كيف هو حال أسرنا؟ سؤال عريض وددنا طرحه هنا، وبعيداً عن الجائحة التي فرضت نفسها وفرضت على أفراد الأسر التواجد في المنازل لوقت أطول، نقول وبما لا يتسع المقام لتفصيله إن الغالبية للأسف تعيش الغربة وهي في حضن بعضها البعض، فالعصرنة وعالم الميديا فرضت أسلوباً قسرياً نعيشه مرغمين أو طائعين.
فيخال لنا والله أعلم أنها تتعايش بنظام الفندقة، فالصالة عبارة عن بهو الفندق "اللوبي" الذي يجتمع فيه النزلاء الغريبون عن بعضهم، فكل في حاله بين جوال ولابتوب وفنجان القهوة أو الشاي، وكل يخدم نفسه، والبعض يقبعون في غرفهم إما لاهين أو نائمين ولا ينزلون غير وقت الوجبة هذا إذا أتيحت لهم الفرصة لذلك.
ومعظم الوقت هم خارج المنزل، وسيارتهم الآن متوفرة، فكل منزل أمامه ما بين خمس إلى عشر سيارات بالحد الأدنى، خاصة إذا ما كان المنزل بنظام الشقق ويضم أغلب أفراد الأسرة الواحدة، والذي نزيد عليه هماً آخر في هذه الحالة وهو إذا ما تفضل هذا الابن بزيارة أبويه القاطنين معه أو معهم.
هي بعض ملاحظات لابد من الالتفات لها، ولا نعفي الأب والأم منها أيضاً من غير "كبار السن"، فهؤلاء حكايتهم مختلفة، فنقول إن الأب له نصيب أيضاً حين ينشغل عن أسرته خارج المنزل ولا يخصص الوقت الكافي لأسرته عدا وقت الطعام إن تفضل بذلك، وإلا فإن أغلب أوقاته يمضيها خارج المنازل، فإضافة لأوقات الدوام إن كان موظفاً تراه أحياناً من الوظيفة إلى الاستراحة أو إلى عمل خاص أو نشاط اجتماعي ولا يعود إلا وقد مضى وقت من الليل حتم على أفراد أسرته النوم دون أن يراهم، ما عدا زوجته إن انتظرته هي الأخرى.
وإن عاد من عمله مباشرة افتراضاً، فإنه لا يلبث أن يرتبط بمجلسه ورواده أو يخرج لسبب من الأسباب التي عرضناها أو غيرها، مثل حضور القراءة الحسينية الأسبوعية "العادة" كما يسميها الغالبية، والتي يلتزم بها الكثير ليلياً وعلى اختلاف أعمارهم ولعدة مجالس في الليلة الواحدة، وهو ما ينطبق تماماً على النساء بحضور "العزية"، وهو المصطلح النسائي الشائع للمجالس الحسينية النسائية والتي تقام لوجبات ثلاث في اليوم وطيلة الأسبوع وفي غير مكان.
وهذا الحضور هو الأهم بلا شك لما فيه من إحياء لأمر آل البيت "عليهم السلام"، ولما يحتويه من علم ومعرفة للدين والدنيا، إنما ليكن بتقنين وأولوية تفرضها الحياة للاعتناء بأمور أخرى أسرية وغيرها تفرض أن نعطيها حقها، وهو ما لا يتنافى مع الواجب والمستحب.
نحن لا نضيق هنا على أحد بقدر ما ننبه إلى ضرورة تخصيص وقت للأسرة من جميع الأطراف، وخاصة من الوالدين واللذين يجب عليهما الاعتناء بأبنائهما والالتفات لهم بالتربية والمراقبة والمتابعة، والأهم جداً ضرورة بناء أسرة ملتفة ومترابطة ببعضها ارتباط الدم والدفء والمحبة والإلفة، والحرص من الجميع على تقديس العلاقة الأسرية واحترام بعضها، وخاصة الأبوين إن كانا على قيد الحياة، أحدهما أو كليهما.
وهنا المسؤولية الأكبر والهم الخطير والحكاية المختلفة التي لا بد من التطرق لها صراحة، فكم من منزل خلا من أفراده ولم يبقَ فيه سوى الأبوين بعد أن رحل الأولاد والبنات وبقيا وحدهما إلا من زيارات خجولة لجبر الخاطر بين فترة وأخرى، وربما فقط من أحد الأبناء أو إحدى البنات، حتى وإن كانا في منزل واحد، والمصيبة هنا لو لم يوجد سوى الأم أو الأب على قيد الحياة، وأي حياة تلك التي يتنكر فيها الأبناء إن هم جفوا الوالدين أو عافوهما في دور العجزة حتى الوداع الأخير.
في الختام نحن لا ننفي وجود أسر متلاحمة، بل هناك قبائل في مجتمعاتنا ولله الحمد متآزرة متحابة متعاونة فيما بين أفرادها، يسودها الاحترام والتقدير والتفاهم والتعاون، ويشكلون النماذج المثلى والقدوة الحسنة للأسرة الكريمة والفاضلة، وليتنا نلتفت فعلاً لأسرنا ونعطيها من الوقت ما يفي ويكفي ومن الاهتمام ما يلبي الحاجة والعاطفة ويغذي المشاعر وينمي السلوك ويربي على الأخلاق ويرشد للهدى وسلامة الدين ويبعد عن السوء وأهله ويقرب من المعروف وأهله، حتى ننعم بأسر فاضلة تشكل مجتمعاً فاضلاً في نهاية المطاف، وليس صعباً علينا إذا ما اهتم الواحد منا بأسرته الاهتمام الأمثل لتكوين هذه الأسرة المنشودة، فالأسر الفاضلة تعني مجتمعاً فاضلاً.



