12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

فيه «ناصفة» السنة لو لا؟

سؤال بدأ يتكرر ويطرق أسماعنا كثيرًا حيث يقع خلفه العديد ممن يتساءل؛ هل سيكون هناك احتفال بالناصفة ليلة النصف من شعبان هذا العام ليعوض الأطفال فرحتهم التي انحجرت بالعام الفائت ولم يستطيعوا الخروج و"المناصفة" ورؤية بهجة تلك الليلة؟
وهل هناك قرار بالحجر سيأتي على مقربة من المناسبة ليمنع تلك الجموع التي ستخرج وتجوب الطرقات والبيوت وربما تهدم كل الاحترازات التي تسعى كل الجهود لتقليص أعداد الإصابات والعدوى خاصة مع انخفاض الإصابات بالنسبة للعام الفائت وإقبال البعض على أخذ اللقاح - ولله الحمد.
ربما جميعنا نتمنى أن ترتسم الفرحة على مُحيا أطفالنا ونرى سعادتهم تحيي تلك الليلة بفرح ميلاد المنقذ العالمي (عج).
ولكن لنتوقف هنيئًا لنفكر بالأمر مليًا ونترك مسألة احتمالية العدوى جانبًا وقليلًا لأن البعض مهما تحدثنا عن هذا الأمر سينظر لها إنه يريد الحصول على عدوى الفرح بعيدًا عن أي أمر عدوى قد يناله منها.
الأمر المؤلم أننا ننظر لموضوع الناصفة كعادة من العادات وليس كمناسبة دينية تحمل من القداسة ما يكفي لتسمى ليلة القدر الصغرى، فالمهم عند البعض هو الخروج اعتقادًا منهم أنه هكذا يكون إحياؤها لا إحياءها بالذكر والعبادة والابتهاج بالمولد المبارك لاستقبال مولودها بقلوب متوجهة ناحية نوره المبارك.
وأنا لا أشك أن ليلة النصف من شعبان مصداق لـ{سلام هي حتى مطلع الفجر} وجميعنا سنكون في حفظ صاحب الليلة الموعود الغائب وتحت عنايته بإذن الله من هذا الوباء.
ولكن علينا نحن أن نجلعه تحت عنايتنا وعين بصيرتنا، لكن كيف ذلك مع قصور إمكانياتنا ومؤهلاتنا وقلة عتادنا؟!
الأمر يحتاج فقط تضحية بأهوائنا من أجل إمامنا الذي ندّعي لبس الفرح بليلة ميلاده ونحن من نُلبسه ثوب الحزن بليلته العظيمة.
ماذا لو تنازلنا عن الصورة التي بأذهاننا والإحياء المغلوط الذي كنا نمارسه بالسابق بليلة النصف من شعبان.
فهل يعد الخروج دون داع والتبرج والمخالطة وازدحام الرجال بالنساء بليلة النصف إحياء؟!
هل رفع الأصوات الطربية يُعد إحياء؟!
هل من مظاهر الفرح بميلاد الإمام الحجة (عج) إبراز الزينة من قبل النساء للأجنبي وتحليل المحرم بتلك الليلة ويندرج تحت وصف يفرحون لفرحنا؟!
هناك مظاهر يندى لها الجبين وتعترينا غبنة القلب ولأجلها صدقوني ربما يكون قرار الحظر أهون فيها حين تنكسر قلوب أطفالنا من كسر قلب إمامنا صاحب الزمان (عج) وإيذائه بليلة ميلاده.
قد تكون الكورونا أجمل فرصة لنا لنعيد ترتيب علاقتنا بالله وبأولياء الله وأحبائه.
نعم بطول المدة قد يسأم الإنسان وتفتر طاقته بالدعاء لكن هناك مواسم للدعاء يجب استغلالها واستمداد أسلاك الشحن منها لنمتلئ بطاقة الإجابة حين نُلهم بالدعاء.
بربكم أسأل لو تفكرنا واستعرضنا كل الأحداث التي حدثت من بداية هذا الوباء العام الفائت إلى هذا اليوم والأمور التي لم يتخيلها عقل أن تحدث وحدثت كخلو بيت الله من المصلين والطائفين مثلاً، أو خلو المقدسات الدينية من زوارها، وإغلاق المساجد والحسينيات بأشد الأشهر قدسية كشهر رمضان ألا توصل لنا برسالة؟
هناك صفعة توقظنا لنغير أنظارنا ووجهتها عن ما اعتدنا النظر إليه.
فإذا كنا نعتاد ليلة النصف الخروج من المنزل ونجوب الطرقات والمنازل لنحصد أكبر قدر من الغنائم من المأكولات والهدايا والنقود، فلنغير هذه النظرة وننظر لأولئك الذين خرج رجالهم ونساؤهم للصحارى ليستغيثوا ويمدوا أيدي الضراعة وينادوا بدموع قلوبهم: الغوث يا صاحب الزمان.
ألا ترون أن هناك فرقًا شاسعًا بين المنظرين؟
أكان صاحب زمانهم يختلف عن صاحب زماننا؟
أكانوا يملكون عقيدة به ومحبة وارتباطًا تفوق عقيدتنا ومحبتنا وارتباطنا به؟
مشكلتنا أننا في بعض الأحيان نضع الحياء في غير موضعه فنحن نستحي أن نمد أيدينا بصورة التضرع لله والبكاء في طلب غوثه، نستحي أن نرفع أصواتنا بصوت الغريق الذي يرجى من يسمعه ويرمي عليه طوق النجاة ليخلصه من غرقه في بلائه، لكن لا نستحي أن نبارزه بمعاصينا أمام العلن ونعترض على أحكامه ونرفع أصواتنا فوق صوته لنقول: هذه حرية شخصية!
مخطئ من يعتقد أننا نعيش بلاء الكورونا فقط لأن الكورونا جند من جنود الله جاء ليوقظ ويصحح معنى البلاء وأي بلاء أعظم من حرمان قصد تلك القبة الذهبية بكربلاء أو تلك البقاع الطاهرة التي يستجاب عندها الدعاء حين يشتد بالقلب البلاء.
هنا يحضرني أن أذكر حينما حل البلاء على قوم يونس ودعا عليهم لعصيانهم وعدم الاستجابة لدعوته، أتاهم الإلهام من خلال رجل مؤمن ودعاهم للخروج جميعًا برجالهم ونسائهم وأطفالهم ومواشيهم والتوجه والاستغاثة بالله بصورة معينة ويضجوا جميعًا ليغفر ذنبهم ويكشف عنهم العذاب الذي بانت لهم علائمه فنجاهم الله ورحمهم.
وهنا أيضًا تأتي رواية لمولانا أبا عبدالله (ع) يسأل فيها أصحابه فيقول: تعرفون طول البلاء من قصره؟
فقالوا: لا.
قال: إذا ألهمتهم أو ألهم أحد بالدعاء فليعلم أن البلاء قصير.
لا أعلم لما يستنكر البعض التوجه بالدعاء بليلة النصف وترك المناصفة حيث إن وصفها الحقيقي أنها ليلة عبادة تأتي بموازاة ليلة القدر الكبرى وليلة تقدير الآجال والأرزاق للعباد.
فجميل أن نزيّن بيوتنا وجدراننا وننشر الفرح وندخل السرور على قلوب الأطفال لنستشعر فرحة الدنيا بمولودها العظيم الذي ينقذ العالم من ويلات الزمان، ولكن الأفضل أن تكون فرحتنا بفرحته وإدخال السرور عليه بالدعاء له وبإحياء ميلاده بالحدود المسموح بها شرعًا.
ولا تكن الناصفة والمناصفة همنا وشغلنا الشاغل لتعويض الناصفة الفائتة والتي تجعلنا نتجرأ حتى على علمائنا لأجلها، لأني أعتقد أن صاحب الناصفة أولى أن ندافع عن ليلته وتعويضها بالدعاء أكثر لتعجيل فرجه ليكون أقرب فأقرب.
نحن لا نحتاج واقعًا للمناصفة من بيت لبيت لنأخد البركة بل نحتاج لأن نهيم على وجوهنا في أي مكان بالأرض بكل ما فيها من صحارى ووديان وجبال لعل إمام زماننا المولود في هذه الليلة يعلم بضياعنا وبحثنا عنه واستفقاد وجوده بيننا ليجدنا ويحتوينا بنظرة لطفه وكرامته لنستنير بكوكب نوره ونقول له: عيد ميلاد مبارك مولاي وأيامك سعيدة ورقم إضافي جديد لعمرك نتمنى من الله ألا يزيد أكثر من مدة غيبتك ويجعله لك عيدًا أسعد من أعيادك السابقة بقرب ظهورك المبارك فيه إنه على ذلك قدير.
مولاي أجمل ناصفة وحلاوة نتمنى الحصول عليها وتذوقها بليلة ميلادك هي استشعار نظرة من عينك الحنونة تربطنا بك وتشملنا بها مع جملة المنتظرين لطلعتك الرشيدة يوم تمتلئ الأرض عدلًا وقسطًا بعدما ملئت ظلمًا وجورًا.
بعدها لا حاجة لأن نسأل في ناصفة السنة لو لا؟!



error: المحتوي محمي