12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

محمد رضا نصر الله.. كائن ثقافي

عندما تبدأ بالكتابة وأنت في عمر الخمسة والعشرين عاماً، لابد أن تكون مشغولاً بالهم الثَّقافي قبلها بسنوات، فالكتابة عادة مسبوقة بسنوات مِن القراءة ومحاولات الكتابة، وهناك مَن يبدأ الكتابة لسنوات تحت اسم مستعار، خشيةً وقلقاً، هكذا بدأ الأديب والإعلامي محمد رضا نصر الله مشواره، والبداية كانت بعمود "أصوات" في جريدة "الرِّياض"، فمديراً لملفها الثَّقافي، ومع الكتاب دخل إلى الإعلام الثَّقافي عبر برامج ثقافيَّة متواصلة، على مستوى السَّاحة السُّعوديَّ والعربيَّة، دخل إلى مصر والعراق ولبنان وسوريا والمغرب العربي، عبر لقاءات مع نجومها الثَّقافيَّة، وأشعر بأرشيف محمد رضا نصر الله مثابة مُتحفٍ لتلك العقول النيَّرة، كنت أتابع، بين الحين والآخر تلك الجهود الثَّقافيَّة، وصاحبها الشَّاب الذي لم ينهِ عقده الثَّالث، ذاع اسمه، وبرامجه الثَّقافيَّة، ما أنّ يختم برنامجاً إلا وأستهل الآخر.
كانت البداية بـ "الكلمة تَدق ساعة"، "وحوار في مواجهة العصر"، "هكذا تكلم المشاهير"، و"هذا هو"، "خارد الأقواس"، و"مابين أيديهم"، و"ستون دقيقة سياسيَّة"، "حدث وحوار"، كان ضيوفه شخصيات مِن وزن نجيب محفوظ، ومحمد مهدي الجواهري، وعلي جواد الطَّاهر، وتوفيق الحكيم، وزكي نجيب، وبُلند الحيدريّ، وسعيد عقل، وحمد الجاسر، وبنت الشاطئ، وصوموئيل هنتجون، ويوسف إدريس، وفدى طوقان، والطَّاهر وطار، وغازي القصيبي وغيرهم. حتَّى عُدت ساعات تلك الحوارات المرئية بألف ساعة.
حوارات مباشرة وجهاً لوجه، فيومها حيث نهاية السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، لم تُعرف وسائط على الإنترنيت، وبل ولا الإنترنيت نفسه كان قد عُرف، لم يُقدم الأسئلة وتأتيه الأجوبة جاهزة، إنما كان السؤال من أحشاء الحوار نفسه ولا عبر سكايب أو زوم، وإن خدما في زمن القطيعة الجبريَّة، وعوضا، لكنهما لا يرقيان إلى القوة التي يكون فيها الحوار وجهاً لوجه، وضيوف برامج محمد رضا لم يبق منهما مّن يعيش هذه القطعية إلا ما ندر. كان محمد رضا نصر الله على سفرٍ متواصل إلى مضارب الذين يلتقي بهم، فعن طريقه عرف العراقيون ماذا يمثل الناقد والأكاديمي والمثقف المشع أدباً وتنويراً علي جواد الطَّاهر، وعن طريقه عرفنا نحن العراقيين ماذا كان يمثل مؤرخ وباحث مثل حمد الجاسر، الذي هو أول مَن قرَّظ كتاب "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"(قرأنا ذلك في مجلة الرّسالة، وقد نُشر العام 1951)، أي حين صدر.
وجد الظامئون إلى الثَّقافة العربية الأصيلة، في برامج محمد رضا نصر الله، وطريقة تقديمه اللائقة بالكبار مِن ضيوفه، وإلمامه عن ضيف ودواخله، رواءً منها، فكل حلقة منها كانت كتاباً، أخذ صاحب الألف ساعة حوار، يغذينا، بين حين وآخر، مِن مُتحفه. دخل محمد رضا نصر الله في معارك أدبية، مرة يكون طرفاً وأخرى يكون حكماً أو عارضاً للقضية، عبر صفحات الجرائد أو البرامج التّلفزيونيَّة. كنت عرفته في بداية التسعينات، من القرن الماضي، وهو يتصيد ضيوفه، المهاجرين مِن بلدانهم، طوعاً ورغماً، وما يخص العراقيين فالغالب منهم كان مرغماً، ثم توطدت وشائج الصداقة به عبر المهرجانات الثَّقافيَّة، التي كانت تُقيمها المملكة العربيَّة السُّعودية، أو معارض الكتب، وكان محوراً في مهرجان الجنادريَّة مِن بدايته.
لم تعصف الحزبيَّة ولا السّياسة ولا العقائديَّة بصاحبنا، فبقدر ما كان ملتصقاً بمجاله الثَّقافة وبوطنه، وخدمته عبر هذا المجال، ظل بعيداً عمَّا أصاب الشَّباب مِن أترابه أو مجايليه، عندما أتت قوة ما عُرف بالصَّحوات أو الغفوات، التي كادت تعصف بالأوطان، والشَّكوى مازالت مِن آثارها، ظل محمد رضا نصر الله متوازناً، التَّنوير عبر الثَّقافة ضالته، لا ينفك هذا الثَّبات على الهم الثَّقافي والأدبي عن تأسيسه الأول، الذي حصد ثماره بحريَّة العقل وراحة الضَّمير.
كنت أرى صاحبنا شيخاً ، منذ تعرفت عليه، وهو في ريعان الشَّباب، فما كنت أحسب أنَّه سيحتفل بعامه السَّبعين، فما كان يكتبه، ويقدمه في برامجه المتواصلة، وعلاقاته بشيوخ الثَّقافة العربيَّة، مِن باحثين وأدباء وشُعراء، يوحي أنَّه مِن أسنانهم، كأنه عاش الثلاثينيات والأربعينيات، ومعلوم أنَّ الكتابة والاهتمام الثَّقافي الجاد، والفصحى في حواراته وندواته، يعطي هذا التَّصور، لذا كانت مفاجأة لي أن يكون صاحبي مولداً العام 1953، ومعلوم أيضاً أن استمرار الكتابة بسيد الأقلام الباركر(51)، في عصر الكتابة باللمس، يقطع الشَّك باليقين أن صاحبنا كان مِن جيل الذين حاورهم، كالجواهري ونجيب محفوظ وسعيد عقل وحمد الجاسر. مِن ناحية معرفة العمر، أجده أسعد، فأنا وإنّ كنت مِن بلدٍ دخله التَّنوير مبكراً وخرج منه مؤخراً، لكنني، والعديد مِن أترابي كذلك، لا يعرفون عام الميلاد، بل حُسب على الموجعات والمسرات مِن الحوادث، فإذا كان العام مجهولاً فكيف بيوم الميلاد، لهذا صار لديَّ ثلاثة تواريخ متباعدة، أقدم التهنئة للأديب محمد رضا نصر الله، وهو مِن الذي يُعتز بإسهامهم التنويري والإنساني، مِن دون انتظار ردها، لأن العقود قد مرت ولم أعرف هل عبرتُ الستين أم السبعين، فوالدتي أفادتني أنَّ ميلاديَّ كان في موسم الصيف، وهي لا تعلم أي صيف!
رشيد الخيُّون - كاتب عراقي ومؤلف عديد من الكتب





error: المحتوي محمي