12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

افعل الخير واصنع جميلاً وارمه في البحر

فعل الخير من الأمور الفطرية التي فطر الله الناس عليها وهي من الأمور التي أمرنا وحثّنا عليها الله سبحانه وتعالى في كتابه حيث قال: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}، في إشارة واضحة وجلية على أن فعل الخير جزاؤه عند الله كبير، وأثره على الإنسان عظيم مهما كان صغيرًا كما بين القران الكريم {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} وعمل الخير لا يختص بدين أو عرق أو لون وهو إنساني فطري وهو الذي يُراد به وجه الله تعالى، ولا يبتغي به صاحبه جزاءً ولا شكورًا وفاعل الخير عادة يجني ما صنع ولو بعد حين.
قال الحطيئة ابن أبي حصينة: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه
لا يذهب العرف بين الله والناس.
من يزرع الخير يحصد ما يسر به
وزارع الشر منكوس على الراس
فأعمال الخير وأبوابها كثيرة ولا تعد ولا تحصى منها على سبيل المثال لا الحصر: كفالة يتيم؛ فكفالة اليتيم، تعتبرمن أعظم أعمال الخير التي تُدخل صاحبها الجنة، قال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}، وأيضًا الصدقة الجارية التي تسدّ حاجة الفقراء والمساكين، كما أنها تزكي النفس وتمنع شحها، وتعتبر الصدقة من أفعال الخير التي تستوجب الأجر العظيم، والتي تدفع البلاء عن الناس، وكذلك المساعدة في بناء مسجد، والمساعدة في ترميم وبناء بيت للفقراء، واغاثة ملهوف، وإماطة الأذى عن الطريق، ومساعدة كبار السن، وبر الوالدين، فبرّ الوالدين من أفعال الخير الواجبة على كلّ شخص، وربط الله سبحانه وتعالى رضاه برضا الوالدين، لما لهذا الفعل من أجر عظيم، كما وعد البارّ بوالديه بالرزق الوفير، والإصلاح بين المتخاصمين.
وحسن الجيرة، والنصيحة بالخير والمنفعة للآخرين، وحسن الجوار، وزراعة شجرة، ومساعدة الأرحام الضعفاء، وقضاء حوائج الناس سواء الضعفاء أو المقربين مع الاستطاعة، وقد أمر الله تعالى بالسعي لقضاء حاجات الناس، وجعلها من باب التعاون على البر والتقوى، فقال تعالى: {وتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [سورة المائدة:2] فقضاء حاجات الناس لا يقتصر على النواحي المادية فقط، بل يشمل كل يمكن أن يفيد الشخص المحتاج سواءً من الناحية المادية، والحسية، أو الناحية النفسية، مثل: النفع بالعلم أو النصيحة أو الرأي أو المشورة، والمشاركة في الأعمال التطوعية، والابتسامة وحسن الخلق، والمحافظة على البيئة والحرص على نظافتها في الأماكن العامة والخاصة، وحسن المعاملة والأمانة، ورد المظالم إلى أهلها، والعطف على الأيتام، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "وتحننوا على أيتام الناس يتحنن على أيتامكم".
ووضع الطعام والماء للطيور وخاصة في هذا الجو الصيفي الحار.
كل هذه الأعمال وغيرها ودون حصر من الأعمال الخيرية المحببة عند الله سبحانه وتعالى وعند رسوله المصطفى صلى الله عليه وآله، وحثت عليه جميع الشرائع السماويّة والأديان وجعلته من مكارم الأخلاق، وسبباً للحصول على الحسنات الكثيرة من الله تعالى، والأجر العظيم، والفوز بالجنة، ولما لفعله من الفوائد الكثيرة، التي تعود على الفرد والمجتمع والعالم أجمع بالخير الكثير؛ فهو يصفّي القلوب ويجمعها، ويشيع المحبة بين الناس، ويزيل التشاحن والبغضاء، ويجعل العالم أكثر أمانًا وأفضل عيشًا؛ ولما لفعل الخير الكثير من الثمرات الطيبة التي تبقى بركتها في الدنيا وفي الآخرة، لأنّ الله تعالى لا يضيع أجر المحسنين. ففعل الخير مثل العطر الذي يفوح في الأرجاء، ويترك أثره الطيّب في كلّ مكان، وهو الغيمة التي تُمطر الحبّ والأمان والمحبّة، والروح التي تطوف في حدائق المحبة، ودونه تصبح الحياة موحشة جدًا، وفعله توفيقٌ من الله تعالى لعباده الأخيار؛ لأنّ الله إذا أراد بعبده خيرًا دلّه على دروب الخير وأبعده عن دروب الشر، وهداه إلى كلّ ما يُعينه على كسب الحسنات من فعله للخير. وعمل الخير عادة ما يرتد على صاحبه وإن طال الزمان فهناك الكثير من القصص الحقيقية التي حدثت وأقص لكم واحدة من هذه تلقصص الحقيقية التي حدثت في إحدى البلاد لتزيدنا إيمانًا لفعل الخير والتزود به.
يُحكى أن طفلًاا صغيرًا رثًا أتى صيدلية وكان بحاجة ماسة لدواء لوالدته المريضة والتي كانت تحتضر ولم يكن يمتلك من المال لشرائه لفقره فتوسل إلى صاحب الصيدلية أن يعطيه إياه فرفض لعدم امتلاكه المال فنهب الطفل الدواء من الصيدلي وهرب ولحق به الصيدلي حتى أمسك به فأخد الدواء منه وأخد يضربه ضربًا مبرحًا بلا رحمة ولا شفقة وتله ليسلمه إلى الشرطة وهو يترجاه ويعتذر له ولكن الصيدلي أصر على تسليمه إلى دائرة الشرطة وبالصدفة كانت هناك أمرأة تراقب ما يحدث أتت لتستفسر عما حدث ولما علمت القصة أخذت بيد الصيدلي كي يسامحه وأن يعدل عن تسلميه إلى الشرطة وتكفلت بأن تدفع ثمن الدواء وإعطائه إلى الطفل وبعد تهدئة الطفل نحت به جانبًا لتعرف سبب سرقته للدواء وبعد قصه قصته عليها وأنه بحاجة ماسة إلى الدواء لوالدته فأخذته في حضنها وهدأت روعه وقبل أن ينصرف أعطت هذه المرأة للطفل بعضًا من المال وورقة صغيرة كتبت عليها "من يفعل الخير لا بد أن يرتد عليه" وقالت له احتفظ بهذه الورقة طوال حياتك.
مرت الأيام والسنون فكبر هذا الطفل بعد أن أنعم الله عليه حيث أصبح من أشهر أطباء بلاده وأصبح يمتلك مستشفى كبيرًا مشهورًا يرتاده كبار القوم والشخصيات البارزة. وفي أحد الأيام أحضرت إليه امرأة طاعنة في السن إلى الطوارئ وهي تحتاج إلى عملية عاجلة لإنقاذ حياتها. وأخذ المستشفى كل الإجراءات لإنقاذ حياة هذه المرأة حتى تبادرت للشفاء. وقبل أيام من خروجها من المستشفى أحضرت فاتورة العملية والعلاج فكانت فاتورة العلاج باهظة الثمن وهي لا تمتلك المال لدفعة. أخذت بالبكاء والتضرع لله أن يخلصها من هذه المحنة وكان هذا الطبيب دائم الإشراف على هذه المرأة ويتحسسها كأنه يعرفها أو التقاها في مكان ما وكذلك أحس أنها كثيرة البكاء والحزن ولأنه كان يراقبها عن بعد. فأتاها لكي يتحسس سبب حزنها وبكائها فأخبرته أنها وحيدة ولا عائل لها وأنها لا تمتلك دفع فاتورة علاجها فأخذ يطبطب على يدها ويقول لها إن فاتورتك دفعت وأخبرها بقصة تلك المرأة التي دفعت ثمن دواء أمه عندما كان صغيرًا ومعدمًا وأخبرها عن تلك الورقة التي أعطته إياها هذه المرأة وطلبت منه أن يحتفظ بها طوال حياته وألا تفارق هذه الورقة جيبه وقال إنه يبحث عن تلك المرأة طوال هذه السنوات الطويلة لما لهذه المرأة من أثر في تغيير حياته.
وأخرج الطبيب تلك الورقة من جيبه والتي كتب عليها "من يفعل الخير لا بد أن يرتد عليه يومًا ما" وعندما رأت تلك المرأة الورقة أخذت بالبكاء وانهمرت دموعها بكثافة وقالت له أتعلم من تلك المرأة؟ فقال لها إنني أبحث عنها كي أرد لها بعضا مما عملت لي فقالت له إني أنا المرأة التي تبحث عنها وإني أنا التي كتبت تلك العبارة وأعطيتك إياها.
والعبرة من هذه القصة أن من يفعل الخير لابد أن يرجع إليه وإن طال الزمان.
وأختم مقالي بقول الله تعالى (بسم الله الرحمن الرحيم) {وتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ والتقوى ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [سورة المائدة:2] فبورك من ملأ حياته بعمل الخير، وبورك من أدرك أن الحياة أقصر من أن يضيّعها بعمل الشر.



error: المحتوي محمي