12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

من هو صديقي؟

ورد عن أمير المؤمنين (ع): "من اتخذ أخاً من غير اختبار، ألجأه الاضطرار إلى مرافقة الأشرار" (غرر الحكم ج ١ ص ٦٤٨).
يشير أمير المؤمنين (ع) إلى معيار مهم تقوم عليه علاقات الصحبة الصادقة والناجحة، ألا وهو وضع شخصية هذا الصديق وسلوكياته ومواقفه على محك الاختبار؛ وذلك لتتبلور عندنا صورة واضحة لاتخاذ القرار السليم لاتخاذه صاحباً أو تجنبه، فإن مكمن الأهمية أو الخطورة هو تأثر المرء بصاحبه إيجاباً وسلباً على مستوى التفكير والتصرفات وإن كان على المدى البعيد.
فكم من إنسان امتاز بصفات حسنة سلبت منه شيئاً فشيئاً بسبب مقارنته ومصاحبته لشخص اتصف بسلوكيات غير مرغوب فيها فألقت بظلالها الثقيلة عليه، وهذا الأثر مما يحفز الإنسان نحو تقييم علاقاته ووضعها على محطة المحاسبة والتدقيق وتقديم الأولويات.
ولا يتصورن أحد أن مسألة التمييز والتفريق بين الصدوق والمخادع تعد سهلة وفي متناول الجميع، وإلا لما خدع البعض وتلقى طعنة في الظهر ممن كان يبدي له المودة والاستئناس والثقة به، فهناك من يجيد التخفي وراء الأقنعة فيبرز من التعامل والوجه ما لا يعكس حقيقته، وهذا ما يدفعنا نحو البحث عن تلك السمات الغالبة التي تؤهل البعض لنيل ثقتنا ويكون ممن نتشارك معه هموم الحياة والبحث عن مفاتيح الحلول لما يواجهنا من مشاكل وصعاب، فالمتلون لا يمكنه أن يتخفى بدقة ويواري واقعه المنفر على طول خط الصحبة، بل هناك من الصفات التي تعد كالاختبارات التي تكشف الواقع وتعريه مهما حاول المخادع التخفي.
فالصاحب الوفي يبدي اهتماماً بأفكارك وآمالك وأحوالك، فيعتني بالتواصل الإيجابي معك والاستمرار في السؤال عما يشغلك، كما أنه يظهر مشاعره الحقيقية من خلال التفاعل والانسجام مع المواقف العقلانية التي تتخذها، وأما غيره فيمتاز بالتبلد العاطفي وقلة التواصل وأدنى شيء يشغله عنك، كما يظهر اللا مبالاة بأحوالك بل وتراه يندفع بقوة نحو الانتقاد السلبي وتوجيه الكلمات المحبطة لطموحاتك، وحينما تقع في أزمة تراه يتوارى خلف الأعذار الوهمية لئلا يمد يد العون والمساعدة.
كما أن محطة سوء الفهم والخلاف مفترق طرق بين من هو أهل للثقة من غيره، إذ إنه مهما بلغ مستوى الاختلاف والتباين في الرؤى فلا يعد ذلك سبباً للتجاوز عليك أو إظهار المشاعر السلبية تجاهك بل ومخاصمتك، إذ يكون عامل الاحترام والود جداراً منيعاً أمام أي تسلل للمشاحنات والمقاطعة، فالحوار الهادئ وطلب التفاهم هو ساحة التلاقي والانسجام وإبداء الاعتذار وتفهم ظروفك.
فالعلاقات الصادقة عنده أكبر من أن تمس بالانفعالات والتهور والمزاجية والتهور والتي يمكن لها أن تهدم صرحاً شامخاً من علاقة امتدت لفترة زمنية طويلة، وأما غيره فيفقد مركز السيطرة عنده ويستبدل الحكم على الأمور من قاعدة العقل الواعي إلى الهوى المسيطر على الشعور، والذي قد يستتبعه تدهور في العلاقات ودخولها في نفق مظلم لا يعرف له نهاية.
والاختلاف في وجهات النظر عند الصاحب الوفي لا يستتبعها أي أثر سلبي يفرق بينهما، إذ أنه يتفهم اتساع ساحة المسارات والاتجاهات للقضايا الاجتماعية والثقافية مما لا يعني تباين الآراء أي معضلة تحل عقد العلاقة الراسخة بينهما، بل إن تبادل وجهات النظر والاستماع بإنصات للآخر دونما مقاطعة يقرب بين عقليهما، فيتفقان على أمور كثيرة وتبقى مساحة الخلاف الضيقة لا تعد شرخاً مفرقاً بينهما، وأما غيره فيعد الحوارات ساحة صراع يحاول أن يحقق فيها انتصارات وهمية ترضي غروره وإعجابه بنفسه، فلا يهمه البحث عن الحقيقة أو الاستفادة من القضايا والأحداث التي تطرح أمامه بقدر ما يهتم أن يكون منتصراً ظافراً في أي سجال أو نقاش يخوض غماره.
والصاحب الوفي يحضر في وجدانك وخطواتك من خلال التواصل معك للاطمئنان عليك وإن لم يكن له حاجة في الاتصال، ويقبل على شخصيتك متقبلاً إياها دونما محاولة التغيير القسري والتحكم فيك على نحو السيطرة على مفاصل قراراتك، وأما ما تبوح له به من أسرار وخصوصيات فموضعها الكتمان لأنه يعتبرك كنفسه، بخلاف من يجعل مفاكهته في المجالس استعراض خصوصيات وعثرات أصحابه.


error: المحتوي محمي