حدوث متلازمة انقطاع التنفس الانسدادي، ينتج عنه توقف التنفس أثناء النوم، ويصيب هذا المرض 2 إلى 4% من متوسطي العمر.
النوم العميق له آثار طيبة، فإذا كنت معتادًا على الذهاب إلى الفراش مبكراً فسوف تشبع حاجتك الجسدية ويمنحك النشاط طوال النهار.
ممارسة سلوكيات صحية تخفف من متاعب الحياة، كما أن العناية بالجسم، وممارسة الرياضة المعتدلة، والنظر إلى الحياة بمنظور إيجابي، وممارسة أساليب الاسترخاء النفسي والجسمي لها دور كبير في حماية الجسم من الأمراض.
كثير من الآباء والأمهات لا يدرك مدى الأثر الذي يتركه السهر في أبنائه وبناته - للأسف الشديد - إذ إن معظم الأساتذة والمربين يعرفون أن ساعات الدراسة تشهد نسبة من التلاميذ اللامبالين وشاردي الذهن.
على الآباء والأمهات فرض قواعد محددة لنوم أطفالهم، وستؤتي ثمارها بصورة أفضل إذا ما شارك كل أفراد الأسرة فيها، فالبيئة المنزلية مهمة في التأثير على نوم الشخص. النوم المبكر وعدم السهر تحسن وتنشط ذاكرة الأطفال وتقوي جهازهم المناعي وترفع من فعالية مقاومته للأمراض.
السلوك الذي طرأ على مجريات حياتنا العصرية هو العمل الليلي، إما الليل بطوله وإما خلال جزء منه، وهذا ما دفع الأطباء والباحثين إلى إعادة التفكير في هذه الظاهرة وتأثيرها على حياة الإنسان من خلال نوعين من الهرمونات هما Melatonin و Cortisol يفرزهما الدماغ خلال الليل أكثر من النهار، وتصل ذروة إفرازهما مع التغيرات في حرارة الجسم في الساعات الأولى من الليل، وتبدأ بالانخفاض تدريجاً، حتى يبلغ هذا الانخفاض درجة مئوية واحدة خلال الفجر، ولهذا السبب يجد كثير من الناس صعوبة بالغة في الإنتاج خلال الساعات المتأخرة من الليل.
الحياة التي يعيشها معظم فئة الشباب أنهكت قواهم، وأتلفت خلاياهم العصبية، هم يسهرون ولا ينامون إلا قريب الفجر، هذا السلوك يستهلك جزءاً كبيراً من طاقتهم، والدليل ذلك الإرهاق والتعب من الإجهاد المرضي الذي يعيشه الشباب في الوقت الحاضر وانعكاسه على القدرة الإنتاجية.
قال: أنا أشعر بالتعب وتعكر المزاج وآلام في الجسم ونقص في الشهية واضطرابات في الجهاز الهضمي، لكن بمجرد أن بدأت برنامج النوم المبكر حسب التوصية الصحية، تحسنت صحتي، ولم أعد أشعر بالإرهاق الجسدي أو النفسي، وبدأت أنام تلقائيًا، وأستيقظ بشكل أفضل، وكان ذهني يظل منتبهًا طوال اليوم.
تناول كوبًا من الماء الفاتر بمجرد الاستيقاظ، فالماء يساعد على تنشيط الجهاز الدوري وتنظيف أعضاء الجسم الداخلية من عمليات التمثيل الغذائي التي تمت به أثناء النوم، بالإضافة إلى دورها في إثارة الشهية لتناول الطعام.
يجب اتباع أسلوب حياة صحي والتخلص من القلق والمزاجية وخصوصاً للأفراد الذين لديهم ضغوطات نفسية للاستفادة من فوائد النوم، النوم باكراً علاج لبعض حالات الإرهاق والتعب المؤديين حتماً إلى الكسل وسوء المزاج.
نحن بحاجة إلى تربية الأجيال على السلوكيات الصحية لمواجهة الأخطار المحدقة، فالخطر على الصحة قادم، ألسنا في حاجة إلى أجيال صحيحة الفكر سليمة الصحة؟
منصور الصلبوخ - اختصاصي تغذية وملوثات.



