يقول المثل "الغربة كربة"، فالإنسان في الغربة يشتاق إلى وطنه.
لقد كنت مرافقاً لابنتي في بداية الجائحة وكنا في الغربة وقد تعلمت دروساً كثيرة، ومن الدروس أن الدنيا لا تسوى شيئاً وأن الوطن غالٍ، وأن الجائحة أثبتت أن حكومتنا تهتم بمواطنيها في الداخل والخارج، وأن أبناء الوطن هم خير الرفاق في الغربة، كما أن الإنسان معرض للمرض بل الموت في أي وقت، وقد لا يجد العلاج بالرغم من ماله وقدرته على جلب أحسن الأطباء، وكذلك أن الإنسان بدون أهله وأصدقائه لا يساوي شيئاً.
في الغربة يشتاق الإنسان لأهله، خصوصًا والديه وأصدقائه، وفعلاً اشتقت لوالدتي المريضة وتمنيت أن أسر ناظري برؤية وجهها، واشتقت لوالد زوجتي المريض وتمنيت أن أكون معه، واشتقت لولدي وبناتي وكنت أتذكر جمعتهم ولعب أحفادي وشقاوتهم، وكنت أتوق لجلسات أصدقائي ومزحهم، فالحياة بدون كل هؤلاء كئيبة وتشعر بالوحدة وترجو من الله أن يحفظهم جميعاً.
والدنيا لا تسوى الهم والجري وراءها، وكل ما تملكه يمكن أن لا تستفيد منه شيئاً لأنك قد تتركه في لحظة وأنت حي، ناهيك عن أنك قد تموت، فقد كنت في الغربة بعيداً عن بيوتي ومالي وأهلي وأحبابي، بمجرد انقطاع أي خدمة مثل الإنترنت قد أواجه صعوبة في الوصول لمالي، وكنت لا أستطيع العودة لأهلي وبيتي.
وقد كان معنا في الغربة رفاق من أبناء وطننا الغالي وكانوا نعم الرجال والنساء، فكانوا متعاونين وكأننا إخوان، وقد توثقت الصلة بسبب الحاجة للتآلف في الغربة أثناء الجائحة، وكانوا مميزين وأعِزاء ونعم الرفقة الطيبة، كنا نلتمس حاجة بعضنا البعض ونتساعد في كل شيء وكنا نشترك في المشورة وحتى في اللقمة وأفتخر بمعرفتهم، وجمعنا الله بهم دائماً على خير في الوطن والغربة.
وقد تعلمت أن الوطن غالٍ وأننا بدونه نفقد كل شيء، نفقد استقرارنا وأهلنا ومالنا وعزتنا وحتى كرامتنا، فقد رأيت إخواننا في الغربة من بعض الدول التي تمر بحروب أهلية قد فقدوا كل شيء، وهم يبكون بدل الدموع دماً، ولكن لا يستطيعون عمل أي شيء.
وقد أثبتت حكومتنا الرشيدة أنها تهتم بمواطنيها في الداخل والخارج، فكانت سفارة خادم الحرمين في القاهرة هي ملجأنا وكنا نعتمد على حسن إدارتها للأمور، وكان موظفوها كأنهم أنفسنا وكانوا يعاملوننا باحترام ويحاولون مساعدتنا حسب استطاعتهم وبالأنظمة المعمولة، ونحن نفتخر أن بلدنا المملكة العربية السعودية، وفي الأخير استطاعوا أن يُعيدونا إلى وطننا وبيوتنا وكل التكاليف على الحكومة.
وأثبتت الغربة أننا كبشر معرضين للمرض بل الموت، وذلك على الرغم من قدرتنا على إيجاد العلاج وجلب أحسن الأطباء في بلد الغربة، فهذا الوباء كان ليس له علاج ولا تطعيم، وإذا تعرضت للإصابة فربك هو الذي يساعدك بإعطائك جهاز مناعي قوي، وذلك لمكافحة المرض والتغلب عليه، فبالرغم من وجودك في مستشفى والأطباء الحاذقين حولك، فلا يستطيعون مساعدتك كثيرًا إذا كان جسمك لا يقاوم المرض.
وأخيراً
بلادي وإن جارت علي عزيزة
وأهلي وإن جاروا علي كرام



