رغيف الخبز يوجد على مائدة الغني والفقير معاً، فتاريخ الشعوب والتغيرات الاجتماعية لم يرتبط بمادة حيوية مثل ارتباطها بالرغيف، وتاريخ الرغيف البلدي على وجه الخصوص حافل بالعراقة، فهذه المنطقة التي احتضنت العادات والتقاليد التي توارثناها عن الآباء والأجداد، ما زالت تتمسك بذلك الرغيف الذي تميز بشعبيته وجودته، وكان التنور يحتل مكاناً مهيباً في البيوت والحارات، كنا صغاراً ملأت أجوافنا لقيمات نظيفة طازجة خرجت من أجود تنور في الدنيا!!
كان المتخلفون فقط هم الذين لديهم تنور في بيوتهم أما المتمدنون المتحضرون فكانوا يجلبون الخبز إلى موائدهم من الخباز الذي شببنا على خلطته، والنار التي أنضجته، والخلطة التي كونته.
هذا الخبز الذي فيه عبق الماضي، يتهافت الناس دوماً على شرائه بنهم كونه لذيذاً وطازجاً ورائحته جاذبة، كما كان نوع القمح المستخدم مؤشراً جيداً على جودته، لأننا كنا لا نأكل إلا خبزاً نعرف اليد التي خبزته، أما الخبز المصنوع بيد أجنبية فلا نبحث عنه.
اليوم ورغم تعاقب الأجيال، وتقدم صناعة الخبز الإفرنجي، فإن الخبز العربي لا يزال يحتفظ بنكهته المميزة التي ضاعت في زحمة الحياة، وإيقاعات الأنماط الاستهلاكية، أخذ الخبز العربي يفقد دوره لصالح أساليب الخبازة الحديثة التي تعددت أنواعها وأشكالها ومذاقاتها، حيث أخذت هذه المخاب تنتشر حتى كاد تنور الخبز العربي يضمحل، ونرى الآن المخابز الآلية لا يقتصر إنتاجها على الخبز فقط، بل يشمل منتجات مختلفة الأنواع والأشكال.
وما علينا هنا إلا أن نتذكر الماضي كيف كان يصنع الخبز العربي، كانت تصنعه أمهاتنا أو ولد ديرتنا، من الطحين المستخرج من حبّات القمح الكامل غير المعالج ولم تخالطه الكيماويات، مزج الدقيق بالماء والملح، والخميرة أو متبقي من عجين سابق، تخلط المكونات وتشكل العجينة، وتترك حتى تنتفخ، ثم تقطع قطعاً صغيرة على شكل كور، وتفرد ثم تلصق بجدار التنور المصنوع من الطين الفخاري، وضع في قاعه كرب النخيل وقوداً، أشعلت النار فيه، وفي وقت محدد تلصق عجينة الخبز على الجدار الداخلي الذي يكون قد أصبح ساخناً حتى الدرجة اللازمة، وينضج الخبز في التنور خلال دقيقة أو دقيقة ونصف.
وبعد توفر الكيروسين المعروف محلياً بالجاز، بدأ الناس يستخدمونه في طهي الطعام وفي إعداد الخبز بدلاً من كرب النخيل.
اليوم بعد توفر الطاقة النظيفة، لم يعد هناك حاجة إلى الكيروسين وغيره؛ فأسطوانات الغاز المضغوط، أصبحت البديل الأفضل للخبَّازين، وعلينا دائماً أن نأخذ من الجديد ما نراه مفيداً.
بكل خلفياته الأصيلة، وتراثه العريق، اليوم يحاول الخبز العربي اللحاق بركب صناعة الأخباز الحديثة.
لا يزال تهافت الناس على الخبز العربي البلدي الشهي يزداد وخصوصاً في شهر رمضان لعمل طبق يكاد يكون يومياً هو "الثريد" أو "الفتة" يعني تشريب الخبز بماء المرق، الأكلة الشعبية المميزة بلذة طعمها، وهناك طبق موسمي يسمى "الباجة" أو "الكوارع"، يؤكل في فصل الشتاء.
يرجع سبب عزوف البعض عن الخبز العربي هذه الأيام إلى مساوئ الخبَّازين الذين هم من دول آسيوية لا تتوفر لديهم مقومات النظافة الشخصية، هم لا يكترثون بنظافة أنفسهم أو نظافة الآنية والمكان، تلك التجاوزات ساهمت بنقل الجراثيم أو العدوى، وغيرت الكثير من ملامح الخبز العربي.
هي تجاوزات حية يشكو منها رواد المخابز، وفي رأيي من واقع الملاحظة والمعايشة يتعين على الأجهزة الرقابية دراستها لعلهم يجدون حلاً لعلاجها، بعد هذا أصور لكم بعضها:
• معلوم أن الأيدي تتلوث من عدة مصادر كبعض أجزاء الجسم كالأنف والوجه والشعر ومن الأعضاء الداخلية ومن الأسطح غير النظيفة ومن النقود وعند إصابة الأيدي بالجروح والدمامل، وهناك تهاون في عملية غسيل الأيدي وعلاج التقرحات والجروح.
• المكان الذي يعد فيه العجين بعيداً عن أنظار رواد المخبز، وهذا يزيد من فرص الممارسات الخاطئة.
• المياه المستخدمة في العجين لا نعرف مصدرها، وحتى محاولة تنقية مياه الشبكة العامة باستخدام الفلاتر ليست ذات جدوى بسبب اختيار فلاتر رخيصة الثمن، وكذلك طول فترة استعمالها.
• لتنشيف الأيدي والوجه وإزالة العرق يستخدمون أقمشة بالية أو فوط طويلة الأجل، وهي بالتأكيد مصدر للتلوث والعدوى.
• يتعرض جدار التنور الداخلي بعد طول الاستعمال إلى تشقق جداره وتكون حفر وأنفاق قد يعلق فيه مواد غريبة وأشياء غير مرغوبة.
• يقوم الخباز باستبدال أسطوانة الغاز ووضعها في حوض به ماء ساخن وتحريكها من حين لآخر، وبعد ذلك يكتفي بغسل يداه وتنشيفها بالقماش أو الفوطة المخصصة لإزالة العرق بدلاً من المناشف الورقية بعد استخدام المنظفات.
• هل يتم غسيل وتنظيف وعاء آلة العجن يومياً بالمطهر والماء الساخن؟ وأيضاً سطح الطاولة التي توضع عليها عجينة الخبز! ترى ماذا يعني ذلك؟؟
نعلم أن العمالة الوافدة تمارس الفوضى، هم يفتقرون لمفهوم النظافة في المنشآت الغذائية، فعند إعداد وتجهيز العجينة، رأينا كيف ينقلها إلى طاولة التجهيز والفرد، بأيدٍ مليئة بالإفرازات الجلدية التي أمسكت ولامست كل ما يخطر على بال، ويقطع العجين بأصابعهم التي أصبحت بلون أسود، مثل هذه الممارسات شاهدناها في أكثر من موقع وبأكثر من طريقة، هذه المخابز تقع في أحياء شعبية، قد يصعب على الرقيب مراقبتها دوماً، مما يشجع هذه العمالة على السلوك السيئ الذي يمارس في غياب عين الرقيب، ومع هذا فإن هناك أموراً يمكن تصحيحها في أثناء زيارات الرقابة التفتيشية، لأنها أمور لا يمكن إخفاؤها عن العين.
فعنصر النظافة أصبح اليوم عاملاً مهماً في حياة الناس، وصار الكثير من هذه المخابز لا تتقيد بالضوابط الصحية.
تذكر أن هؤلاء الخبَّازين أثروا ثراء فاحشاً من أرباح هذه المهنة، ومع هذا لا ينفكوا أن يعبثوا بصحة الناس دون خوف أو مبالاة.
وفي كل زمان ومكان وفي كل العصور لا يردع معظم العصاة إلا القوانين الصارمة الموجبة للعقاب.
نحن أبناء هذا الزمن الصعب - أن نعيشه ونقاسي فيه خطر انتشار الأوبئة والأمراض التي تتفشى في عالمنا من جراء عدم تطبيق الإجراءات الوقائية.
في أزمة كورونا، تم إغلاق محلات الخبز العربي بسبب القيود الصحية، لاحظنا أن هناك عدداً من المخابز الحديثة بدأت تقدم لنا الخبز العربي المغلف، واقعاً لا بد أن يؤخذ بعين الاعتبار، فالتحول الذي طرأ على هذه الصناعة تماشياً مع حاجة الناس تجعلنا نبتعد عن المخابز الشعبية، رأينا ذلك في بعض المخابز الحديثة وفرت الخبز العربي بطريقة آلية وتحت ضوابط صحية.
وقد سعدت كما سعد كل الناس بتلك القيود والإجراءات الصحية التي بحق أشد ما نكون حاجة إليها، وخاصة في مثل هذه الظروف الصحية الصعبة، نحن والحمد لله لدينا أجهزة رقابية رأس أولوياتها صحة الناس.
فعلى الرغم من انتشار المخابز الحديثة التي وفرت لنا ميزة الاختيار، إلا أننا لم نزل نقبل على أماكن لا تتقيد بالضوابط الصحية، فكيف بقي ذلك الخبز مقبولاً؟! هذا ما يخيفنا ويقلقنا!!
في تلك الأيام حين كنت طفلاً وأنا أعيش في الديرة التي نشأت فيها، لم نكن نعرف المطاعم والوجبات السريعة والأغذية المحفوظة، كنت أرى قرص الخبز ألذ طعاماً، هل هو الفقر أم تلك الشهية التي كنت ألتهم بها كسرة الخبز اليابسة وأجدها ألذ من الشهد!!
رغم مظاهر الفقر كنت أفرح حين أتناول قطعة الخبز مع اللبن، وكنت أراها أمتع وأحسن وجبة في الدنيا كلها.
ما زلت أتذكر تلك المرأة العجوز، التي كانت لا تفارق ذلك الساباط إلا بعد أن تبيع لبنها، وكنا نغمس قطعة الخبز في اللبن، لا يمكن أن أنسى طعم ذلك اللبن الممزوج بحبيبات الزبدة، هي وجبة لذيذة ورائعة.
وأخيراً، لمثل تلك التجاوزات، هل نملك الشجاعة الكافية ونعيد مخبز زمان ليعطينا ابن البلد قرصاً يعيد إلى مجتمعنا كثيراً من النظافة والطعم الطازج الذي ذهبت به ثقافة العمالة الوافدة!
منصور الصلبوخ - اختصاصي تغذية وملوثات.



