12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

اجعل من يراك يترحم على من رباك

من الأمثال الجميلة التي استهوتني وشدتني "اجعل من يراك يترحم على من رباك" فقد سمعت الكثير من الناس يرددونه فلسماعه نغمة خاصة وجميلة في الأذن عند سماعة ولحبي لهذه الحكمة أو المثل بدأت أبحث في المواقع الإلكترونية عن مصدرة الأكيد علمًا بأن هناك بعض المواقع تشير إلى أنه من أقوال أمير المؤمنين علي عليه السلام ولكني لم أستطع إثباته وتأكيده.
ولأن لهذا المثل مدلولًا تربويًا أحببت أن ألقي بعض الضوء عليه. فالتربية هي أساس بناء أي مجتمع سوي وناضج والأبناء هم العماد والركيزة التي يتوكأ عليها هذا المجتمع فإن صلح الأبناء صلح هذا المجتمع فبهم يصنع الغد المشرق والمستقبل الأفضل وبهم نستطيع استشراق المستقبل الواعد.
فالتربية بمدلولها اللغوي تعني تعهد الطفل بالرعاية والتغذية المادية والمعنوية حتى يشب. ولقد اهتم الفلاسفة والعلماء بهذا المفهوم، وجهدوا في الكشف عن مضامينه العلمية وأوجدوا له عدداً من التفسيرات التي وإن اختلفت في شكلها، فهي متفقة في جوهرها ولقد قال فيها الفلاسفة والمحدثون القدامى الكثير:
فقال فيها أفلاطون (427-347ق.م): "التربية هي إعطاء الجسم والروح كل ما يمكن من الجمال، وكل ما يمكن من الكمال وهذا يعتمد على الناحية الكمية من التربية، وذلك بمزاولة جميع الأنشطة العقلية والبدنية المؤدية لكمال الفرد".
وقال عنها أرسطو (384-322ق.م): "الغرض من التربية هو أن يستطيع الفرد عمل كل ما هو مفيد وضروري في الحرب والسلم، وأن يقوم بما هو نبيل وخير من الأعمال ليصل إلى حالة السعادة".
وقال فيها جولز سيمون، الفيلسوف الفرنسي (1814-1896م): "التربية هي الطريقة التي بها يكون العقل عقلاً حراً، ويكون القلب قلباً حراً" كما قال عنها الغزالي (450-505): "ومعنى التربية، يشبه فعل الفلاح الذي يقلع الشوك، ويخرج النباتات الأجنبية من بين الزرع، ليحسن نباته ويكمل ريعه".
وقال عنها جون ديوي: "إنها عملية صوغ وتكوين لفعالية الأفراد ثم صب لها في قوالب معينة ـ أي تحويلها إلى عمل اجتماعي مقبول لدى الجماعة".
فهناك الكثير الكثير من التعريفات لمفهوم التربية تتشابه مع ما سبق من تعريفات ولكن هناك تعريفًا لمفهوم التربية عند أمير البلاغة والكلام الإمام علي عليه السلام حيث إنه يرى أن الإنسان هو غاية الوجود، ومن أجله خلق الله ما خلق إذ بعد أن خلق تعالى الكون ورتبه أحسن ترتيب، ونظمه أجمل تنظيم، وأتم مرافقه، على أكمل وجه، وجمع فيه ما تشتهي الأنفس، وتتلذذ الأعين، أخرج إليه الإنسان، وأسكنه فيه على أن يكون خليفته في أرضه، يحيا في كنفها ويعيش من خيراتها، ويمضي في أقواله وأفعاله ونواياه، ومقاصده، وفق أحكام الله وإرادته مطيعاً، مذعناً، شاكراً، إلا أنه خالف أمر الله، وسلك بوحي من نفسه الأمارة بالسوء، فجذبته الدنيا إليها وحجبت عنه الرؤية السليمة فبات أسير أوهامه وشهواته. إن ضعف الإنسان أمام إغراء المادة والإيمان بأن الشيطان الذي أغواه في الجنة لن يتوانى عن إغوائه مرة أخرى وهو على الأرض، وبالتالي سوف لن يتمكن من ممارسة الخلافة كما أوجبها الله ما دام ضعيف الحجة، مسلوب الإرادة، قليل الإيمان. هذه الأمور أوجبت أخذه بالتربية والتعليم حتى تستقيم نفسه ويقوى على مقاومة الضلالة والفساد. إن هذه التربية، لا تستند فقط إلى مبادئ نظرية، بل تتخذ منها طريقاً ومنهجاً يعضده العلم والعمل والإيمان بهدف منفعة العباد وخيرهم.
كذلك الإمام زين العابدين (عليه السلام) سلط الضوء على القيمة التربوية للأولاد في دعاء له "اللهم ومُنَّ عليَّ ببقاء ولدي وبإصلاحهم وبإمتاعي بهم إلهي امدد لي في أعمارهم وزد لي في آجالهم ورب لي صغيرهم وقو لي ضعيفهم وأصِحَّ لي أبدانهم وأديانهم وأخلاقهم وعافهم في أنفسهم وفي جوارحهم وفي كل ما عُنيتُ به من أمرهم و أدرر لي وعلى يدي أرزاقهم واجعلهم أبرارًا أتقياء بصراء سامعين مطيعين لك ولأوليائك محبين منصاحين ولجميع أعدائك معاندين ومبغضين آمين اللهم اشدد بهم عَضُدي وأقم بهم أودي وكثر بهم عددي وزين بهم محضري وأحي بهم ذكري واكفني بهم في غيبتي وأعني بهم على حاجتي واجعلهم لي محبين وعليَّ حدبين مقبلين مستقيمين لي، مطيعين غير عاصين ولا عاقين ولا مخالفين ولا خاطئين وأعني على تربيتهم وتأديبهم وبرهم وهب لي من لدنك معهم أولادًا ذكورًا واجعل ذلك خيرًا لي واجعلهم لي عونًا على ما سألتك وأعذني وذريتي من الشيطان الرجيم فإنك خلقتنا وأمرتنا ونهيتنا ورغبتنا في ثواب ما أمرتنا ورهبتنا عقابه وجعلت لنا عدوًا يكيدنا سلطته منا على ما لم تسلطنا عليه منه أسكنته صدورنا وأجريته مجاري دمائنا لا يغفل إن غفلنا ولا ينسى إن نسينا يؤمننا عقابك ويخوفنا بغيرك إن هممنا بفاحشة شجعنا عليها وإن هممنا بعمل صالح ثبطنا عنه يتعرض لنا بالشهوات وينصب لنا بالشبهات إن وعدنا كذبنا وإن مَنَّانا أخلَفَنا وإلا تصرف عنا كيده يضلنا وإلا تقنا خباله يستزلنا اللهم فاقهر سلطانه عنا بسلطانك حتى تحبسه عنا بكثرة الدعاء لك فنصبح من كيده في المعصومين بك اللهم أعطني كل سؤلي واقض لي حوائجي ولا تمنعني الإجابة وقد ضمنتها لي ولا تحجب دعائي عنك وقد أمرتني به وامنن علي بكل ما يصلحني في دنياي وآخرتي ما ذكرت منه وما نسيت أو أظهرت أو أخفيت أو أعلنت أو أسررت واجعلني في جميع ذلك من المصلحين بسؤالي إياك المنجحين بالطلب إليك غير الممنوعين بالتوكل عليك المعوذين بالتعوذ بك الرابحين في التجارة عليك المُجارين بعزك الموسع عليهم الرزق الحلال من فضلك الواسع بجودك وكرمك المستعيذين من الذل بك والمجارين من الظلم بعدلك والمعافين من البلاء برحمتك والمغنين من الفقر بغناك والمعصومين من الذنوب والزلل والخطأ بتقواك والموفقين للخير والرشد والصواب بطاعتك والمحال بينهم وبين الذنوب بقدرتك التاركين لكل معصيتك الساكنين في جوارك اللهم اعطنا جميع ذلك بتوفيقك ورحمتك وأعذنا من عذاب السعير وأعط جميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات مثل الذي سألتك لنفسي ولولدي في عاجل الدنيا وآجل الآخرة إنك قريب مجيب سميع عليم عفو غفور رؤوف رحيم وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" (*) فهذا الدعاء يلخص ما يتمناه كل أب وأم صالحة لأبنائها من صلاح وتوفيق، قال الله تعالي في كتابه العزيز {المالُ وَالبَنونَ زينَةُ الحَياةِ الدُّنيا وَالباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيرٌ أَمَلًا}.
ولقد أوصى لقمان الحكيم ابنه بوصايا جمعت بين الوصايا الدينية والوصايا الأخلاقية ومن وصاياة: • يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. • البِرّ بالوالدين: وذلك في قوله -تعالى-: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}. • إقامة الصلاة: وذلك بقوله: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ}، • الصبر: وذلك بقوله: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}، • التنفير من الكبر وازدراء الناس: وذلك بقوله: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ}، • تَرك الخيلاء والفخر: وذلك بقوله: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}، • الوقار والتوسُّط: وذلك بقوله: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ}، • أدب الحديث: وذلك بقوله: {وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}.
إنّ تربية الأبناء تحتاج إلى كثير من الجهد والكدّ، كما تحتاج التربية إلى توظيف الأحداث وإدارة المواقف، فالحكمة تقوم على ساقَين، هما: العلم والفقه؛ ولهذا كانت الحكمة مرتبطة بالعلم النافع، والعمل الصالح، والإنسان لا يبلغ مرتبة الحكمة بالعلم وحده، بل يجب عليه العمل كذلك، وعلى المُربّي أن يكون قدوة صالحةً لمَن تتمّ تربيته، جامعًا للعلم والفهم، رابطاً إيّاها بالعمل، وكذلك عليه استعمال أساليب التربية ومنها:
أسلوب الموعظة: وهو الأسلوب الذي يتمّ فيه نُصح الشخص، مع تذكيره بعواقب الأمور المُترتِّبة على فعله، يقول الله -تعالى-: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ}.
أسلوب التودُّد: وذلك بالتقرُّب إلى المنصوح، وذلك في قوله لابنه: {يَا بُنَيَّ}.
أسلوب التدليل والتعليل: وذلك بأن يُدلّل الإنسان على كلامه، ويبرهنه، كما في قوله -تعالى-: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}.
أسلوب التنفير من الأعمال المُستقبَحة؛ كقوله: {وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}.
التربية هي عبارة عن سلوكيات وأنشطة أولياء الأمور والمدرسين والمدارس؛ وتعليم الأطفال وما يرتبط بها من الأحداث في الفصل  مثل التغييرات العلمية والعملية، كما تعرَّف بأنها الطريقة التي يتكيف بها الأفراد مع بيئتهم والثقافة المحيطة بهم، وتجدر الإشارة إلى أن تنوع هذه المفاهيم وهذا أمر طبيعي وفقًا للعوامل والبيئات المتغيرة، كما أن هذا موضوع عام يجذب انتباه الجميع فهنيئًا لكل أب وأم زرعوا الأمل في أبنائهم وأحسنوا تربيتهم وهنيئًا لكل مدرس ومربٍ وفرد من هذا المجتمع قام بواجب التربية لأبنائنا وبناتنا وغرس روح التفاني و الأمل والجد والاجتهاد وتخريج جيل صالح ومتفانٍ نستشرق به المستقبل وهنيئًا لمن إن رآهم الناس قالوا لهم رحم الله من رباكم.


مصادر:
• منتدى الكفيل.
• موقع صوت الأمة.
• المرجع الإلكتروني للمعلومات.
• ويكيبيديا.
• موقع موضوع.

هوامش:
* الدعاء الخامس والعشرون من الصحيفة السجادية.



error: المحتوي محمي