13 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

مطبخ الأم.. وقفة للتزود بالدفء الأسري

وسط مساحة ضيقة غير جيدة الإضاءة تتناثر بين أركانها الكثير من الأواني وأدوات الطهي، تتحرك سيدة بهمة ونشاط بين زوايا المطبخ الصغير، دأبت تلك السيدة كل يوم على إعداد الطعام لأفراد أسرتها، فهي امرأة محنكة كرّست جل وقتها لبيتها وأسرتها؛ لتعطي الجودة والنفس الطيب للطبخة، ومع ذلك تشعر بالسعادة حينما يحوز الطعام على رضا العائلة.
تعي الذاكرة الكثير مما كان يطبع في بيئة مجتمعنا القطيفي قبل خمسين عاماً، كان مجتمعاً بسيطاً لكنه غني بالقيم، إلا أن هناك كان الفقر يعايش غالبية الناس، وبالرغم من العوز وضيق ذات اليد إلا أن ما يُقدم على مائدة الطعام من صنع أمهاتنا بالإمكانيات المتوفرة، فالكثير من الأسر لم يكن لديها سوى القليل من المؤونة المنزلية، إلا أن ربة البيت حينما تدخل المطبخ تعيش في أجواء جميلة مليئة بالسعادة، ولن تقف في حيرة عندما تقوم بإعداد الطعام لأولادها، لا نزال نتذكر أكلات أيام زمان من منطلق أن لها نكهة ومذاقاً طبيعياً، ومتقن الطبخ لأنه يعد على نار هادئة.
كانت لنا في مرحلة الطفولة ذكريات قديمة في عمر السنين قريبة من القلب والخاطر وكأنها البارحة.
إن الطفولة كانت ولا تزال النبع الأصيل للقصص والحكايات في كل زمان ومكان؛ لأن الأحداث التي تقع في مرحلة الطفولة تبقى مدهشة طازجة صادقة وشاعرية لكون الطفل يتعرف على العالم ويقابل المشاعر والأحداث لأول مرة، فإذا وفق لاسترجاعها وهو كبير فإنها تصبح لقطات جديدة لأن أحداً لم يراها بذات العين ونفس الوجدان سوى صاحبها.
كل شيء له صلة بذاكرة الطفولة لذيذ وجميل، أحياناً يتذكر الإنسان لذة لطعام وشراب ذاقه في طفولته، وقد لا يكون لذيذاً إلا أنه مرتبط بذكريات جميلة جعلت مجرد تذكره لذيذاً، وكم يبحث أحدنا، وكم يقضي أياماً باحثاً عن تلك اللذة فلا يجدها.
لقد نشأتُ في عائلة من متوسطي الحال، وكان الغذاء الذي اعتدنا على تناوله أيام الطفولة بسيطاً جداً، والدتي - أطال الله في عمرها - تقوم بطبخ الطعام، وكنا نقوم برفع غطاء القدر حتى ولو كان قد نصب على النار، فلا نبرح عن قدر الطبخ إلا بعد أن يستوي الغذاء، نطير فرحاً وسعادة عندما توضع السفرة الدائرية المصنوعة من سعف النخيل، ونتحلّق جميعاً حولها لنأكل معاً متجاورين متقاربين.
ولعل من أجمل اللمحات التربوية الانضباط واحترام الوقت، والحضور في الساعة المحددة، والتأخر عن الموعد يعني فاتورة من الجوع تدفعها المعدة.
ويوفِّر الجلوس على مائدة الطعام المناخ التربوي المفيد لتعليم الأطفال بعض العادات الطيبة وآداب الأكل والشرب، بل وآداب الكلام والاستماع، وهم يشاهدون مَنْ هم أكبر منهم يمارسون تلك العادات أمامهم في شيء من التربية بالقدوة.
ففي أمس قريب، كان اجتماع العائلة على مائدة الطعام مرة أو مرتين كل يوم، مفصلاً أساسياً من مفاصل الحياة اليومية في حياة العائلة الخليجية، واستراحة رغيدة في رحلة اليوم الأسري، ويبدو هذا التحلق الحميم حول المائدة ممارسة غذائية خالصة، إلا أنه من حيث لا نعلم، أثبت دوراً اجتماعياً وتربوياً ونفسياً جوهرياً في حياة الأسرة، نتلمسه اليوم، إذ يتقلص حضوره في حياتنا، وتأثيره تبعاً لذلك.
تعتبر مائدة الطعام فرداً من أفراد الأسرة، والتي تعني عادات وقيم ومفاهيم معروفة لدى الكل، فإن هذا الفرد يستمد حضوره من نسق حياة هادئة وقليلة التفاصيل، توفر الاستقرار الكافي لاجتماع الأسرة، فقد كان لهذا الفرد الفضل في توفير محطة للتزود بالدفء الأسري، و"ديوانية" مختصرة يلتقي فيها أفراد العائلة، تاركاً كلٌ منهم برنامجه الخاص، ليحضر هذا الالتفاف الحميم، يخبر كل منهم عن أخباره، أو يستمع لها، وكما أنه فرصة لغذاء البدن.
ولكن مع إيقاع الحياة المتطورة في المجتمعات الحديثة فإن الترابط الاجتماعي اتخذ شكلاً مغايراً عمّا كانت عليه في البيئات القديمة التي تتمتع بالبساطة والعلاقة المتينة.
كان لخروج ربات البيوت إلى العمل وتوفر محلات الوجبات السريعة والمطاعم والمطابخ وغير ذلك دور في الخروج من دائرة المنزل الغذائية إلى تناول الأطعمة الجاهزة.
السيدة اليوم لا تجد وقتاً كافياً لتحضير الطعام وإعداده في المنزل، والاعتماد على الوجبات الجاهزة التي تقدمها المطاعم، لذا يجب أن نؤمن أننا نتناولها كيفما اتفق وبعضها غير صحي، أدت في النهاية إلى أمراض سوء التغذية والسمنة وما ينتج عنها من أمراض مزمنة.
وإذن فإن أول مظاهر العولمة هي "الوجبات السريعة" المشبعة بالزيوت أو مقلية تحت ضغط حرارة هائلة أو مشوية على الطريقة الأمريكية، والتي جعلت من غزو "فرايد تشيكن" لموائدنا المنزلية شبه قطيعة، حقاً إن جيلنا شب في العصر السريع وقاطع مطعم الأم وأخواتها، ويقبل بكل قواه وهوسه على تلك الوجبات، وأصبح الوقوف والانتظار أمام محال الوجبات السريعة عادة يومية، جيل شب على تناول وجبة استقطبت رغباته المترفة!
نحن اليوم نواجه أخطار تناول وجباتنا خارج المنزل، ظاهرة اجتماعية غير مرغوبة، أصبحت أمراً مخيفاً وخطراً على الأسرة والمجتمع، لأنها تساعد على خلق العادات الغذائية السيئة وما يترتب على ذلك من تأثيرات صحية، امتلأت أمعاؤنا من كل ما هب ودب، وساهمت ربة البيت في هذا الإطار، وجبات الدجاج المقلي بالدسم والسم قلبت أطفالنا إلى مدمني الهمبرجر والبيتزا مع أقراص الشاورما المغموسة بالسالمونيلا!! وتعانقت فيها أخطار كثرة الأكل، وقلة الحركة، وتلاشي البركة!!
مع هجمة عشرات المطاعم الأجنبية وتزاحم المطاعم والمطابخ المحلية هل نملك الشجاعة الكافية لإعادة الاعتبار لمطبخ الأم، مطبخ الأصالة والتراث القديم الذي كان عليه أجدادنا، ليعطينا الطعام الطيب ويعيد إلى بيوتنا كثيراً من النظافة والطعم الطازج الذي ذهبت به ثقافة العصر الحديث.
حسناً، لا بد من الإقرار بأن "مطبخ الأم" من العادات المحببة التي تدل على التآلف والمحبة والود بين أفراد العائلة يدخل في صميمها العودة إلى الموروث المحلي، هو أمر يهم ربات البيوت، فسيدة المنزل شعارها دوماً جمع أفراد الأسرة على مائدة واحدة، حيث يلتئم الشمل حول المائدة العامرة بأطايب الطعام.
إن مائدة الطعام اليوم تقف بحزن على أطلال العائلة المجتمعة حولها بالأمس، وأصبح اليوم العائلي يمر من دون اجتماع حقيقي، ومن دون لقاء صافٍ من ارتباطات الحياة وصخبها وتفاصيلها.
وهذا يقودنا إلى السؤال: هل مطبخ الأم في طريقه للزوال؟
يبدو ذلك، فلن تحتاج الأسرة إلى المطبخ كثيراً؛ ولن تقضي ربة البيت في المطبخ أوقاتاً طويلة، بل ربما تختفي المطابخ من البيوت!، إذ سيشيع نظام "سخن وكل" ويسود نظام "الأكل على عجل"، وسوف يقل الاعتماد على الطعام المنزلي وتتزاحم طلبات المطاعم، وسوف تختفي أحاديث أفراد العائلة على المائدة.
هناك من يريد العودة إلى مطبخ الأم، وحركة الطعام البطيء، تريد إعادة الاعتبار لكل ما فُقِد، وتسعى إلى المحافظة على المطبخ المنزلي.
ومع الأيام أصبحت لمسات مطبخ الأم صناعة لها خصوصيتها، أخذت تنتشر بشكل غير عادي، وقلما نجد شارعاً يخلو من محل مكتوب على واجهته بالخط العريض "مطعم شعبي" أو "مطعم أيام زمان" وغيرها من الأسماء ذات الطابع التراثي المميز، تقدم أصنافاً وأكلات شعبية عديدة، موروثات تعكس الأصالة ومشبعة بعبق الماضي وذكريات الآباء والأجداد.
انتهت فصول تلك المرأة المحنكة الماهرة في الطبخ الذكية اللبقة النشيطة النظيفة الجميلة الواعية بكيفية إعداد الغذاء الطيب، الحريصة دائماً على صحة أسرتها وهي التي لم تراهن على أمن أسرتها في يد أي قوة أجنبية أو شقيقة فضلاً عن مطعم من هنا وهناك، وبقي التساؤل: أين هذه الأيام التي كان الغذاء الطيب المعد في مطبخ البيت بعناية كافية، والذي صنع لنا أجساماً قوية لا تعرف الترهل؟
لقد دار الزمن دورته، نجد اليوم تفرق الأسرة وتشتتها عند الطعام، الطعام المنزلي الموروث عبر السنين، بخروج المرأة إلى ميادين العمل، وما لهذا المظهر من تأثير على القيم الغذائية المثالية، بتنا نسمع عن أمراض ما كنا نسمع بها أبداً، وموتى لأسباب غريبة، وأصبح هناك حكايات وقصص وسط هذا الطوفان!!
ما أتعس البيت إن لم يكن فيه امرأة تحرص على جمع أفراد عائلتها على مائدة قامت بإعدادها بنفسها!
منصور الصلبوخ - اختصاصي تغذية وملوثات.



error: المحتوي محمي