12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

وداعاً أسطورة كرة القدم (17)

كرات تتقاذف والعرق بلل، كلام يتطاير على عجل، من يسمعك يا فتى والشكوى زفرة ملل.
يا مارادونا، مما تشتكي؟ من إدارة نادٍ، أم من رئيس متصلب، أم جمهور متعصب؟ هتافهم والضجيج، يصلونك التأفف والزعيق.
إن شكواك متعددة الأوجه، تستبطن الآهات، بين عرقك واللهاث، رضاء للحمية الكتالونية، المهووسة بظفر كل الجولات الإسبانية.
أي فن تستعرضه، والنزال كواسر، تستشعرك عن بعد قرون ثيران هائجة، أي مزاج لك وسط طريقة لعب متغير، أسلوب لم تألفه قبلاً، سهام تتعقبك، طالتك نبال تحريض متقلب، الأقاليم تكسب صراخها، واللعب يخسر، صخب والضجيج هادر، تلك أجواء الكرة الإسبانية.
أنت الباحث عن جمالية فن وصانع لعب متحرر، تحرث المستطيل الأخضر حرثاً، رجلك تنبت البذر سنابل، لكن طريقك ما زال وعراً، أتجتاز المثبطات بتحدٍ لا يقهر؟ ثباتك وسط أسلوب لعب قارة عجوز مقارنة بقارتك الجنوبية ثمة تفاوت، وسياسة نادي برشلونة عن أنديتك الأرجنتينية التي مثلتها سابقاً تكمن فروقات، بين طريقتي التعامل والاحتواء.
تلك أندية انتقلت إليه تدرجاً، بدءاً من نادي "استريلا روجا" القريب من حيك المعدم، لعبت فيه صغير السن، وحين بلغت العاشرة انضممت إلى صفوف نادي "لوس سيبوليتاس"، وبعد أربع سنوات أصبحت لاعباً محترفاً في فريق "ارجنتينوس جونيورز" حينها زاد دخلك يا ابن الفقراء، ثم تحط رحلك لأكثر نادٍ يحظى بشعبية جارفة "بوكا جونيورز" محبوب الطبقة الكادحة والساحقة في البلاد.
هو الذي صدرك للخارج، بعد تكالب الأندية الأوروبية
عليك، يربح الرهان برشلونة دون غيره.
أندية لا تتشابه مع أي ناد خارج الديار، أن تتعود على أسلوب اللعب مع زملائك ردحاً من الزمن وتنهج خطط مدربين وطنيين من بلدك، وفجأة كل هذا يتبدل، لا بد أن يحدث خلل في عدم التوافق وصعوبة في عملية الاندماج، هناك كنت تسمع هتافات الهوس على أرضك اللاتينية التي تهفو إليك محبة وعشقاً، وأنت تطربهم بوصلات فنك، مهاراتك ترنيمة عشق ينشدونها على أنغام اسمك، ذاك عز كان بالأمس زاهياً بين أهلك وأحبابك.
عبرت البحر ونقلتك سفن المال لأجواء مختلفة وبيئة مغايرة ليس بالسهل عليك، الأمر يحتاج وقتاً أكثر للتأقلم.
مباريات وتدريبات تستهلك طاقة الفتى، والفتوة ريعان انطلاقة، لياقة جسد لا توازيها لياقة نفس، العارفون يدركون نبضك المتقلب مع البرشا، ولكن أعصابك وزر ثقيل على كاهلك، دوري إسباني طابعه الشد والجذب، والشراسة عنوان الأشاوس، أجواء مشحونة بعنف بلا مبرر، صفحات كتابك تنبئنا عن معاناتك الشاقة والعسيرة إذ تقول "برشلونة بلا متعة: كانت فترة مهمة وصعبة ومظلمة ومعقدة، قبل برشلونة كنت ألعب كرة القدم باستمتاع لكني ما عشته مع برشلونة لم يكن كرة قدم أو رياضة، بلغ الحد إلى توجيه الضربات إلى فمي ووجهي، أسلوب اللعب كان مختلفاً أيضاً، كان اللاعبون يركضون دون توقف، في أحد الاختبارات ركضت أنا 2700 م، بينما ركض زملائي 5000 و 6000م، لم أندمج بشكل جيد، لكني اجتهدت لأكون أقوى بدنياً، شوستر ولتوكراسكو كانا يساعدانني".
نصدقك القول لأن التعاطف مساحة محبة لعبقريتك الكروية، والتقدير محل التقييم إنصافاً، فلكل فترة لها ما لها وعليها ما عليها، وأي تجربة لها مكتسبات سلباً وإيجاباً، وربما تقود أحياناً لمفترق طرق قد تكون مجهولة وغير محمودة العواقب، والعكس صحيح.
ما عاشه الفتى الذهبي مع برشلونة فيه شيء من المفارقة، بين الحب واللاحب، بين المأمول وخيبة الظنون.
إدارة النادي تفاخر بأن لديها أغلى لاعب في العالم، حيث صرفت عليه 5 ملايين جنيه إسترليني من ميزانية النادي، ومن خلفهم جماهير تنتظر عطاءً يوازي ذلك الرقم القياسي، فكل البرشلونيين يراهنون عليه بدوري قادم أكثر مما مضى، يأخذهم بعداً أوروبياً، طموح يتوجهم أسياداً للقارة.
انطلقت عجلة الدوري الإسباني لموسم 83، وعلامات التحدي تسري في عروق اللاعبين المشاكسين يدفعهم جمهور متعصب يشعلهم حماساً متقداً بسعي لمن يكسب الرهان.
معركة الفتى مع برشلونة تتلون سلباً وإيجاباً، كسب انتصارات وتأرجح تعادلات وانتكاسة هزائم، تفلت في الطريق نقاط إثر نقاط.
هل بات الرصيد لا يخول لبلوغ المرام لتسيد الدوري؟ الأمنيات في مهب رياح جرت بما لا تشتهي سفن النصر، ما أصعب على ربان السفينة – مارادونا - أن يتعرض لهجمات القراصنة الذين يفتكون به فتكاً، والغنائم لكماً ورفساً لجسده المتوثب، الضالة المتوخاة توتيره نفسياً بأي ثمن لإخراجه عن طوره، تقابلها ضغوطات إدارة تكشر عن أنيابها ضده، إنها فرص سوء سانحة تنكأ الجراح النازفة، والأقسى والأمر موال الشكوى زاد عزفاً، أنيناً وندباً.
ومن دون سابق إنذار استوطن جسده مرض دون أن يدري! وعلى لسانه يكشف الحقيقة المرة، يقول الفتى: "تحسنت الأمور مع الوقت، سجلت 6 أهداف في 15 مباراة، لكني كنت أشعر بآلام في الكاحل، ذهبت إلى الطبيب، لكن حدث أمر غريب، لم يكن ينظر إلى كاحلي، بل ينظر إلى عيني، ثم حصل على تحليل دم، عدت إلى المنزل وانتابني قلق شديد، في اليوم التالي زارني أحد أطباء برشلونة، كان متردداً، شعرت بالخوف ودار هذا الحوار، ماذا أصابني أيها الطبيب، ماذا تقول التحاليل؟ كان يحاول التهرب من الإجابة، بدأ يدور حول نفسه، حسناً هذا أمر يمكنه أن يحدث لأي شخص، صرخت في خوف، أخبرني الحقيقة، أنت مصاب بالتهاب الكبد الوبائي! قتلني، بعد هذا اليوم لم تكن لدي رغبة حتى لمشاهدة كرة القدم في التلفزيون، لو كانت إصابة لرضيت بذلك، الإصابات معتادة في الرياضة، لكن التهاب الكبد!!".
يا إلهي...صرخة مدوية أطلقها الفتى جابت أرجاء المدينة في ليلته المظلمة، كأن الشوارع مقفرة، تكرر إيقاعها بين فينة وأخرى، لا أحد يسمع صوت الألم حتى هزيع الليل الأخير، عندها دقت أجراس كنيسة المعماري قودي، رنين كسر جدار الصمت.
أي نفسية للاعب معقود على رجليه تحقيق الانتصارات وهو محطم نفسياً، وكيف السبيل لتجاوز تلك المحنة الصادمة التي فجرها أحد أطباء برشلونة، يضيق الهواء والتنفس خانق، الشم طريق الخلاص! إيقاع النواقيس نفحة إيمان، ضغوط تلد ضغوطاً، شكوى نفس وشكوى جسد.



error: المحتوي محمي