وأنا طفل صغير كان أبي حفظه الله يأخذني معه بعض الليالي لإحياء الوفيات والموالد لأهل البيت عليهم السلام، كان يصحبني لعدة أماكن "مساجد أو حسينيات أو مجالس"، تارة هو عريف الحفل وتارة أخرى يلقي قصيدة بالمناسبة نفسها وتسمى هذه القصائد "المناسبات"، بعد انقضاء الحفل تدور نقاشات في شتى الأمور، عن الأديان، عن الأئمة الأطهار، عن أخبار البلد، وأيضاً عن جديد الكتابة النثرية والقصائد.
هنا تعرفت بشخصية السيد حسن بن السيد علوي بن السيد حسن بن السيد علوي أبو الرحي رحمه الله، ليس أنا فقط لكن عرفه معظم جيلي، لم يكن يومئذ شعراء ومثقفين مثل الآن (الغث والسمين)، كان ذاك الجيل عملاقاً في كل معطياته، شاعر ذاع صيته بين أقرانه، كثير النظم للشعر واسع الأفق في كتاباته، وللأسف لم يعطَ اهتماماً من كّتاب السير والتراجم.
أشعر الآن بحنين للكتابة وما عساى أن أكتب في أديب أريب مثله، حينما سبرت في أعماق فكره وجدتني أغرق في تفاصيل وزوايا محيط كبير أكتشف منه كل لحظة آلية لغة ودين وفلسفة وقصة ورواية وحروف غائصة في اجتماعيات الآخرين، أراه الإنسان المتفرد المتميز بالإنسانية، هو الأستاذ هو التلميذ هو الصبي المشاغب هو القاص والروائي والكاتب، هو المزارع والتاجر هو الصحفي للوطن هو الشخصية الطيبة بقصصه هو الروح العاشقة للمجهول هو الناقد المجنون الذي يعيش الحقيقة والخيال وبينهما الحلم.
أطلعني والدي حفظه الله على ترجمة له بخطه الذي اعطاها إياه بنفسه ليدونها في كتابه "أعلام القديح"، وقد وجدت فيها أنه متولد في القديح عام 1367هـ، نشأ نشأة صالحة بين أفراد عائلته "آل أبي الرحي" الرجال السادة الأخيار الذين يعرفون سابقاً "الأشراف" نسبة إلى أشراف مكة، والذين هم فرع من تلك القبيلة الزاكية النسب.
تلقى دراسته الأولى على يد أحد العارفين، وختم القرآن وهو حينذاك ابن ثمانية سنوات في ظرف شهور خمسة، ومن ثم دخل المدرسة الابتدائية بالقديح عام 1378هـ حين بدأ افتتاحها، وتخرج فيها عام (83 13هـ – 1384هـ)، حيث دخل المدرسة التجارية حتى أكملها بالثانوية التجارية، وفي أثناء عمله تسنى له الدراسة وحصل على درجة البكالوريوس في علوم الإدارة الصناعية عام 1400هـ، حتى عمل بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن بوظيفة إدارية بالجامعة من عام 1389هـ إلى أن تقاعد.
ومما شاهدت أيضاً بخط يده رحمه الله بحوزة الوالد حفظه الله نظم الشعر في سن مبكرة، حتى أنه نظم أول قصيدة افتخاراً ببلدته القديح وهو ابن عشر سنوات، وهو أحد الشعراء والكتاب الناقدين، يتميز بأسلوب فريد في قصائده الشعرية، ومقالاته النثرية، يميزه عن الأدباء الآخرين، فهو ذلك الأديب القصصي الخيالي الجاد الساخر الذي يحلق بخياله إلى آفاق نائية بعيدة لا تحد.
أريد العذر من القارئ الكريم لأني الآن رحت أبحث في دهاليز غرفتي القديمة التي تكمن في بيتنا (العائلة) فوق السطح، غرفة صغيرة جداً هجرتها قرابه الخمس عشرة سنة، وهي بمثابة العش الروحي الذي أستمد منه شغف الكتابة والقراءة، وبين أرفف الكتب التي أنام على رائحتها كانت هناك مجلة "المنهل" التي كان يكتب فيها السيد حسن قصصه وأشعاره وكتاباته النقدية.
لقد كتب مجموعة دواوين شعر ولا يسعني الكتابة أو الدراسة عن شعره، فهو يحتاج مني وقتاً وعناية ولن أوفيه حقه، وأتمنى من ذوي الاختصاص أن يتجه لخط إبداعاته الكتابية فهو حقيقة يستحق منا ذلك، لديه كتابة في الرواية والقصص القصيرة والكتب القيمة التي تبحر بنا لنيل النقد البناء في الطرح الأدبي والثقافي، ومن ذلك المنتج كتابه "عواصف ورماد"، وهو أول كتاب في النقد نتج يراعه، وهو كتاب جاد ورصين يعالج قضايا الشعر الراهن في العصر الحديث نقداً ودراسة وتحليلاً، وهو أشبه بثورة مقارنة بين الأوضاع الأدبية القديمة وخاصة في بلاده القطيف، وكتاب دراسات في النقد الأدبي شوقي أمام واقع الشعر، ورواية أغرب من الخيال وعرس الخميس الأسود، وله قصيدة طويلة في الأمام علي عليه السلام مع الشرح، وأيضاً في رحاب أهل البيت كتاب أدب وتاريخ.
توفي في فبراير من هذه السنة 2021م بعد معاناة مع المرض، حيث كان مصاباً بالفشل الكلوي وقد كان متأثراً بمضاعفات بالرئة، فرحمه الله رحمة الأبرار وأسكنه الله فسيح جنته مع جده النبي وآله الأبرار، ولست أكتب هنا هذه المقالة لكون الفقيد بعد موته يحتاج الثناء والمدح، لا، إنه الوفاء والاعتراف بالجميل لجيلنا والجيل القادم الذي يحب أن يكتب عنه وعن أعماله ومواقفه النبيلة بالحياة منذ بدأ المسيرة إلى حين وفاته رحمه الله.




