12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

وداعًا يا عباس البطل

ما أصعب أن تستفتح يومك بخبر مؤلم! بخبر صادم! بخبر لا تريد أن تصدقه! ولا تريد أن تستوعبه! تغالط نفسك والعينان تعيد قراءة العنوان المفاجئ تعيده بزغللة نظر وارتباك تلاوة خبر؛ "المهندس عباس الشماسي في ذمة الله "، يا الله يا رحمن يا رحيم، ارحمنا على فقد الأحبة.
تتبدل مشاعر وتتوه أحاسيس، في لجة الآهات، نغرق ألما وحسرة، لحظات مرة عسيرة، موجعة، تعزيات تتوالى ومرثيات تستفيض حزنًا واستذكار مناقب، تختلط الكلمات وتتوالى الصور والذكريات، مشحونة بألم وحسرة وتفويض الأمر لله سبحانه وتعالى.
نؤمن بأن الموت حق، نؤمن بأن الدوام لله، ونسلم بذلك تسليمًا، لكننا لا نملك وقف دموع الم الفراق على شخص ملك القلوب بلطفه وحسن سجاياه!
يا أبا فاضل رحلت وتركت في الحلق غصة، حسرات من أسى. أي معزة يكنّها لك كل من عرفك واقترب منك وتعامل معك وجها لوجه! أي مساحة حب تملكها في قلوب تقدرك وتعرف معدنك وقيمتك، لك منازل بهية رفيعة جليلة في نفوس الكثير والكثير، صغار وكبار، نساء ورجال، ولكل من شاركك وشاركتهم في العمل الاجتماعي.
يا واهبًا البسمة وراسمًا الأمل، ويا موزعًا الخدمة باسم الجميع، يا واهبًا العمر تضحية لأرض القطيف، كانت أنفاسك وطنية لآخر لحظة في حياتك.
رحلت وما رحلت إنجازاتك خير شاهد وبرهان، أمثلك يعوض يا ذا العقل المتقد المتفتح والروح السمحة والخلق الدمث والقيادي المتميز! يا صاحب الشخصية الكاريزمية المؤثرة قولًا وعملًا، أياديك بيضاء وقلبك أبيض من الثلج، طيبتك لا متناهية، وبسمتك دائمة حتى في أحلك الظروف، مرسومة على محياك، ما أظن يوم أتيت عبوسًا أو مكفهرًا، أو شاكيًا أو متبرمًا، منطقك إقناع وفعل وعمل.
من خبرك وتعامل معك، من عايشك فلديه ما يقوله في حقك، ولدي ما أقوله استذكارًا لقيمك الوضاءة وعرفانًا لمكانتك النيرة ووفاء للعشرة.
عرفتك يا مهندس عباس عن قرب وبيننا لقاءات جماعية، واجتماعات مفتوحة وخاصة، وفردية واتصالات، كلها من أجل تحقيق عمل اجتماعي. فمعرفتي بك ليست سلام عابر وتحية من بعيد بل برسم خطط من أجل نادي الفنون بالقطيف التابع للجنة الأهلية بالقطيف، كنت رئيسها وأدرت الدفة بكفاءة، وبعقلانية متزنة.
كم ضمنا اجتماع لوضع آلية ما وتسيير عمل جديد وقادم حين دارت الدوائر وأخلي سبيل مكان نادي الفنون من مبنى مركز الخدمة الاجتماعية بالقطيف، نعم أخرِجنا عنوة، وكان مبنى اللجنة تحت إدارتك هو الحاضن والمرحب، كنت المتابع على سير النقل، أرشيف ضخم لجماعات التشكيل والتصوير والخط والمسرح، أغراض وعدد وأدوات ولوحات نتاج 22 عامًا من الإنجاز، وزعت في كل زوايا وردهات مبنى اللجنة حتى فاض المكان وغص بما حوى، وحدث موقف مؤسف من بعثرة غير مقصودة، بضعة لوحات ألقيت خارج المبنى، فقام الضجيج وعلا الصراخ، وبحكمتك وأنت البعيد عالجت الأمر بحكمة، ولا أبخس هنا حق رئيس نادي الفنون أحمد الجشي، في لملمة البعثرة ومعالجة الأمر بروية.
أي موقف نبيل تصديت له يا أبا فاضل، أجريت اتصالات صوتية بالمؤثرين في عجلة جماعة الفنون، تعتذر لهم وتجبر بخواطرهم موضحًا الذي حدث، وقلت لنا بأن الأمر كان خارجًا عن الإرادة، كل شخص حادثته وأوليته عناية خاصة، وبشرته بشيء مفرح قادم، اتصالاتك تطمينية عبرت آلاف الأميال وطرقت مسامعنا، قادمة من أمريكا حيث كنت وقتها هناك في مهمة وظرف عائلي.
أي جمال تحمله نفسك! وحين أتيت من السفر وبعد شهور ومداولات تصديت لاستئجار صالة خاصة لنادي الفنون في شارع القدس، ودفعت بكل ما أوتيت من قوة لترجمة الاجتماعات لواقع ملموس ولشيء محسوس! وبعد عام كامل من التجهيز تم افتتاح الصالة الجديدة، وفتح معرض وحيد حتى الآن وهو المعرض 22 لجماعة التصوير الضوئي بالقطيف، وتشرفت يا أبا فاضل بافتتاح المعرض وقص الشريط، وكانت ليلة عرس بالمكان الجديد، آمال معلقة، خطط موضوعة لتشغيل الصالة لكن أوقفها هبوط الجائحة.
كنا سوف نستعيد ألقنا يومًا بعد يوم بانتظار الفسح لإقامة الأنشطة، انتظار طال أمده لعام ونصف العام، كنا وما زلنا نتهيأ للعودة بين لحظة وأخرى إلا والخبر الصادم يصفعنا برحيل من كانت يداه بيضاء في إيجاد المقر الجديد.
إيه يا دنيا، وآه منك يا موت يا مفرق الأحباب، ومعذب الأعزاء. أبا فاضل ارقد بسلام فقد كنت البطل المقدام من رئاسة جمعية القطيف مرورًا بإدارة اللجنة الأهلية وصولًا للمجلس البلدي.
على مدى سنوات عديدة سيرتك عطرة كل سيذكرها ويخلدها حديثًا وكتابة. وعن نفسي أعتز حين كرمتني بدرع باسم اللجنة، عن فعل أعتبره واجبًا علي، حينها فاضت دموعي فرحًا من حسن إشادتك وكلماتك الأخوية السامقة، من يعوضنا بمثل أريحيتك ولطفك ونبلك، كم دوشتك باتصالاتي اللحوحة وترد علي كتابة عبر الواتساب: "بعد ما أخلص اجتماعنا في مجلس الشورى سوف أتصل بك"، وينفض المجلس وتجيبني بتطمينات وبعد نظر.
أي نظر وحسن تفكير خلاق فيما قلته وكتبته من سرد مقالاتك العديدة، هي مرجع لأفقك الواسع، وفكرك النيّر، وكتاباتك ليست ديباجة كلام واستعراض قلم، إنما تحمل في طياتها مشاريع طموحة، وخططًا إستراتيجية، أتمنى أن تجمع وتطبع في كتاب، لنعرف ما كنت تصبو إليه من عمل خيري نافع للجميع وللأجيال القادمة. كيف لا نبكيك وأنت قد جنّدت عمرك تفانيًا في خدمة المجتمع.
صباح الحزن يا قطيف، صباح الألم والحسرة، رحل عنا شخص متيم في حبك يا قطيف. نعزّي من؟ نعزي كل عائلتك؛ أم فاضل، أبناءك إخوانك وأخواتك، وكل عائلة الشماسي والسنان وبقية الأقارب والأرحام، لأبي فاضل المحبوب الذي ملك القلوب المغفرة والرضوان، ولكم الصبر والسلوان والعزاء عزاء الجميع.
لحظة دمع فاضت بي حينما استرجعت تسجيلاتك الصوتية والفيديوهات التي كانت بيننا. أنفاس وجع توخز الضلوع، وآهات مكبوتة. صورتك محفورة في القلب ما حييت، اللهم الهمنا الصبر على رحيلك يا عباس البطل، فقد كنت بطلًا طوال حياتك.



error: المحتوي محمي