عندما يذهب المريض إلى الطبيب ويشكو إليه من ألم أو عرض ألم به فعادة ما يأمر الطبيب بأخذ عينة من دم ذلك المريض أو صورة أشعة لأحد أعضاء جسمه، حتى يستطيع أن يصف له العقار الدوائي الذي يحصل عليه من الصيدلية.
إن الطبيب إذا عالج الأعراض فإنه يقمعها بينما المفترض أن هذه الأعراض ستساعد الطبيب على الوصول إلى السبب الحقيقي لظهورها، وهو ما يتطلب البحث عن مصدرها بدلاً من التخلص منها.
وعندما يتوجب على المريض تناول الأدوية الكيماوية لسنوات عدة، لا تلبث هذه الكيماويات أن تحدث سلسلة متتابعة من المضاعفات والآثار الجانبية، في حين يصعب بعد فترة طويلة تطبيق قرار وقف العلاج.
وهنا تكمن المشكلة؛ فالكثير من الأمراض التي يصاب بها الإنسان لا يوجد لها حتى الآن علاج ناجع في الطب الحديث، وقد خلصت التقارير العلمية الحديثة إلى أن الأدوية الكيميائية إن شفت عرضًا لكنها لا تشفي مرضاً، لذلك تحولت الأمراض إلى أمراض مزمنة، وأصبح البعض يبحث عن علاج لأمراضهم بعيدًا عن الطب.
وبناءً على هذا المبدأ، يرى الكثير من الخبراء المعنيين في هذا المضمار اللجوء إلى وسائل أخرى أكثر أماناً وفعالية، وهي معرفة جديدة يمكن إيصالها إلى المرضى بحيث يكون عدد كبير منهم على دراية للتخفيف، أو حتى منع ظهور الأمراض.
في إطار ما أفضت إليه الأبحاث والدراسات المتقدمة المتعلقة بتفاعل الغذاء مع أجسامنا، هو ما جعلنا ندرك كيف يؤثر الطعام في صحتنا، كما أن معطيات التقنية الحديثة ساهمت في تقديم حلول تمكن من الوصول إلى خارطة تفصيلية للصحة تأخذ في الاعتبار النظام الجيني، واستجابة عمليات التمثيل الغذائي.
الحقيقة أن الجميع يدركون دور الطعام في كونه قد يكون ذا تأثير إيجابي أو سلبي على الصحة، إن الطعام قد لا يستطيع أن يؤدي إلى شفاء مرض بعينه، لكن الأنظمة الغذائية والتي عادة ما تكون غنية بأنواع معينة من العناصر الغذائية تستطيع أن توفر الحماية ضد الأمراض بما في ذلك الأورام السرطانية وأمراض القلب والأوعية الدموية والكلى وغيرها.
أوضحت دراسة حديثة أن الكثير من حالات السرطان والوفيات المرتبطة بها يمكن تجنبها، وأشارت إلى أنه يمكن منع نصف حالات الإصابة بالسرطان عن طريق تغيير أنماط الحياة، والأهم من ذلك إمكانية اعتماد نظام غذائي صحي، هي عملية معقدة وفي غاية الدقة، فوضع أنظمة غذائية تتوافق مع حاجة أجسامنا أصبحت حقيقة يدركها العلماء، فهم يرون أن إدخال أنظمة غذائية حسب الطلب هي كلمة السر في التغذية الصحيحة وتكمن في الاعتدال بكمية الطعام المستهلكة، والتنوع في الأصناف المتوافرة، والتوازن في جميع المغذيات الضرورية.
يتم الاستعانة بأنظمة غذائية تتوافق مع حاجة الشخص الغذائية، فكل إنسان يناسبه نظام غذائي خاص به يختلف عن غيره، مع مراعاة وضع أنظمة غذائية تجيب عن مثل هذه التساؤلات في "ماذا نأكل؟" و"كم نأكل؟" و"متى نأكل؟".
من الذي لم يدرك عواقب سوء التغذية، وسلبيات النظم، فهناك أنظمة غذائية تقوي وأنظمة تضعف، فعندما نعرف أن أكثر الأنظمة الغذائية فقيرة جداً بالفيتامينات، فلا ندهش كثيراً عندما نرى الكثير يعانون من فقر الدم وضعف المناعة.
فالأنظمة الغذائية مثل "كيتون" و"اتكينز" منخفضة الكربوهيدرات ومرتفعة الدهون، هدفها محاربة السمنة، فالأمر لن يكون سهلاً، لأنه نظام غذائي يفتقر إلى بعض الفيتامينات، كما أن نزع مكون غذائي ضروري وحرمان الجسم منه قد يربك الحياة الغذائية.
ظاهرة التزايد غير المسبوق في الإقبال على النظم الغذائية، ألزمت المريض التحدث مع الطبيب أو اختصاصي التغذية عن النظام الغذائي الذي يتناسب مع تشخيص حالته الصحية، فالنظام الغذائي يشكل وصفة طبية أو غذائية علاجية.
تعليمات أو توصيات أو تعديلات معينة على البرنامج الغذائي للمريض، تحتاج إلى مزيد من الانضباط والتحرك السريع، فمريض السكري مثلاً يعتمد علاجه الغذائي على الحالة الفردية للمريض، ولا يوجد نظام غذائي واحد لجميع مرضى السكري، فليس كل من يعاني السكري عنده المشكلات نفسها التي عند الآخر سواء من الناحية المرضية أو الطبيعية، فتلك الأنظمة الغذائية "عالية الكربوهيدرات عالية الألياف" تصلح لفئة معينة من مرضى السكري وهم الذين يعانون ارتفاع دهون الدم مع ارتفاع جلوكوز الدم، بينما الفئة الأخرى وهي حالة ارتفاع الجلوكوز فقط يمكن أن نستخدم نظاماً غذائياً عالي الكربوهيدرات فقط.
وهناك أنظمة غذائية صحية متاحة بوفرة، لها فوائد عظيمة في مكافحة الأمراض وتحفز المقاومة، وفي حقيقة الأمر ستواجه في بداية تطبيقها بعض الصعوبات في الامتناع عن كل ملذات الطعام والمغريات، وقد تسبب أضراراً نفسية للشخص في حالة حرمانه من مكون غذائي، فالإصرار والتمسك بتطبيق النظام الغذائي يجعلك تصل إلى الهدف الذي حددته بنفسك، بينما العكس شعورك بالجوع والحرمان وراء فشل نظامك الغذائي اليومي.
في السنوات الأخيرة اكتشف الباحثون أن الأنظمة الغذائية حسب الطلب تجعلك فعلاً تتخلص من المشاكل الصحية دون معاناة، لأنك لن تشعر بالجوع والحرمان، فالأنظمة الغذائية الغنية بالألياف مثل الفواكه والخضراوات الطازجة والحبوب والبقول تملأ أمعاءك وتؤخر عملية الهضم لديك وتجعلك تشعر بالشبع.
وإضافة إلى ما سبق، فإن بعض الحالات الصحية ينبغي لها التقيد بنظام غذائي وصحي خاص تبعًا لطبيعة كل مرض مثال على ذلك نجد أن الأجسام المصابة بأمراض في الكبد عليها أن تتجنب المواد الدهنية المطبوخة وجميع أصناف المقليات.
أما المصابون بمرض الأمعاء فعليهم اتباع نظام الغذاء نفسه الذي يتبعه المصابون بأمراض الكبد، ولكن يضاف إلى هذا النظام بعض التعديلات المرتبطة بنوع الاضطرابات المعوية، فالمصاب بمغص في الأمعاء عليه تناول الفاكهة الطازجة، وعليه أن يشرب القليل جدًا من الماء قبل أو من خلال تناول الطعام كذلك عليه ألا يجمع النشويات والبروتينات في وجبة واحدة، أما المصابون بالتهاب المفاصل "الروماتيزم"، فعليهم تناول بعض الخضراوات الطازجة كالثوم، والكرنب والسبانخ والبقدونس والبصل.
ويتطلب نظام غذائي للمرضى الذين يتعاطون الأدوية الكيماوية على المدى الطويل مثل الكورتيزون، تقليل ملح الطعام والامتناع عن الأطعمة المملحة، وتناول الأطعمة الغنية بالبوتاسيوم، كما أن جميع مدرات البول تسبب خروج الصوديوم مع البول، وبالتالي نقص تركيزه بالدم، ولعلاج تلك المشكلة ينصح المريض بتقليل السوائل إلى أقل قدر ممكن، ولمريض الاستسقاء نظام غذائي يهدف إلى تقليل كمية الصوديوم في الغذاء اليومي إلى أقل من جرام ونصف.
هناك العديد من الأنظمة الغذائية ساعدت على شفاء الكثير من المشاكل الصحية كالسمنة والسكري وارتفاع أو انخفاض ضغط الدم وأمراض الجهاز الهضمي وغيرها، ومن المفيد جدًا إدخال الألياف الغذائية في نظامك الغذائي، وتنظيف الجهاز الهضمي وتحسين التخلص من الفضلات وإخراجها من جسمك، وتجنب شرب كميات زائدة من المنبهات كالشاي والقهوة لاحتوائها على مادة الكافيين، والتقليل من ملح الطعام واللحوم الحمراء والأطعمة المكررة، وقد لا تفيد النظم الغذائية إذا كانت غير متزنة.
وأخيرًا، لا يخفى على أحد ما وصلت إليه الأنظمة الغذائية من درجة جعلتها أمراً لا غنى عنه في العلاج الغذائي، كما بات من المعروف لدى الكثيرين ما قد تحملها من مخاطر كامنة، جعلت منها سلاحاً ذا حدين، فربما تعود علينا بالنفع العام أو الكثير من الأضرار التي لم نكن نتوقعها على الإطلاق، لذا يجب على المرضى المحافظة على الأنظمة الغذائية الموصوفة لهم من قبل اختصاصي التغذية، ومراجعة النظام الغذائي وضبطه عند الضرورة على الأقل مرة كل 6 أشهر.
منصور الصلبوخ - اختصاصي تغذية وملوثات.



