أنا شخص واحد في مجتمع كبير، كأنني قطرة وسط بحر، في هذا المجتمع ترى الصالح والطالح، والأبيض والأسود، والكثير من الأمور المختلفة، فالإنسان مدني بطبعه، اجتماعي بفطرته، يتكيف حسب جماعته ليقضي حاجته، ويسد عجزه، فهو إذاً يندمج في الجماعة ليحيا لا ليموت، ليظهر لا ليغمر، يبحث الفرد في الجماعة عن نفسه، ويندفع إلى الأمام بقوة أنانيته، فالأنانية محوره، ولو جاءت منعكسة الصورة تتلون كالحرباء المتخفية، وذلك يدل على أن الفرد بحاجة لأن يعيش ويؤسس المجتمعات، ولكن الأمر ليس في أن يعيش في المجتمع! بل كيف يعيش في المجتمع!
لقد خلقنا الله لكي نكون خلفاءً له على الارض، جاعلًا بيننا مودة، اذ يقول: (وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، فالأمر يحتاج فقط لـ"تفكر" وإحكام العقل في ذلك، فكم من شخص يبذخ على المجتمع بأمواله، والبعض بوقته، وآخر بالكلمة الطيبة، ولكن من تفكر بأنه وهو جالس في منزله تزداد حسناته وكأنها عداد وقود! ولكن كيف هذا؟
تخيل أنك تعطي شخصاً على حافة الموت حياة وروحاً جديدة، ففي خلال نصف ساعة فقط، بتبرعك بدمك قد أعدت شخصًا مريضًا لعائلته ولمجتمعه، وفي كل مرة يتنفس لك حسنة، وعاش هذا، ومت أنت، وأنت في داخل قبرك ما زالت حسنات تأتيك بسبب إنقاذك إياه، وربما بعد إنقاذك حياته وأنجب أطفالاً، تكون أنت أحد الأسباب في وجوده فيعطيك الله على مدة الأجيال حسنات لا نهائية بـ"شيك مفتوح".
البعض يتذمر لأسباب كثيرة ويضع أسبابًا دينية وسياسية، فيضع إشكالًا دينيًا، أو اجتماعيًا، أو حتى طائفيًا، فلا شيء في الطبيعة يعيش لنفسه، النهر لا يشرب ماءه، والبحر لا يأكل سمكه، والأشجار لا تأكل ثمارها، والشمس لا تُشرق لذاتِها، والزهرة لا تُعبِقُ لنفسِها، وذات الثدي لا تشرب لبنها، فنحن مجتمع محب للخير، والمستوى الاجتماعي مرتفع وذلك بسبب الخدمة الحسينية.
لا شك بأن قيمة المؤمنين الحقيقية عند الله مرتبطة بالإيمان الذي هو مقترن بالعمل الصالح، وما يبذله من خدمة لأخيه الإنسان، من أجل إسعاده، ورسم الابتسامة على شفتيه، وإحياء الأمل في نفسه؛ لكي يكون قادرًا على إصلاح الأرض وتعميرها، كان ذلك الشخص سنيًا، شيعًيا، مسيحيًا، أو حتى يهوديًا، فالنهاية "إما أخ لك في الدين.. أو نظير لك في الخلق" ولو أخبرتكم عن قصص الأصدقاء من مرضى السكلسل والثلاسيما لبكيتم عليهم وحمدتم الله في كل لحظة، فتبرعوا لتنقذوا، وتصحوا، فما الذي يؤخركم؟



