12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

رسالة لكل من باعوا ضمائرهم من أجل مصالحهم

في العادة سكان المناطق الساحلية يفضلون المأكولات البحرية "الأسماك والروبيان" على اللحوم، وما نراه في منطقتنا خلاف ذلك، كميات الطلب والإقبال على اللحوم ضخمة للغاية، معظم الناس يقبلون على شراء اللحوم الحمراء والدواجن أكثر من الأسماك، وتستهلك بكميات كبيرة، مفطحات اللحوم الحمراء ووجبات الدجاج المقلي تتقاسم أمعاءنا، وتتواجد على موائدنا في جميع الوجبات.
وتشير الدلائل إلى وجود ترابط بين الرغبة في تناول اللحوم والسلوكيات أو المورثات، وقد يكون العامل الاقتصادي يحكم ذلك التوجه، اليوم وبعد ما غزتنا الأسماك رخيصة الثمن والتي تصلنا من خارج حدودنا، وبالطبع هي أقل جودة ومأمونية من الأسماك المحلية، قد يتغير الواقع والسلوكيات الغذائية.
رغم مرور الأيام، وتغير الأحوال، مازلنا نتذكر عندما كنا صغاراً طعم اللحم والدجاج والسمن البلدي الطازج، من أرض رزقت الماء والكلأ.
طعام الآباء والأجداد، كنا لا نأكل إلا اللحم البلدي الطازج، ولا نعرف المستورد، ها قد دارت الأيام، وطويت السنين، وجدنا أن اللحم والدجاج والسمن قد أصبح مستورداً، اليوم بعد أن عمت اللحوم المستوردة، افتقدنا لمقومات الأكلات الطيبة ونكهتها الأصيلة، أخذ الجميع يتكلم ويبحث عن البلدي.
اللحوم هي أكثر الأطعمة التي يمكن أن تفسد دون حدوث تغير ملحوظ بالعين المجردة، وعلى هذا يجب ألا تعرض الذبائح المبردة في محلات بيع اللحوم على علاقات خارج الثلاجة إلا عند تجهيزها للزبون؛ كون التغير في درجة الحرارة يسَّرع في فسادها.

طزاجة اللحوم المذبوحة محلياً من العوامل التي تساهم في الحفاظ على جودتها وقيمتها الغذائية، أضف إلى ذلك الاطمئنان لسلامتها الشرعية.
اللحوم سوق رائجة، لا تخلو من الغش، الغش والإهمال في الأطعمة كلاهما مصيبة، فالغش فعل مقصود والإهمال ترك مقصود، أي ترك للتقييم والرقابة، وكلاهما يضر بسلامة المستهلك وصحته.
الكثير منا قد لا يحسن شراء قطعيات اللحوم الطازجة، ولا يعرف درجة جودتها، وحتى كيف يتعامل معها بطريقة يحقق أقصى قدر من الاستفادة من أجزاء الذبيحة!!
ومحلات بيع وتصنيف اللحوم ساعدت في تحسين جودة اللحوم وحسن الاختيار، فقسمت الذبيحة إلى قطع مناسبة لأنواع الطهي المختلفة للحصول على أقصى استفادة ممكنة وأقل فاقد ممكن، ووفرت للمستهلك كثيراً من الوقت والجهد في اختيار القطعة التي يفضلها.
إن سلامة اللحوم وصلاحيتها للاستهلاك الآدمي تؤثر فيها عوامل كثيرة منها طريقة الذبح والسلخ والإعداد والمحافظة على نظافة الذبيحة ومكان تجهيزها وحفظها في أماكن تضم أجهزة التبريد والتجميد ومعدات وتجهيزات تقطيعها وتصنيفها، وأن يكون الأشـخاص المتداولون للحوم في مراكز البيع مستوفين للشروط الصحية وعلى درجة عالية من النظافة وملتزمين بارتداء ملابس واقية وغطاء للرأس وقفازات.
من أين نشتري اللحوم الطازجة؟ وهل نرى أن محلات بيع اللحوم ملتزمة بضوابط الجودة والأمانة؟ للإجابة عن هذين السؤالين نحتاج إلى مناقشة أمر تسويق اللحوم وواقعه في منطقتنا، وللدقة نقول في بعض الأسواق والملاحم.
تزداد درجة جودة قطعة اللحم كلما زادت نسبة طراوتها، ويمكن القول إنه كلما صغر عمر الحيوان ازداد طراوة اللحم، كما أن فترة التخزين بعد الذبح تؤثر على جودة اللحوم نتيجة تفاعلات الإنزيمات وكذلك نوع الحيوان وحجمه وجنسه والغرض من التربية "للتسمين أو لإنتاج الحليب"، ونوع العلف الذي يقدم للحيوان، وإزالة خصية الحيوان بهدف زيادة النمو، ومعدل حركة الحيوان أثناء مرحلة التغذية والتسمين، والمجهود الذي يبذله قبل وأثناء الذبح، ومنع الأكل عن الحيوان قبل الذبح.
وهنا نود أن نشير إلى مسألة هامة وهي وجود الدهن أو الشحم في اللحوم والتي يظنها البعض مسألة غير مرغوبة في اختيار قطع اللحم، وهذا تصور خاطئ، إذ أنه في معظم الأحيان يعتبر وجود الشحم بنسبة معقولة عاملاً هاماً في تحسين صفات الجودة وتزيد من طراوة اللحم وعصاريته في الفم عند المضغ وتحسين النكهة.
سؤال ما زال معلقاً: ما حقيقة ما يثار حول تداول لحوم باكستانية مبردة وتباع على أنها مذبوحة محلياً في محلات بيع اللحوم؟
حقيقة فإن هذا المثار الحساس والذي كثر اللغط الدائر حوله، والكل يدلي بدلوه بعلم ودون علم، مما أثر بصورة سلبية على ثقة المستهلك فيما يشتريه من لحوم ودواجن، اتهام قوي نكاد لا نجد فيه تبريراً سوى هَمْ أصحابها جمع الأموال وإن كانت على حساب الأبرياء من الناس، ربما يكون في وسط مجتمعنا عالم تسوده حماقات، عالم يموت فيه الضمير، إذا كان هذا الاتهام صحيحاً فعليهم فعلاً مراجعة ضمائرهم المختومة بالشمع أمام الله عز وجل.
قضية تستحق التوقف عندها، والتمعن فيها، إخفاء عيوب السلعة وعدم تقديم بيانات كافية عنها يدخل في حكم الغش "من غشنا فليس منا".
بداية وقبل أن نذكر ذلك اللغط لا بد من التعرف على بعض المفاهيم:
• لحوم طازجة: هي لحوم طازجة صالحة للاستهلاك الآدمي، مأخوذة من ذبح حيوانات سليمة صحياً طبقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، لم تعامل بعد بأية طريقة للحفظ فيما عدا تعرضه للتبريد (- 1° س إلى 7 ° س)، مواصفة لحوم البقر والجاموس والضأن والماعز والطازجة GSO 996 /2016

• لحوم البقر والجاموس والضأن والماعز مبردة: لحوم تم تبريدها مباشرة بعد الذبح والتجهيز حتى درجة حرارة (- 0.5 ± 1) ° س ومن ثم حفظها في ظروف صحية عند هذه الدرجة، مواصفة لحوم البقر والجاموس والضأن والماعز المبردة والمجمدة GSO 997/ 2016
• يجب أن تختم اللحوم - المجازة من قبل المفتش البيطري الرسمي بأنها خالية من الأمراض المعدية وصالحة للاستهلاك الآدمي - بختم يحتوي على البيانات الإيضاحية الأساسية تبعا للنظام المعمول به في كل دولة خليجية ومن بينها نوع اللحم - تاريخ الذبح - اسم البلدية ودرجة الجودة في حالة التصنيف التدريجي للحوم حسب الجودة على الجانبين.
• أن تختم الذبائح على الجانبين على الأقل من السطح الخارجي في الأماكن التالية: الفخذ والخاصرة والظهر والصدر والكتف.
• أن يتم تجهيز وبيع اللحوم المبردة المستوردة وأن يعلن عن ذلك على المحل باللغة العربية بخط واضح.
من الأمور التي يخفى حقيقتها عند الناس هي إظهار السلعة بخلاف واقعها.. عدم الوضوح لا يحقق للمستهلك الطمأنينة!!
أغذيتنا يتهددها ضعاف النفوس من الغشاشين، وخطورتهم أو بالأحرى جريمتهم ليست مادية وكفى، وإنما ممتدة إلى تهديد صحة الناس.
لماذا تلجأ محلات بيع اللحوم إلى تسويق لحوم مبردة مستوردة على أنها لحوم طازجة ومذبوحة محلياً؟
من الطبيعي بيع لحوم مبردة مستوردة من باكستان أو من غيرها من الدول الإسلامية مجازة بوثائق معتمدة "شهادة صحية - شهادة حلال - تقرير مخبري يثبت صلاحيتها للاستهلاك الآدمي"، وقد يفضلها البعض نظراً لجودتها من ناحية توفر مقومات التربية الصحية للحيوان في البلد اﻟﻣُﺻدّر مثل المسطحات الخضراء والهواء الطلق والتغذية الطبيعية، في الواقع مثل هذه اللحوم قد يقبل عليها البعض كونها في نظره حلالاً ورخيصة الثمن، بينما لدى البعض الآخر شكوك حول سلامة تلك اللحوم من ناحية شرعية.
لجوء البعض إلى أسلوب الغش والخداع بعدم إعلام المستهلك بمصدر اللحوم وطبيعتها، هو مخالف للشرع والقانون، أملاً في الكسب المادي، إن مثل هذا السلوك غير الأخلاقي لا يدخل ضمن المهام الرقابية، إنما هي رقابة ضمير.
فمعظم أساليب الإغراء التي يلجأ إليها تجار وموزعو اللحوم المستوردة غير أخلاقية؛ حيث يقوم مندوبو المبيعات بعرض الذبائح على محلات التجزئة بأسعار مغرية، ويتم تسويقها على المستهلكين بأنها لحوم طازجة ومحلية.
قلة الوعي لدى أصحاب هذه المحلات وعدم إدراكهم للآثار السلبية من جراء هذه السلوكيات الخاطئة يجعلهم تحت رحمة هؤلاء الجشعين تجار أو مستوردي اللحوم.
من حق المستهلك التعرف على طبيعة اللحوم ومصدرها قبل شرائها للاطمئنان على جودتها وصلاحيتها، ومطلوب من البائع توضيح ذلك للمشتري ليتعرف على حقيقة ما يشتريه، ورضاه مهم لأنه وراء النجاح السمعة الطيبة.
يبدأ دور المستهلك في حماية نفسه مع بداية التفكير في التسوق، حيث يفضل أن يسعى المستهلك إلى شراء اللحوم من المحلات ذات السمعة الجيدة والتي تهتم بجودة اللحوم ونظافة المحل وتخزين اللحوم بصورة جيدة، وألا يكون جل اهتمامه في البحث عن اللحوم رخيصة الثمن.
ومن هذا المنطلق وإذا كنت تريد الأفضل، أنصح الجميع بتوخي الحذر والتوجه إلى محلات معروفة، ستكون أسعارها أغلى قليلاً ولكنها ليست بالعالية جداً، لحوم تذبح في المسالخ المحلية اليوم، وتخرج للسوق غداً، بينما اللحوم المستوردة المبردة قطعت القفار والبحار لتصل إلينا، تبخس خصائص الطراوة والعصيرية والنكهة فيها بفعل التغيرات الكيمياوية من جراء بُعْدُ المسافة.
المستهلك في منطقتنا يتعامل مع أصحاب بيع اللحوم والدواجن والأسماك الطازجة في الغالب من مبدأ المعرفة الشخصية والشفافية والثقة، يشتريها بكل اطمئنان دون مخاوف، هذه سلوكياته في الشراء، هذا الاتجاه استفاد منه كل من لا يملك ضميراً حياً.
هذا سلوك غير صحي ويعتبر من طرق الغش أو الإيهام الخادع؛ حيث تظهر الذبيحة المستورة بمظهر يختلف عن طبيعتها.
هذه الظواهر والسلبيات تنعكس آثارها على الفرد والمجتمع، والتي تتمثل في التأثير على الصحة العامة.
هنا نتوقف قليلاً حول قضية ضبط الأجهزة الرقابية في بلدية سيهات قبل أسبوع معملاً يقوم بإذابة الدجاج المجمد ويبيعه كمبرد.
فعملية التجميد ثم التسييح ثم التجميد تجعله عرضة للتسممات.
في حالة إذابة الأغذية المجمدة مثل اللحم أو الدجاج، يحدث أمر خطير، فترك الدجاج يذوب لساعات طويلة وبقائها في درجة حرارة الغرفة لمدة تزيد على أكثر من ثلاث ساعات يساعد على نمو الجراثيم وبالتالي قد ينتج سموم لأنواع معينة من البكتيريا مثل المكورات العنقودية الذهبية، وهذه السموم مقاومة لدرجات الحرارة العالية ولا يمكن تدميرها بسهولة، وبالتالي فإن الغذاء الذي سيؤكل سيؤدي إلى تسمم غذائي.
غالباً ما تعرض الذبائح في محلات بيع اللحوم على علاقات خارج الثلاجة أمام الزبون، والتوصية الصحية تلزم بإخراج قطعات اللحوم من الثلاجة عند التجهيز للبيع مباشرة، حيث تلعب درجة الحرارة الدور الرئيسي في فساد هذه اللحوم.
الكثير من اللحوم تعرضت للممارسات الاحتيالية، وتستحق الوقوف عندها، فمعظمنا وقع ضحية هذه اللحوم نتيجة إعطاء الثقة لمن لا يستحقها.
أسواقنا تعج بالكثير من الأغذية المغشوشة يصعب كشفها، ونحن هنا نطالب الجهات الرقابية المسارعة بكل قوة وحزم لإيقاع الجزاء الرادع على الغشاشين والمتلاعبين بأرواح الناس والتشهير بهم دون تردد كائناً من كان المخالف، مع عدم السماح بأي تساهل في هذا الشأن، وأن ذلك سيمنح فرصة للاستمرار في ظل عدم وجود تدابير عقابية.
الواقع أن ما نشهده اليوم وما نشعر به تجاه هؤلاء، هو غياب الرقابة الذاتية والأمانة، فالرادع الديني والأخلاقي لابد أن يشكِّلان عامل طمأنة لدى المستهلكين الذين فقدوا الثقة باللحوم المتداولة في الأسواق.
لقد سئم الناس من ممارسات هؤلاء، والرقابة المتواصلة من البلدية ما زالت في معركة كر وفر.
منصور الصلبوخ - اختصاصي تغذية وملوثات.


error: المحتوي محمي