12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

وداعًا أسطورة كرة القدم.. 5

أيها الفتى الذهبي ودعت مونديال 82 بمشاعر كبرياء مجروحة، ومشاعر مكبوتة، وأحاسيس مختلطة، حينما أخرجوك بالكارت الأحمر في مباراة ضيّع فيها منتخب بلادك كل البوصلة، غادرت بصمت لا تلوي على شيء، حينها أفاض عشاق فنك في طرح الأسئلة.
ما الذي دهاك يا فتى في مونديال إسبانيا؟ هل كنت شارد الذهن أم رجلك ضلت طريق المرمى إلا من هدفين وحيدين.
هل كبلتك خطط المدربين، أم حسدتك العيون لانك الأغلى ثمنًا، كم طالتك الألسن ورمتك السهام بنقدها القاسي، وأي ضر صادفك وأنت المتوثب عدوًا وقفزًا، فكلما أمسكت بالكرة انهالوا عليك ركلًا ورفسًا، بالأيدي تارة وبالأرجل مرات، مراوغاتك تحيرهم، وترعبهم، يأخذهم طيش يفوق الوصف، انقضوا عليك كأنهم وحوش ضارية، راقبوا تحركاتك كظلك، كبحوا جموحك بكمية أذى لم يتعرض لها لاعب غيرك، استفزوك بتوتر لا منتاهٍ واستنزفوا كل طاقتك، نصبوا لك فخاخ الغش والخداع، ونجحوا باخراجك من المونديال ربما خالي الوفاض كما بدت الصورة للشامتين بك.
خصومك والمنصفون يدركون من تكون، والمتعاطفون معك أحسوا بوجعك، فأنت القائل: "مونديال 82 صفحة طويتها من حياتي "لكننا لن نطويها، فالنبش في ما رأيته من معاناة عبر مرآتك نبض صدق بصور ليست مرئية للعيون المجحفة.
أيها الفتى الذهبي حديثك مؤجل لما بعد الخوض في سرد بعض من حكايا مونديال 82 المثير للجدل، إن كان قد رفع في وجهك كارت أصفر وأحمر، فهناك كروت ملونة رفعت، سوداء وخضراء وبيضاء في وجوه لاعبين ومسؤولين كانوا في قلب الحدث المونديالي.
استعرضها توقًا لحنين الصبا، وأيضًا سردًا للأصحاب، وللمغرمين بالذكريات الكروية، وبحثًا لما جرى وصار من وقائع وأحداث، هي زفرة عشق من هوى متقاطعة مع إطلالتك الباهرة أيها الفتى الذهبي وبحضورك الرائع الأول في العرس المونديالي، فأنت المتأمل والمتألم والعابر زمنه، كان ذلك قبل أربعة عقود خلت.
انفض السامر عن بطولة كأس العالم في نسختها الـ 12 والتي جرت مبارياتها في المدن الإسبانية عام 1982، ولم ينفض عنها فيض الكلام، ذكريات تتداعى كباقة ورد فواحة كلما تقادمت الأيام.
قيل عن بطولة 82 بأنها من أقوى البطولات المونديالية وأمتعها، وقد شهدت التواجد الأول للفتى مارادونا، وامتلأت إثارة وحماساً وندّية، وغضباً وعنفاً، وحسرة ومسرة، بالإضافة لتواجد كوكبة من مشاهير اللعبة أوروبياً ولاتينياً، وثمة مباريات ملتبسة تمزقت خلالها قمصان وأحرقت فيها أعلام، واهتزت شباك بين غصة وفرح.
صراخ مدوٍ تصاعد من قلاع الأندلس وصولاً إلى حصون روما، بروعة أهداف إيطالية، بإمضاء اللاعب الفنان "باولو روسي" الذي أخرجوه من السجن عنوة قبل انقضاء محكوميته، عانق فضاء الحرية وصال وجال على أرضية الملاعب بلعب ماكر، كلما سجل هدفاً تجاوب معه الرئيس الإيطالي العجوز (ساندرو بيرتيني) بتصفيق يكاد يسمعه ضيوف المنصة، يقف متهلهلاً يحيي أبناءه البررة على صنيع فعلهم، لازمهم تشجيعاً بدءاً من دور الثمانية وصولاً لمباراة التتويج، حضوره الشخصي ساهم في جلب الكأس الذهبية "للأتزوري"، والتسمية بلغتهم، "السماوي"، وهو لون قميص المنتخب
الإيطالي.
فوز الأتزوري أحدث تشفياً عربياً حيئذ، نكاية ضد المنتخب المهزوم ألمانيا الغربية في المباراة الختامية، بسبب المؤامرة التي حاكها ضد المنتخب الجزائري لإبعاده من فرصة الصعود للدور الثاني.
فقد حدث تواطؤ بين منتخبي النمسا وألمانيا، بعد أن اكتفى الأخير بتسجيل هدف واحد فقط وهو القادر على التسجيل أكثر، سيناريو مدبر حيث انكفأ الفريقان كلٌ وسط ملعبه، يداعبون الكرة بتمريرات عقيمة، دون هجمات تذكر لحين انقضاء الوقت، نتيجة أهلتهما لبلوغ الدور الثاني وأقصت الجزائر من السير في البطولة، وعرفت هذه المباراة بـ"فضيحة خيخون" نسبة للمدينة التي أقيمت فيها المباراة سيئة الذكر.
كان منظرًا مزريًا بلعب مفضوح مثير للاشمزاز، قوبل باستهجان عاصف من قبل جماهير الفريقين وصل ذروته خارج الملعب بحرق أعلام بلديهما، وحتى صحافة الفريقين صبت جام غضبها على الاثنين.
بعد هذه المباراة المفضوحة قرر الاتحاد الدولي (FIFA) أن تقام نهاية مباريات المجموعات في وقت واحد منعًا لتكرار التلاعب.
وبالمقابل صبت الصحافة الأرجنتينية جام غضبها على حكام المباريات الذين غضوا أعينهم عن السلوك العدواني المتكرر تجاه مارادونا.
هل بدأ الأمر قصداً ضد المتألق لعباً؟
يوجد دائماً حكام وكأن على عيونهم غشاوة.
بعضهم ساهم في قلب مباريات من هزيمة الى نصر.
والعكس.
لكن أن يرفع الكارت الأحمر في وجه حكم من حكام البطولة ذلك لم يحدث إلا في مونديال 82، وتلك حكاية أخرى.
وبينما كنت أضع النقطة الأخيرة في هذه الحلقة ظهراً، وإذا بورود نبأ تناقلته الصحافة العالمية مفاده؛ وفاة باولو روسي، "قاهر الكبار" وهداف كأس العالم 82، حسب ما ورد في كبريات الصحف الإيطالية صباح هذا اليوم، واقتبس الآتي، (قال: إنريكو فاريلي المذيع بمحطة راي سبورت الإيطالية "إنه نبأ محزن، باولو روسي رحل عن عالمنا"، وأضاف بابليتو، الذي لا ينسى، والذي جعلنا نقع في حب صيف 1982، كان زميلًا ذا قيمة كبيرة ومتخصصًا في "راي" على مدار الأعوام الأخيرة، وقاد روسي الفريق الرائع الذي هزم في 1982، منتخبات البرازيلي زيكو والأرجنتيني الشاب دييغو مارادونا والألماني كارل هاينز رومينيجه في طريقه لرفع كأس العالم في إسبانيا، بأهدافه الستة في آخر ثلاث مباريات وأصبح هداف البطولة، وارتقى إلى مرتبة أسطورة كرة القدم الإيطالية).
ونشرت زوجته" فيديريكا كابيليتي صورة لهما معاً وكتبت: "إلى الأبد". انتهى الاقتباس المتشابه في كل الصحف الإيطالية والعالمية. وداعاً يا من رسمت الفرح في نفوس كل الإيطاليين بعد صيام دام 44 عاماً بعيداً عن منصات التتويج، أنت أعدت الوهج، وداعاً أيها القناص، والهداف الماهر، يا من رفعت الكأس الثالثة لمنتخب الأتزوري، حيث كانت الأولى والثانية سنتي 1934 و1938 زمن الجنرال الفاشي موسليني، رفعت الكأس عالياً وكأنك تعيد احتفالات النصر قبل الميلاد، وسط ساحة المدرج الروماني "الكلسيوم"، وعلى أنغام "بيلا تشاو" رقص وتغنى بك كل الإيطاليون، أنت أيقونة من أيقونات الكرة الإيطالية الحافلة برفع أربعة كؤوس عالمية .
اللافت في كل الصحف التي أوردت نبأ الرحيل صورة تحمل معنى ومعنى، تجمع باولو روسي مع مارادونا!.
الآن تتقاطع الذكريات الجميلة بمرارات فقد الرحيل.


error: المحتوي محمي