12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

النص الأشهى «أنثى»

يتشكَّل النص – أيُّ نص – من مجموعة من المنخفضات والمرتفعات، فتارة يعلو إلى السماء، وأخرى يهبط إلى وأديان سحيقة، وفي الحالين، يلتزم بتقديم دلالات ومعانٍ، ترتبط بهذا الصعود والهبوط، إذ لا يمكن الفصل بينهما، إلا عبر نقاط؛ إمَّا مضيئة أو معتمة داخل النص نفسه، وهي ما يُطلق عليها "الفجوات".
فالفجوات تحديداً، ليست مناطق استواء وانبساط، إنما مناطق وعرة، وغابات كثيفة، وجبال شاهقة، ووديان عميقة، تغوص بداخلها الأفكار والأحداث، وتبتلع المعاني، والتوجهات، ولا يمكن الركون إلى تأثيراتها، التي تمتد ناحية القارئ، حيث يجد أمامه نصاً يموج بالكثير، وعليه القراءة الجيدة واستخراج ما يختبئ بين كلماته وعباراته.
الأنثى، قصيدة جميلة، ونص لغوي فاره، اكتنز بالدلالات، وتلحّف بالتوريات والكنايات، والعرب قديماً أكثروا وأطنبوا في وصف جمال المرأة، حيث أفردوا لها قداسة خاصة؛ حينما اتفقوا على افتتاح قصائدهم بالغزل والنسيب والتشبيب، فهي المركز في القصيدة، وبقية الأبيات تدور في فلكها، وأحسب أن الشعر الحديث في معظمه يسير على هذا النحو وفي هذا الاتجاه.
لو نظرنا واستكشفنا سبب هذا الاهتمام الكبير من قبل عمالقة الشعر والأدب لجسد المرأة والتركيز الشديد على وصفه والمبالغة في مديحة لوجدنا "الجمال" هو الرابط الأساس، الذي يدفع ناحية المبادرة لتقديسها، وتبجيلها، فالجمال قيمة لا يُمكن المساس بمكانتها وشرفها، وهكذا هي المرأة!
أيضاً لو تعمقنا أكثر وتساءلنا عن سبب اهتمام هؤلاء العرب الصحراويين أو الحداثيين بجسد المرأة واعتباره صيغة للحياة، وطريقاً لمعرفة الوجود، وسبيلاً لإدراك دلالات الكون، لرأينا السبب كامن في التفاصيل والخبايا، فثنائية (الكشف / الحجب) هي الأشهر بينهم، فالجسد يُخفي في تفاصيله ومنعرجاته الكثير من التأويلات.
الكشف والحجب؛ هي الطريق لمعرفة منحنيات الجسد وما يختفي وراء الثياب، فحين نأخذ الوجه على سبيل المثال، وهو من أكثر الأجزاء المتداولة بين الكتاب والشعراء، فإننا كقراء نكتشف سبب هذا الاهتمام المتزايد بالجمال، حيث المنخفضات والمرتفعات هي ما يثير شهية الكاتب والقارئ معاً، وإثارة الشهية هنا ليست أكثر من فتح الباب أمام التأويلات والتخيلات.
فوجه المرأة يحتوي هوتين عميقتين هما العينان، ويحتوي أنفا بارزاً ومدبباً، وفماً مدوراً، وشفتين ورديتين، وأسناناً كبياض الثلج، ولساناً يرطب حرارة المشاعر والأحاسيس، وعنقاً طويلاً يفاسح بين الوجه وبقية الجسد، فكأن الغاية من وجود هذا العنق؛ إبراز المنخفضات والمرتفعات وفصلها عن البقية.
عبر هذه المنخفضات والمرتفعات في وجه المرأة؛ نكتشف مواطن الجمال وأسباب الإثارة، فالغمازتان على الخدين ليستا أكثر من منخفضين، والأنف البارز المدبب الجميل ليس أكثر من مرتفع، والشفتان المشقوقتان ليستا أكثر من انحناءات وتموجات ما بين منخفض ومرتفع، فالجمال يأتي من هذا التلاقي والتناسق بين الهابط والصاعد، حيث المستوي والمنبسط؛ لا يثير الكثير من الاهتمام.
حين نعود إلى النصوص، ونبحث عن أسباب جمالها، وسبب تميزها، فلن نبتعد عن الأسباب المتعلقة بالأنثى، فالمرتفعات والمنخفضات حاضرة هنا، إنما بتسمية مختلفة، إذ يُطلق عليها اسم "الفجوة" أو "الفجوات"، والتي هي إشارة إلى الصاعد والهابط في النص، وللقارئ أن يسأل: كيف يمكن للنص أن يعلو ويهبط، وهل يمتلك فعلاً مرتفعات ومنخفضات؟
الجواب: أن المرتفعات والمنخفضات؛ هي أدوات مجازية يستخدمها الكاتب لإيصال رسالته إلى المتلقي، وتختلف من كاتب لآخر ومن شاعر لشاعر، حيث تعتمد على اللغة في حضورها وتوجيهها، فالشعر على سبيل المثال تتمثل فجواته في الانتقالات من مقطع لمقطع، أو في استخدام أساليب النداء والتمني والنهي، وفي الرواية تتمثل الفجوات في اللغة المؤثرة والجميلة والممتعة المعتمدة على التناقض، كما تتمثل أيضاً في الحوار الحاد والمرتفع، وكذلك في التفاصيل والأحداث المؤثرة في مساراتها.
جمال النص، يأتي عبر هذه الفجوات (المنخفضات والمرتفعات) مثلما أن جمال وجه الأنثى، يأتي من التناسق بين الصاعد والهابط من التفاصيل، فهي التي تثير الإنسان وتدفعه للإعجاب.




error: المحتوي محمي