ورد عن الإمامِ الكاظمِ (ع): "يَا هِشَامُ، مَنْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِثَلَاثٍ فَقَدْ لَطُفَ لَه: عَقْلٌ يَكْفِيهِ مَئُونَةَ هَوَاهُ، وعِلْمٌ يَكْفِيهِ مَئُونَةَ جَهْلِهِ، وغِنًى يَكْفِيهِ مَخَافَةَ الْفَقْرِ" (بحار الأنوار ج ١ ص ١٥٧).
أشار الإمام الكاظم (ع) إلى أسس الكمالات الإنسانية ومجمع السمو الذي يكسب المرء القوة والاقتدار والفاعلية في تحقيق الذات، وهي: العقل الذي ينير له طريق مواجهة المشكلات ورسم الأهداف، والعلم الذي يبدد دياجير الجهل والتخلف ويضع يده على سكة التنوير وتحصيل المعارف، والكفاف الذي يحفظ له ماء وجهه وكرامته عن ذل السؤال فلا يكون عالة على أحد، فمن امتلك هذه المقومات الثلاث حاز على التسديد والتوفيق الإلهي، وتجنب العراقيل في طريق مجده وإنجاز المهمات التي تنتظره.
الإمام الكاظم (ع) يوجه الأنظار إلى أسس السعادة والقوة الحقيقية المتسقة مع الدور الوظيفي للإنسان، وهو العمل الدؤوب وإعمار الأرض وفق القيم الأخلاقية الجميلة، وكل ما نراه من تهافت نحو المظاهر المادية الخداعة فهو مضيعة للوقت والجهد.
وأما المقياس الحقيقي لشخصية الإنسان فهوما يمتلكه من وعي وامتلاك لأدوات التفكير الرشيد، وما يتسلح به من زاد ومخزون معرفي يطل به على الحقول العلمية المختلفة ويحولها لآليات إنتاج وتنمية، والأخير هو القناعة وغنى النفس الذي يكف المرء عن الجشع والطمع واتباع الغرائز المتفلتة، ويدعوه ليكون عنصراً منتجاً وفاعلاً وعاملاً في طريق توفير مستلزمات الحياة الكريمة.
العنصر الأول للتوفيق الإلهي وقوة الشخصية هو العقل المفكر، والذي يدفع الإنسان إلى النظرة المتأنية للأمور والأحداث والمفاهيم، فيزنها بعين البحث والاستنتاج والوصول إلى الخلاصات المنطقية السليمة، كما يجنبه العقل المفكر الخضوع والاستسلام للأهواء المتفلتة القائمة على غياب البصيرة والنظر في عواقب الأمور.
ولو نظرنا بصورة إجمالية إلى الظواهر السلبية والانحرافات الأخلاقية - بغض النظر عن الحكم الشرعي - لرأينا أن العقل السليم يرفضها ويحث على تجنبها، لما تلحقه بالإنسان من آثار سلبية وأضرار تخلفها عليه في الدنيا سواء على مستوى صحته أو ماله أو مستقبله.
كما أن العقل الناضج ينفتح على عالم الأفكار مع امتلاك مجهر حقيقي يتفحصها وينقدها ويصل إلى نتائج حسنة، فالعالم الثقافي اليوم يعج بالأفكار والظواهر التي تجتاح وسائل التواصل، ونحتاج في فهمها والنظر إليها إلى عقول واعية، وما سيرة العظماء كالإمام الكاظم (ع) في الزهد عن حطام الدنيا الزائل إلى نتاج معرفة حقة بحقيقة الحياة والدور الوظيفي فيها والمخالف للنزعة المادية البحتة.
العنصر الثاني هو سلاح العلم الذي يبدد الجهل بجميع أشكاله، ويزود العقل المفكر بزاد الاطلاع على مختلف المعارف، فعلى مستوى العلاقة بالله تعالى فإن العبادة الحقة هي التي تقوم على أساس المعرفة بالله تعالى والمضامين العالية من العبادات كالتقوى والاستقامة والخلق الرفيع، وهذا لا يتأتى إلا من خلال الانفتاح على فهم الآيات القرآنية وتدبرها والاطلاع على الزاد المعرفي لرسول الله (ص) وأهل بيته الأطهار.
كما أن علاقة الإنسان بالآخرين وبدوره الوظيفي المعطاء والحيوي الفعال في الحياة، يستقيه من الكتب العلمية التي تزوده بأهم القواعد والآداب والحكم التي تتحول إلى مفردات عملية يتعامل بها في طريق رسم وتحقيق أهدافه وتطلعاته.
وليس أمام المجتمعات من وسائل للرقي والازدهار إلا فتح أبواب التنافس العلمي والحرص على إيصال المعلومات النافعة، منتهزين - في طريق تنمية المعارف والتزود بها - فرصة التقدم التقني الهائل ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة.
والعنصر الأخير هو الغنى الحقيقي الذي يكفيه مؤونته ومصاريف عياله للحصول على مستلزمات الحياة الكريمة وتوفير الفرص التعليمية والتربوية لهم، وليس المقصود بالغنى هنا اللهث خلف جمع الثروات بروح الطمع، فهذا ليس بطريق الحكماء العلماء، وإنما هو طريق أهل الجهل والأهواء، بل الغنى هنا هو غنى النفس والقناعة برزق الله تعالى دون فقدان للطموح، بل يعمل بكل همة ونشاط في سبيل تحسين ظروف معيشته.



