12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

الدهون بين الضرر والفوائد

أيهما أكثر فائدة للصحة تناول الأطعمة قليلة الدسم أم الأطعمة قليلة السعرات الحرارية؟ أم كليهما معاً؟ إنها معادلة صعبة على نحو ما، لأن المنتجات الغذائية التي نقوم بشرائها عادة على أنها قليلة الدسم، ليست قليلة في سعراتها الحرارية بأي حال من الأحوال، فالدراسات التي أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية أثبتت بأن الأشخاص الذين يتناولون الأغذية قليلة الدسم هم أقل الفئات استهلاكاً للدهون والسعرات الحرارية مقارنة بالآخرين، لكن أوزانهم ما زالت تزداد في مجملها، وهو أمر يرجع إلى اعتقادهم بأن الأغذية قليلة الدسم تحتوي على سعرات حرارية أقل.
يحرص المستهلك على قراءة البيانات الموضحة على ملصق العبوة الغذائية للتأكد من أنها قليلة الدسم دون الاهتمام بمعرفة محتواها من السعرات الحرارية، فغالبية الناس يفترضون أن دسماً أقل يعني سعرات حرارية أقل، ولكن الحقيقة أن العديد من الأغذية المعالجة قليلة الدسم تحتوي على سعرات حرارية تساوي أو تزيد على ما هو متوفر في الأغذية كاملة الدسم، وعلى سبيل المثال فإن ملعقتين من زبدة الفول السوداني قليلة الدسم تحتوي على 190 سعراً حرارياً، وهو ما يساوي عدد السعرات نفسها التي تتوفر في ملعقتين من المنتج كامل الدسم نفسه.
من منا يستسيغ الوجبة الغذائية دون دهون، بداية باللحم ونكهته الدسمة ونهاية باللبن، طبق دون كمية دهن لا يعتبر طبقاً، حاربنا الدهن والشحم والدسم، رغم أن التوصيات الصحية تطالبنا بقليل من الدهون للوقاية من السكتات الدماغية، فليس صحيحاً أن الدهن والشحوم شياطين غذائية كما يصورها المتفلسفون، قالوا لنا إن السمن البلدي أو البري ضار بالصحة لأنه سمن حيواني مليء بالدهون التي تدهن الشرايين، وسألناهم عن البديل فقالوا بدائل الدهون المصنعة "أولسترا" و"ترانس" رخيصة الثمن ورخيصة القدر والقيمة الغذائية.
للدهون فوائد متعددة، منها أنها تدخل في بناء جدار الخلية وفي تكوين الأنسجة العصبية، وهي مادة ضرورية لإتمام الوظائف الحيوية داخل الجسم، ولها دور مهم في نقل الإشارات العصبية للمخ، وتساعد على إنتاج الهرمونات في الغدد الجنسية، وعلى إنتاج الكورتيزون الداخلي في الغدد فوق الكلية، ويذيب الفيتامينات الذائبة في الدهون مثل ( A , D , E , K ).
كان الاعتقاد السائد قديمًا أن الدهون الغذائية ليس لها تأثير يذكر على تركيب المخ ووظيفته، ولكن الأبحاث الحديثة أثبتت أن الأحماض الدهنية تؤثر على المخ منذ المرحلة الجينية إلى الشباب والشيخوخة، وأن هناك أحماضًا دهنية أساسية لا تستطيع أجسام الثدييات تصنيعها، ولذلك يجب تناولها عن طريق الغذاء لأنها تدخل في تصنيع مركبات هامة أخرى.
مثل هذه الدهون في الأغذية تعطي بعداً صحياً بجانب أهميتها في جعل الأكل لذيذاً، وعلى ذلك فإن الحرب الشرسة على الدهون لن تقف في وجه الحقيقة التي تؤكد أن الدهون مفيدة ومقاومة لأمراض القلب ولا يمكن اعتبارها سيئة.
لأن الجسم الذي يتناول نظاماً غذائياً غنياً بالدهون يصبح أكثر قدرة على الاستيعاب، فضلاً عن قدرتها الهائلة في تنشيط الجهاز المناعي.
من المثير للدهشة ازدياد أوزان الأشخاص على الرغم من إقبالهم على تناول الأغذية قليلة أو منزوعة الدسم!
إن المبالغة في استخدام أي شيء مضر، ومن ذلك فإن هناك محاذير من التركيز على الأغذية الدهنية ربما يسبب حدوث مشاكل صحية ومنها السمنة، أما إذا كنا نتناولها مع الأكل وما شابه فليس فيه ضرر، لذا يفضل الاستفادة من فوائد الدهون بصورة عادية ودون مبالغة.
يتعرض المستهلكون إلى معلومات غير واضحة عن الدهون، والرسالة التي يرغب علماء التغذية إيصالها إلى المستهلك هي تقليل الدهون في الوجبة وليس حذفها، إن حذف الدهون من الوجبة يعني عدم الحصول على عناصر غذائية أساسية أخرى وهي على سبيل المثال وليس الحصر حرمان الجسم من الحصول على الفيتامينات الذائبة في الدهون ( A و D و E و K ) والحمض الدهني الأساسي (حمض اللينوليك).
كثير من الناس يعتقدون أن نظامهم الغذائي صحي وسليم ما داموا يتناولون أغذية قليلة الدسم، وهم لا يدركون أن نزع الدسم من هذه الأغذية تجعلها أقل نفعاً للصحة، فالتركيز على الأغذية قليلة الدسم في النظام الغذائي يعني وجود خلل في الموازنة الغذائية.
أما اتهام الأغذية الدهنية بأنها من عوامل زيادة الوزن والسمنة فهو اتهام يحتاج إلى توضيح فقط.
يمكن القول بأن زيادة الوزن والسمنة عبارة عن عدم توازن في كمية الطاقة المأخوذة من الغذاء وكمية الطاقة التي يحتاج إليها الجسم يومياً، فكلما زاد الإنسان من الطاقة المأخوذة عن حاجته كان ذلك زيادة في الوزن.
ففي هذا الإطار يمكن التعامل مع هذه النوعية من الأغذية، فلا يصح القول بالامتناع عن تناولها لكون البديل هي أغذية معالجة منخفضة الجودة وخالية من الدهون والقيمة الغذائية ومحشوة بالسعرات الحرارية، لكن الصحيح هو عدم الإكثار من تناولها وخصوصاً ممن لديهم سمنة، فإبعاد مثل هذه النوعية من قائمة الطعام التي نتناولها يفقدنا عنصر مهم تحتاجه أجسامنا.
هناك بحوث وأدلة حول عدم جدوى التركيز على الأغذية قليلة الدسم والدليل زيادة حالات السمنة ازدياد مطرد، والتوصية مفادها أن نزع الدهون من الأغذية ليست العصا السحرية التي تعمل على تحسين الحالة الصحية للأفراد.
من الاعتقادات الخاطئة الشائعة بين الناس، أن الأغذية المنزوع منها الدهون تخلصنا من البدانة.
ولتصحيح مثل هذه المعلومة يجب أن نعلم أن الدهون في الأغذية الطبيعية تعطي الطاقة للجسم وتدخل في معظم العمليات الحيوية، وهي لا تسبب تراكم الدهون عندما تؤكل بحدود المعقول دون مبالغة.
السمنة مرض متغاير يرتبط بعوامل وراثية وبيئية ونفسية وأيضاً بعادات غذائية خاطئة، وتحدث عندما تزيد كمية الطاقة المأخوذة على كمية الطاقة المصروفة بمرور الوقت، وفي حالات نادرة تحدث السمنة بسبب مرض مثل نقص نشاط الغدة الدرقية أو بسبب عقاقير مثل ستيرويدات "steroids" التي تسبب زيادة الوزن.
بعض فئات المجتمع لها عادات غذائية خاطئة، منها إهمال الوجبات التي تحتوي على دهون باعتقادهم أنها وسيلة لتخفيف الوزن.
استخدام أغذية منخفضة الدهن أو إزالتها من أجل تحاشي نتائج سلبية، قد لا يكون عملياً، ومن الصعب إقناع الفرد أو المجتمع بتغيير النمط الغذائي وحتى لو اقتنع فإن هذا الاقتناع يكون لفترة محدودة ثم يفقد الفرد الحماس الذي بدأه والمتمثل في إقلال تناول الأغذية الدهنية.
تساهم الدهون في المحافظة على الدور الصحي الإيجابي وفي الوقت نفسه تحافظ على الدور الوظيفي للدهون في التركيبة الغذائية، إذ لا يخفى على المستهلك الدور الفاعل للدهون في استساغة الأغذية وإضفاء القوام والتركيب المميز للمنتج الغذائي.
بعض الناس لا يستسيغون أن تكون مأكولاتهم خالية من الدهون، فتجدهم يتفننون في صنع أطباق محشوة بالدهون.
استهلاك الدهون الصحية الطبيعية والابتعاد عن الدهون السيئة المستخلصة بطرق كيميائية "بدائل الدهون" مثل اوليسترا، ترانس.
يجب أن نحترس من الدهون المضافة المستخدمة عندما تطهو وتقدم الطعام، وهذا ما يزيد مستوى السعرات الحرارية.
هذه الأيام لا تكاد تقرأ بطاقة منتج غذائي إلا وترى عبارة "خالٍ من الدسم" أو "قليل الدسم" أو "منزوع الدسم" أو "كامل الدسم"، والأسوأ من ذلك تجد عبارة "خالٍ من الكوليسترول"، كل تلك العبارات الدعائية مشجعة لأشخاص يبحثون عن طرق فعالة في علاج السمنة العامة، نظام غذائي "حمية - ريجيم".
تزخر أسواقنا بأغذية تخسيس تعتمد على دعاية كاذبة غرضها الربح على حساب صحة المستهلك وسلامته.
زيادة إنتاج الأغذية منزوعة أو قليلة الدسم لتحقيق رغبات المتخوفين من الدهون، فقد وجد أن هناك علاقة بين درجة الوعي الغذائي والإقبال على تناول تلك الأطعمة، ونحن نسأل: ترى ما هو حجم معرفتنا بكيفية نزع الدهون من الأغذية؟
من الطبيعي أن الغذاء كان في الأصل طازجًا قبل التصنيع لكن مروره بالمراحل المختلفة من التصنيع، وإضافة بعض المضافات الغذائية، كل ذلك نتج عنه تغيير في التركيبة الغذائية والصحية للغذاء.
تفقد الأغذية الطبيعية بعض خصائصها الحسية والقيمة الغذائية نتيجة المعالجة الصناعية، ولتعويض الفاقد تقوم شركات التصنيع بدعم منتجاتها بالفيتامينات والمعادن والألياف الغذائية.
هدف التصنيع الغذائي كما أشرنا ليس الاهتمام بالقيمة الغذائية للمنتج، وإنما جني الأرباح.
لم يعد تركيز الفرد منا في طعامه اليومي على العناصر الغذائية الطازجة، ولم تعد هناك مراعاة للتوزيع الغذائي المتوازن، فبدلاً من أن تحتوي الوجبة على جميع العناصر الغذائية، أصبحت المائدة منزوعة الدسم، أودت بنا إلى أمراض صنعناها بإرادتنا الكاملة.
منصور الصلبوخ - اختصاصي تغذية وملوثات.


error: المحتوي محمي