تتزين الأبواب بالسعفات ، وترش الوجوه بماء الورد ، تتعالى الأصوات بهجة وإنشراح ، تتبارى الأنفاس جيئة وذهابا ، أجساد تتمايل بين أضواء الفوانيس ، حناجر تشدو أنغام الفرح ( ناصفة وحلويات على النبي صلوات ) ، نجوب الأزقة والطرقات من بيت الى بيت ، بحث عن عطايا الأمهات ، كفوف تتشابك وأخرى تفتح الأكياس ، (إعطونا الله يعطيكم بيت مكة يوديكم ) ، تصدح النسوة بحنايا القلب ( عايدين عليه كل سنة وسنة ) ، ليلة يباركها القمر ، بدعوات لنا بطول العمر ،
طفولتنا تجمع البركات ، ( فول سوداني ، قناطي ، بيدان ، حلويات ) ، نركض مسرعين إلى منازلنا لإفراغ الكيس الذي فاض عن آخره ، ونعاود الإنطلاق ثانية وثالثة (للفرجان النائية ) ، سوالف شوق وحنين تأخذنا ، بأطياب الأهل والجيران ، إلى عصرية ليلة الناصفة تأتي ( الجباية ) ، أمرأة من نساء الحي تطوف على المنازل وعلى رأسها ( زبيل أوصفرية) وفي يدها عصاة طويلة تطرق الأبواب ، تعطى على قدر كرم أهل البيت ( بلاليط ، شيلة رز ، أو طحين ، أوبعض القروش ) ، أمرأة تلتفح الرداء الأسود ،تجبي ماطاب لها من الرزق من دون كلام ، لاتفتح وجهها بتاتا ، وتخفي يديها وتنتعل (بابوج ) لكي لاتكشفها العيون ، مهمة تتصدى لها نسوة معدودات ، غرضهن ليس ذاتيا، وأنما إنسانيا، مايجمعنه من أطعمة وفلوس يقدمنه للأسر المحتاجة والفقيرة ، وبكل لهفة يأخذن المقسوم من الأيادي المقتدرة ، ويسلمنه للأيادي المعوزة ، وبعضهن يقمن بطبخة معينة مكونة من طحين وسكر وبيض ليحصلنا على (قرص عقيلي ) يقم بتوزيعه على صبية الفريق ، براءتنا تفزع حينما نرى منظر ( الجباية) واقفة في حوش الدار ، كشبح أسود يثيرنا رعبا ، وخوفا وهلع، نختبى وراء الأمهات ، بصراخ مقلق ، يهدأ إيقاعه حينما تأتي أحدى نساء الحي حاملة طفلها الرضيع ل (تشفيه ) فرحا من أنفاس المحسنات المصحوبات ب( الصلوت ، والزغاريد ، والدعوة له بالأمنيات ) وتعطى مقدار قبضة يد من ( لكريكشون ) عربون حب لصغيرها ، حنان الأم يعرج بها على سبعة بيوتات ، إستجلابا لبركة ميلاد صاحب هذه الليلة المباركة ليأخذ نصيبه باكرا من فيض ذكراها المتجددة عام بعد عام .
ليلة تضيؤها الوجوه الطيبة من فتيات الحي وهن يرفلن ب(المخنق ) وأثوابهن المزركشة بالتماعات (الزري) ودوحة الألوان ، ونساء الحي يتأنقن حسنا وجمالا، عيونهن مكحلة بالألق والمسرة، وشعر منسدل بالرياحين، تفوح منهن أطياب الرازقي ودهن العود ، وتتبارق أكفهن بأساور الذهب وتتمازج نغماته مع ( حبات لكريكشون) وهو يتساقط على بعضه في جوف الكيس المصنوع من بقايا كيس الطحين أو كيس الوسادة المستهلكة ، ومن لايملك أي كيس من الأولاد يرفع ذيل ملابسه قليلا ويرمى له في حضن ثوبه ، تسبح حبات الفول السوداني على محيط أرجله ، كلما تحرك إندفاعا نحو المنازل، بعض الأشقياء تتملكهم الغيرة فيسطون على أصحاب الأكياس الممتلئة ، يخطفون تعب الغير ويولون الدبر في جنح الظلام . تلاحقهم اللعنات وزعيق الحسرات ، نزق طفولي لاتخلو منه ليالي الناصفة ، لكنه بالكاد يذكر وسط أفراح الجميع ، ومن يفعل ذلك تلاحقه مخاوف الخطف في ليلة السابع والعشرين من رمضان ، عقابا لمن كانت يده خفيفة ، فسوف تسحبه ( السحابة ) من رجله وهو نائم وتعيده لمكان مولده أو تحوله الى حجارة من طين أو قطعة من ذهب ، حكاية موروثة يلوح بها خيال الإمهات ، لإخافتنا لعدم السهر مع إنقضاء أيام الشهر ، لينتظم نومنا مع حلول ليلة العيد ، ومن كانت يده ماضية في الشقاوه يحسب نفسه هو المعني دون غيره .
إيه يا ( ليلة الناصفة ) نحسبك عيدا حل في سماء ديرتنا ، نراك فرحة كبرى تتعانق مع ضوء القمر في ليلة الخامس عشر ، من شعبان ورمضان ، ولانمل من التطواف عبر الأزقة والدروب الضيقة و( الساباط ) ، نتفاخر بين الأخوة و الأقارب والجيران من الذي جمع فينا أكثر ، كل يكاوم محصوله على شكل هرم ، والفائز يسدي شيئا من عنده الى الذي نصيبه أقل من غيره ، ونتلقى التبريكات وسط حفاوة الأمهات ، بعد إنتهاء ليلة لكريكشون ، بعضنا يصحو باكرا ليبحث ماتناثر من حبات الفول السوداني عند الأبواب ، يلتقط الحبة التي نجت من دوس الأقدام ، ينفخ فيها ليزيل ماتراكم عليها من تراب ، ويدسها في جيبه .
بعض من الأولاد والبنات يقفون عصرا عند عتبات بيوت الله، في إنتظار قدوم احدى النسوة حاملة ولدها على كتفها ، وما أن نرى امرأة تدلف الى رحاب المسجد ، الا ونعقبها زفة من فرح ، تضع ابنها عند المحراب وتنثر على رأسه (قفة من خوص ) ملىء ب( القناطي و السكسبال وحلويات بيض الحمام ) يصدح الجميع بالصلوات على محمد وآل محمد ، لكننا في حضرة المكان الطاهر نتأدب في التقاط المتناثر على حضن الطفل وتحت أرجله وخلفه ، تنهض الأم ولدها المحملة له بالنذر ، تيمنا بحق صاحب هذا اليوم ليعينه مشيا ، ومرددة أهازيج بركات ميلاد الإمام ، يتخطى الطفل بأقدام خجلى والكل يهتف له (تاتيه ..تاتيه ..
اعطوا لمكسح شيء ، حتى يقوم يمشى ، مشى مشى في الوديان محروس بعين الله التي لاتنام .. .إلى مشى بالحوش يدوي ، خلاخيله ذهب والخوق ملوي ، وإلى مشى بالحوش سوى دغبره ، راسه الخوصي سايح لا وراء ... تاتيه .تاتيه مشى مشى الحلو، الله يعينه..) عيون الطفل المكحلة وقحفيته المزركشةتناغيه أكف الصغار ونبض القلوب مع (الشيلات والسفقات) يتخطى خطواته الأولى ، غدا سيكبر ويأخذ الدور عنا ، سيردح في ليالي الناصفة كما ردحنا وردح الذين من قبلنا ، تقليد سنوي متوارث جيل بعد جيل ، وكل جيل له حكاياته العذبة .
كنا صغارا نتشارك البهجة ونتقاسم الفرح .
جزء من هذا الموروث صعده مسرحيا شاب في مقتبل العمر،
انسان تحسس مواطن جمال الفلكلور وعبق الماضي والحكايا الشعبية ، إنه الأستاذ / عبدالله حسن منصور آل عبدالمحسن ، وكأنه على موعد مع القدر بمسرات لما هو آت ، فقد جمع ثلة من الأطفال في حفل منوع لنادي الهدى بتاروت وقدمهم ليحاكوا تمثيلا ( ليلة الكريكشون ) سنة 1396هجرية الموافق 76ميلادية ، وكان نصيب كاتب هذه السطور فرحة كبرى حينما كلف بعمل الديكور( خلفية ) للمسرحية وهي عبارة عن محاكاة لبيوت الطين مستوحاة من منازل الديرة القديمة ، فأخد المشهد حضورا في عين المتفرج ، هذه المسرحية عرضت في أكثر من مسرح ( تاروت ، أرامكو ، جامعة الملك فهد للبترول والمعادن ، رعايةالشباب بالرياض ) ، وكانت محط إعجاب الجميع أينما ارتحلت وحلت ، فمن خلالها تلقى من ساهم فيها شهادات الشكر والتقدير ، وكان فارسها (عبدالله العبد المحسن )
الذي أعتبر عن جدارة واستحقاق مؤسس مسرح الطفل ليس على مستوى المملكة بل على الخليج من خلال مسرحية ( ليلة لكريكشون ) ، فألف تحية لمكانة هذه الليلة المباركة التي تباركت عليه فنيا وإبداعيا ، أعادها الله علينا وعليكم بالخير واليمن والبركات .
تتجدد هذه الليلة العطرة كمورث عصي على النسيان ، إنها اهزوجة محبة تنعش القلوب وتبهج النفوس، ترددها الألسن عام بعد عام ...
(ناصفة وحلويات على النبي صلوات ..اعطونا نخج وزبيب حتى تزور الحبيب ... واعطونا الحلويات وعلى النبي صلوات ) .
تحياتي لوالدتي وزوجتي اللتان زودتاني بجميل الذكريات .
9/يونيه /2017



