لم يكن أكثر الآملين في حماية وصيانة واقع أمن البيئة البحرية المشاطئة لجزيرة تاروت، متفائلين في أن يجدوا موقفا حازما وعلاجا ينهي الإهمال العام من جهة، ومن جهة أخرى، ينهي كلّ العبث والانتهاك السافر الذي تتعرض له هذه الطبيعة البحرية التي تكتنز أشجار المانجروف، التي تُعدّ أهم أماكن تكوّن الأسماك والربيان الذي تشتهر به هذه المياه السعودية من الخليج العربي.
ورغم طرح هذه المشكلة في الصحافة المحلية، إلا أن استجابات الجهات المسؤولة -وعلى وجه محدد أمانة المنطقة الشرقية وبلدية محافظة القطيف- لم تكن تتناسب مع نداءات الكثيرين من أبناء المنطقة وغيرها، وخاصة صيادي الأسماك والمشتغلين بالبحث في الحياة البيئية والفطرية، إضافة إلى حجم القلق الاجتماعي الذي كان يشاهد سطوة أطنان الخرسانة الإسمنتية وهياكل الحديد تزيح نسبة عالية من هذه الثروة البيئية الخضراء، إلى أن تقلّصت مساحة غابات المانجروف إلى ما يعادل 15 في المئة من المساحة الإجمالية لهذه المحميات الخضراء.
هذه الغابات التي تحضر على صدر الشواطئ عند المياه الضحلة، كانت تقوم بامتصاص نسبة عالية من الكربون في الجو ثم تنقله عبر جذورها إلى أسفل التراب، في عملية معالجة طبيعية لمركبات الكربون التي يُصنّف كثير منها ضمن المركبات الضارة.
والراصد لواقع البيئة البحرية، يمكن أن يجد حجم الإخلال والإضرار بمياهنا وبيئتنا البحرية، التي كانت تتميز بقوائم طويلة من الكائنات البحرية الأحيائية، وفي الوقت ذاته تمثّل مصدرا غذائيا واسعا وضروريا في بلادنا.
الآن، وقد بدأت بعض الحلول، حيث قررت أمانة المنطقة الشرقية بوضع كاميرات ضوئية ترصد محاولات العبث والإضرار التي يقوم بها أناس لا يثمّنون الثروات العالية ولا يوقفهم إلاّ النظام الدقيق، الذي لا يكون بعده عابث بأمننا البحري ولا بمكتسباتنا الوطنية البحرية، سيكون التفاؤل في استمرار الاهتمام بما غفلت عنه الأمانة والبلديات في السنوات الماضية.
إنّ الاعتداء على جزء من البيئة البحرية هو اعتداء صريح على النظام الحيوي البيئي، وبالتالي هو عبث وانتهاك لأنظمة الأمن البيئي والغذائي والصحي، التي تمثّل مكونات مهمة في منظومة الأمن الوطني الشامل.
وبلا جدال، يتفق الجميع على ضرورة توفير حماية متينة لجميع غابات المانجروف البحرية في جميع المسطحات البحرية السعودية، بل للنظام البيئي البحري الذي تنتهكه تجاوزات بعض المراكب والناقلات البحرية، إضافة إلى ما يشاهد أحيانا من ملوثات مجهولة عند مياه الشواطئ، وينسبها البعض إلى بعض المصانع المخالفة.
إنّ حبّة التراب في الوطن تفوق كنوز الذهب قيمة في العالم أجمع، لدى كلّ قلب يحبّ وطنه، ومن يحبون أوطانهم، لا يعبثون في بيئته، بل يبادرون إلى الحفاظ على كلّ مقدراته ويتفانون في تجسيد مبدأ «حبّ الوطن من الإيمان».
المصدر: آراء سعودية



