مَن مِنا لَم يتلق كلماتٍ من شخصٍ عزيز كانت عن طيب نية إلا أنها انتهت بكونها مصدر ضرر لا مصدر فائدة.
في المجمل العام، عادةً ما تكون تدخلات الأشخاص في حياة الأشخاص الذين يُحبونهم لغاية نفع من يُحبون وتقديم النصح لهم وذلك كله عن طيب نيةٍ منهم. بَيدَ أنه ولكي يعود النصح منا على من نُحب بالفائدة المرجوة لابد لنا من مراعاة ظروفهم ونُصحهم بما يتماشى مع تلك الظروف.
سأذكر هنا حالتين من حياتنا الواقعية على سبيل المثال لا على سبيل الحصر: الحالة الأولى هي لزوجين متفاهمين حصل بينهما خلافٌ كبير فخرج الزوج وهو في أوجِ غضبه متجهًا إلى بيت والدته التي لم تحتمل رؤية ابنها في هذه الحالة فتَدَخلت في حياته بما تراه صائبًا وبه ستكون راحته ونصحته بالانفصال عن زوجته على أن تجد له زوجة أفضل مِن مَن معه. تأثر الزوج بكلامِ أمه ووثِق في ما تقول. انفصل عن زوجته وتشتت شَمل أسرته وأطفاله ولم يجد من هي أفضل من زوجته.
الحالة الثانية: لأمِ طفلٍ تعيش تحت سقفِ حالةٍ ماديةٍ ليست بالعالية. تدفعها تلك الحالة المادية لتسجيل طفلها في إحدى الروضات الشعبية بحثًا له عن التعلم. يَصل الخبرُ إلى أعز أخواتِ تلك الأم فتمتعض الخالةُ على ابن أختها وتبدأ بسرد نصائحها بأن يَتمَّ تسجيل الطفل في رياضِ أطفالٍ عالمية بدلًا عن الشعبية لما في ذلك من نفعٍ كبيرٍ على المدى التعليمي لذلك الطفل. تقتنعُ الأم بكلامِ الخالة لثقتها بها وتبدأ معاناة محاولة إقناعُ الأب بشتى الطرق بتلك الفكرة دون النظر للحالة المادية. يوافق الأب على مضض من أمره بما هو فوق طاقته ويبدأ مع ذلك غَرقُهُ في دوامة الديون.
كلتا الحالتين وبلا شكٍ كانتا عن حُسنِ نية وبحثًا عن الأفضل لمن أَحبَهُ من قَدَّم النصيحة إلا أن النصيحتين تحولتا من مصدرٍ للمنفعة إلى مصدرٍ للضرر.
لابد لنا من دراسة تدخلاتنا في حياةِ من نحب بعناية فائقة وبعيدًا عن العاطفة. حتى لا نُفسد نيتنا الطيبة بكلماتٍ تضرهم بدلًا من أن تنفعهم. فما يكون نافعًا لنا، قد لا يكون نافعًا لهم.



