منذ نعومة أظافرها، وتعرفها على الحكاية، لا تكل ولا تمل من قراءة الكتب الأدبية، المعنية بالقصة والرواية، تُسربل فكرها، وبعد الانتهاء من المرحلة الثانوية، أخذت طريقها عبر دراسة العلوم الدينية، لتحلق بعيدًا باتجاه الطهر، ثم انتقلت إلى عالم الطفولة، فقامت بدراسة رياض الأطفال، ودراسة تحليل رسومات الأطفال، أيضًا سجلت في دورة عن طريق قناة التواصل الاجتماعي "الواتساب"، جاءت بعنوان "بإرادتي أصنع سعادتي"، التي جاءت بحضور نخبة من المهتمين، لمدة ثلاثة أشهر، سعيًا في اكتشاف بوصلة الإنسان، ومكامن سعادته، وكيفية فهمه، واستيعاب معاناته.
تدرجت في القراءة والاطلاع، ومع مرور الأيام، تكتشف موهبتها، فتقوم بغربلتها، تنضج الموهبة، لتمارس كتابة القصة بين الفينة والأخرى في قناة التواصل الاجتماعي "الواتساب"، لتضعه في قروب "الأهل والأقارب"، وعلى هذه الحال، وبعد الانتهاء من قراءة أي قصة، أو رواية، تهدي ابنتها كل ما تقرأ، لتغرس فيها حب القصص.
الروائية أنهار عبد الله فردان، المنحدرة من حي المدني في محافظة القطيف، كان الحلم الذي ترنو إليه، بعد الانتهاء من القراءة، أن تكون ذات يوم كاتبة قصة، أو روائية، لهذا تغمض عينيها أحيانًا، تحدث نفسها بذلك، كهمس روحي، منها وإليها، تسبر أغواره، لتتخيله اليراع، وملامح شفتيه على الورق حبرًا.
تقول: "من حق الإنسان أن يحلم، ويسعى لأن يعانق الحلم بين يديه".
وبعد ذلك، وجدت يراعها يستفزها لتكتب، وتعبر عن أفكارها وأحاسيسها، وتفاعلها اجتماعيًا وثقافيًا، مشاركتها الآخر، نظيرها في الإنسانية، أبحر بها الشغف إلى الكتابة، فتشبعه عبر روايات وقصص، تناغي من خلالها رؤيتها إلى الحياة، ودرامية الموقف والنفس البشرية، سخرت يراعها وفكرها، لتكتب ما يلج في خاطرها، تبصره في الجانب الأسري والاجتماعي، تزجه من خلال ثقافتها، ورؤيتها إلى الحياة عبر بياض قرطاسها، إنجازاتهم بما تعانيه الطفولة، والمشاكل، التي تواجهه، أكانت صحية، أم أسرية أو تربوية.
الرسومات لغة
وبدأت تأخذ على عاتقها الإبحار في عالم الطفولة، لتقتحم عالمه من خلال تحليل رسوماته، لتستكشف ما يعانيه، أو ما يعيشه، كأنها أرادت أن تخبرنا: اعلموا أن في حياة صغارنا، وفي ما يتعاملون معه من علبة الألوان والرسومات والاهتمام بالألعاب، كلها نوافذ إن فتحتم زواياها، ستتعرفون على عالمهم، وتبصرون احتياجاتهم وتلمسونها، فإن الطفل قد لا يعبر عنها شفهيًا بأحرفه، لكنه قد يعبر عنها من خلال تصرفاته.
وأضافت: "إن عالم الطفولة مليء بالأسرار والمفاجآت، التي تتمثل في حياة أخرى، يتعرف عليها من خلال رسوماتهم، لهذا ينبغي أن تتعرف الأمهات - ولو بشكل بسيط عبر القراءة إلكترونيًا - ما يساعدهن على معرفة كنه تصرفاته، لتشبعه نفسيًا وعاطفيًا وعقليًا، حتى لا تكون غريبة في دائرة عالمه".
بهذه الكلمات، دائمًا توجه "فردان" نصيحتها إلى الأمهات ومعلمات الروضة في الدورات التي تقيمها في الإجازة الصيفية، لتكون بوصلتهم في العملية التربوية، خصوصًا إذا كان - لا سمح الله - الطفل يعاني من التوحد، أو مرض نفسي آخر، لتؤكد ضرورة المعرفة.
وأشارت إلى أن علماء النفس والمهتمين بعالم الطفولة، يؤكدون أن الرسومات تأتي عاملًا مساعدًا لهم، يُفيدهم في تحليل شخصية الطفل، ليتعرفوا على معاناته الواقعية، وما يكتنزه خياله، وبماذا يفكر فيه؟
وبينت أن تحليل الرسوم لابد أن يكون الطفل في عمر الـ 5 سنوات إلى الـ 12 سنة، لافتة إلى أنه لا يتم الضغط على الطفل ليرسم، ولكن ينبغي وضع الألوان والأقلام أمامه، ودعوته للرسم، ليتم بعد ذلك تحليلها.
تجربة وابتسامة
وتابعت: "كنت ذات يوم، أحلل رسمة لطفل، لإحدى الأخوات، كان يعاني من العصبية والبكاء المفرط والقلق والخوف، وبعد الاستغراق فيها، همست في أذنيها: طفلك متعلق بشيء ما، لدرجة الإغراق فيه، فضحكت، وقالت: صحيح، إن ولدي، يسمع في كل مرة أكون فيها متعبة، قولي سوف أموت من التعب، ولكني لم أكن أتوقع أن ذلك سيؤثر عليه".
وذكرت أن الأم بعد إدراكها أهمية الكلمات، التي يسمعها الأطفال لتؤثر فيهم، أصبحت تهتم كثيرًا لتصرفاتها، حتى أرسلت لها ذات لحظة، تكسوها البهجة بأن طفلها بدأ يهدأ.
ولفتت إلى أنه من اللطافة بمكان، أن أمها سمعت ردود أفعال الذين قامت بتحليل رسومات أطفالهم والثناء الذي أبدوه على ذلك، لتقوم بإحضار ورقة لترسم عليها، وتنادي: يا بنتي تعالي، قومي بتحليل رسوماتي، وشفتيها تبتسمان، لتخبرها أن تحليل الرسومات، يكون للصغار، ومع إصرار أمها، قامت بتحليل رسوماتها، وهي تتمتم: "كل شيء ولا زعل حلوة اللبن".
واقع وطفولة
وعن نوعية كتابتها الروائية، تجيب "فردان" بأن جذور رواياتها تأتي من واقع المجتمع السعودي بشكل عام، والقطيف بشكل خاص، حيث تختلف كل رواية عن الأخرى تمامًا، مشيرة إلى أن قصص الأطفال والأنشطة المفيدة التي تخصهم، فإنها تأتي العشق في دقائق حياتها، ونبضات قلبها الذي لا تستطيع الابتعاد عنه.
وذكرت أنه صدرت لها ثلاث روايات، جاءت رواية "هو لي وحدي"، الأولى التي صدرت عام ١٤٣٨ هـ، عن دار "أطياف"، لتبزغ في الأفق، وتتحدث عن امرأة لم تتمكن من إتمام دراستها الأكاديمية، لتثير تساؤلًا، مفاده: "هل تستطيع أن تطور من نفسها؟"، لتبدأ أحداث الرواية، بفعلها الدرامي، تحت تأثير الاستفزاز التساؤلي.
واستطردت: "استلهمت الحدث من حياة امرأة، ووضعتها في قالب روائي واقعي، كانت تحب الطبخ، تغذي بطن زوجها، مهملة عقله، مع أنه حاول مرارًا أن يرفعها لمستواه ليتزوج، ولا تزال تظن زواجه من أخرى، يأتي بكونها لم تنجب له طفلًا".
وجاءت رواية "عطر الورود في توحد داوود"، والتي صدرت عام ١٤٤٠هـ، عن دار "أطياف"، لتأتي حالة سردية تتسم بالواقعية، تعنى برحلة أم، ترافق ابنها المصاب باضطراب التوحد.
تقول: "إن عطر الورد فكرتها مختلفة تمامًا في دقائق، كنت أعطي دورات أطفال يكون هناك طفل علامات التوحد موجودة عليه، لكن أمه ترفض الاعتراف بذلك، وكأنه شيء مخجل".
تشير إلى أن بطل روايتها يأتي في شخصية داوود، المصاب بمرض التوحد، لذا أرادت فيها توصيف المعاناة في فهم حالة التوحد، حيث إن أمه لا تعرف عن هذا المرض شيئًا، وليس لديها أي فكر عنه، حينها أصابتها أزمة وتعب نفسي، يشوبه القلق والخوف المستمر والضياع، بعدها استطاعت أن تسترجع عنفوانها، فقامت بدخول دورات ثقافية عن كيفية التعامل مع الطفل المصاب بالتوحد، أيضًا التواصل مع اختصاصية في المستشفى للاستفادة من توجيهاتها، كذلك البحث في المواقع الأجنبية في سبيل أخذ فكرة عن الأعمال المناسب صنعها إلى طفل التوحد بمساعد أختها، التي تتقن اللغة الأجنبية، لتبدأ مرحلة العلاج الفعلية.
وأضافت: "وبعد مرور الوقت، بدأ داوود بالتحسن، ويخرج من القوقعة، التي كان وحيدًا فيها، وها هو متفوق في الأعمال الفنية".
وشددت من خلال روايتها، على أن أطفال التوحد لا يحتاجون فقط للحنان والاهتمام، لكنهم في حاجة ماسة، لمن يتعرف على عالمهم، ويعرف معاناتهم، وكيفية التعامل معهم، وفق ما يقتضيه المرض.
وكانت ثالث رواياتها، رواية "لوني الأسمر"، التي صدرت عام ١٤٤٠هـ، عن دار "روافد"، والتي تتخذ من تحاور نسبة الجمال في نظر الرجل وماهيته، وقالت: "وهنا أسعى إلى توضيح، أن لكل رجل شخصية مختلفة عن الآخر، من خلال بالإفصاح عن حبه".
وبينت من خلال الرواية، أن الحب ليس كلمات فقط، والمرأة الذكية هي التي تعرف كيف تصل إلى قلب الزوج، لا الوقوف على الأطلال، أو قوافل القادمين والمسافرين في حياته.
وفي ذات الأبجدية، ذات لحظة من التفكير، سألت: "لماذا لا أقوم بكتابة رواية أدبية على شكل حلقات، أرسلها على قناة التواصل الاجتماعي "واتساب"، لتصل بيسر وسهولة لكل الفئات العمرية، وتراعي الفوارق الفردية بين القراء، كما كان سابقًا فيما يسمى كتب الجيب، التي بزغت ذات وعي، ليستطيع الشغوف بالقراءة، أن يقرأها في أي مكان".
وعلى أثر استحسانها الفكرة، قامت بكتابة مجموعة من الروايات، لغرض نشرها على الواتساب، في جروب "الأهل والأقارب"، لتبصر بعد فترة من الزمن، أنها انتشرت في أكثر من زاوية، لتعمد إلى وضعها في قنواتها الخاصة في العالم الافتراضي، ليأتي اليوم الذي فيه، تقوم بطباعتها: وهي رواية "زهرتي السمراء"، التي سطرت أحرفها عام 1438م، ذكرت أن إحدى الأخوات طلبت منها كتابة قصة والدتها المتوفاة، بشرط أن روح الكاتب تكون موجودة، لكي لا تعرف الشخصية.
وتتحدث عن الشخصية السمراء، والتفرقة العنصرية، وما تعانيه من بعض الأفراد والمضايقات التي تصلها ممن حولها، منوهة إلى أنها لاقت استحسانًا جميلًا من القراء، بكونها تلامس القيم الإنسانية والإسلامية، أن لون البشرة لا يؤثر على قيمة الإنسان، إنما ما يحمله في ذاته وسلوكه هو ما يقيمه.
وكانت رواية "عذرًا يا أبي" التي كتبتها في عام ١٤٣٩م، تسلط الضوء على غضب الأب وأثره على أفراد الأسرة، والغيرة المفرطة، التي تؤثر سلبيًا على الأبناء، ورواية "أشرقت الشمس" التي نسجتها في عام ١٤٣٩م، تتناول قضية انفصال الوالدين، وأثره على الأطفال.
وجاءت رواية "اشتقت إليك"، التي خطت واقعها بأحرفها في عام ١٤٤٢م، شخصياتها من الواقع، وفي بياض قرطاسها، تمنح القارئ الإجابة عن الأسئلة التي يتم تداولها، مفادها: هل الزواج ينجح إذا كان هناك حب قبل العقد أم لا، وهل نظرة الرجل تختلف عن نظرة المرأة للشخص القادم للزواج، وهل الخلافات العائلية، وعدم رغبة أهل الزوج بالزوجة لها أثر على الزواج؟ لتجيب عنها في أروقة الرواية.
القطيف حُبلى
واختتمت "فردان" حديثها مع «القطيف اليوم»، مؤكدة أن القطيف تحتضن كتابًا رائعين جدًا، وكتاباتهم جدًا جميلة وسلسة، فإنها حُبلى بالمبدعين والمبدعات بمختلف الألوان.
وقالت إن القصة والرواية الأدبية، إذا جاءت لتناقش مشاكلنا الأسرية والاجتماعية والتربوية، وتعانق الثقافة بملء الأفق، وشرفاته في قالبها الأدبي، فإنها ستقدم إنجازًا أدبيًا يلامس القارئ، ليرفع من مستواه وذائقته، ويمنحه الخيارات المنطقية في المشاكل لحلها.
وأضافت: "ينبغي الاهتمام بعالم الطفولة، وتسليط الضوء عليه، فإن الأطفال هم المستقبل، الذي نهتم به الآن، ونصيغه لغد، فيكون الغد الأجمل لنقطف ثماره اليانعات".




