12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

علماؤنا وأدوارهم

موضوعنا ذو شجون متلون الصفحات، بين السطور حساسية نقدية سلبية عمياء عند الكثيرين متى قرأنا بصوت عالٍ نُكتم وإن كان على حساب الحق.
مع ذلك لا أهمية لمثل هذه المعارضة ما دام الطرح يلامس الواقع، والمعني هنا بالخصوص علماء القطيف حفظهم الله كوننا أسرة واحدة وهم ثلاثة:
أولاً: علماء التبعية:
مَن أمضى في الحوزة أكثر من أربعين سنة لكنه لا يزال تبعاً بالمطلق لغيره، يوالي من والاه ويعادي من عاداه دون أسباب، لا يُعارض لا يُناقش حتى فيما يعتقد أنه يحتاج إلى نقاش واستفهام كُمم فوه وأُخرس لسانه، سلم نفسه وقواه الفكرية وأصبح مجرد ناقل لا عالِم "بالطبع لا أعني من يتبع المراجع العظام حفظهم الله ويقلدهم هذا واجب أو يأخذ بفهمٍ وتوضيحٍ مِن العلماء"، أعني من ينقل ما سمع أو قرأ دون فهم أو تمحيص وهم صنفان:
1- جاهل بما هو فيه او اتكالي يهمه الظهور ويكفيه أن يُقال إنه من قوم فلان يقول ويفعل أوامر من يتبع وكأنه زكيٌ مقدسٌ وإليه انقطع علم ما كان ويكون وما هو كائن ولا ينطق عن الهوى.
لا ينظر إلى غيره من العلماء وإن علوا رتبةً، لا يقارن أو يبحث ويطلع ليزداد معرفةً، فضلاً عن أن يأتي بجديد "وَحادي الهوى" أُقفل على فكره ومفاتحه بيد قائده جامداً مستسلماً، مَن هذا حاله ضرره أكثر من نفعه "ما أكثر الضجيج وأقل الحجيج"، نحن نريد حجيجاً لا ضجيجاً. أين حرية الرأي؟ أين دور عمامة أنت لابسها؟
2- تبعي لكنه على فهم ودراية لما يقصد إنما عناداً وتهميشاً لمن يعمل نفعاً في المجتمع وحسداً وحقداً عليهم، ربما من أقرانه تفوقوا عليه وبرزوا في الوسط العلمي، أو لكراهيته لهم وحتى يصل لمبتغاه وهو "تغييبهم"، رأى في المتبوع السفينة التي توصله لوجهته وسلاحاً يصوبه في وجه عدوه المفترض.
"يدور حيث دار الهواء"، يرى أين أصابت فيتحول إلى سُم متفشٍ، وجوده خطر مضاعف على الدين لأنه ربما يصل لإشعال الفتن وتقليد الجهلة لسلوكه المنحرف، ونيله من خصومه بما ليس فيهم، وللأسف لا تزال ساحتنا العلمية زاخرة بأشباهه، نعاني من أفكارهم البائدة البائسة الهدامة، كثرتهم بلاء.
طالما التحقوا بدراسة علوم المذهب ولبسوا شعاره من الواجب عليهم أن يجتهدوا ويغيروا من مواقفهم السلبية حتى تبرز لهم أدوار يُستفاد منها ولو بالقليل ويكونوا مثلاً أعلى وإلا عليهم تغيير وجهتهم.
أحد الإخوة "م. أ. ع. الج" حوزوي غير متفرغ، ولأنه غير معمم ولا يؤم مصلين لا يعرفه إلا المقربون منه، قدّم "بحثاً مختصراً حول عالَم البرزخ" في خمس وثلاثين صفحة استدل فيها بالقرآن الكريم وما رُوي عن أهل البيت "عليهم السلام"، مستعرضاً آراء العلماء الماضين والمعاصرين وأقوالهم، وله أنشطة دينية أخرى ولا يزال على وظيفة عمل لكنها لم تثنه عن ذلك.
في المقابل لا نرى ولا نسمع من بعض المعممين المتفرغين لسنين طوال إنتاجاً علمياً أو عملاً محسوباً أو موقفاً يناسب ما يُظن به وقد مرت عليه عقود حوزوية. إلى متى يا هذا؟
ثانياً: علماء الوسط:
1- مَن يسأل من هو أعلم منه أو دونه ويناقش ويعرض روايات وأقوال من سبق يكون له رأي فيما يُطرح ليخلص في النهاية بنتيجة منقحة بعضها يُعتمد كمصدر لما هو آت من أحداث.
2- وأرقى منه مستوىً مَن استطاع أن يتأقلم مع الجميع على بُعد أفكارهم ومفاهيمهم وحاول أن يؤلف بينهم ولو بشق النفس، تحمل المشاق وركب الصعاب، تلاطمته الأمواج يصارع الرياح العاتية، تحمل النقد الهدام، تصله تهديدات من هنا وهناك لكنه لا يبالي طالما يسعى لهدف سامٍ هو السعي لتوحيد الكلمة ليستفيد ويفيد.
يقدم للمجتمع والدين كل حين، وأين حل أورَق وأزهر وأثمر، هذا هو العالِم حقاً وبين ظهرانينا مَن مثله وإن كانوا قلة نعتز بهم وندعو لهم بالتوفيق.
ثالثاً: علماء مستقلون:-
1-البعض همه النقد الهدام في كل ما يُقال وفي كل وقت على كل عالِم وكاتب أو مصلح فردي وجماعي أو جهة خيرية "بعيداً عن الصح والخطأ"، وقد يتعدى إلى النيل من المرجعيات الدينية مستغلاً عمامته للتصديق بما يقول وما ذاك إلا لفشله الذريع ونقص فيه لا يريح نفسه إلا بتسقيط المعروفين بالصلاح والقائمين على الإصلاح.
وقد يتمادى ويتكلم باسم المذهب على المذاهب الأخرى ليثبت كما يراه شجاعة عَجِزَ غيره أن يقدم عليها لكنه لا أحد يخيفه، يقنع متابعيه أنه الأوحد المدافع عن الحق وليس هو كذلك، وما أكثر لغطهم هؤلاء على الفضائيات المأجورة، هذا مفسد وإن كان معمماً، والأسوأ من الجميع.
2- منهم المجتهد الجاد، كل يوم يوسع دائرة اطلاعه يهمه النقد إن كان إيجاباً أخذ به وإن سلباً تركه وراء ظهره، دون تحامل منه، تهمه الحقيقة يتبعها إلى أن يجدها ليمسك بها ويحاجج إن اعترض عليها منشرح الصدر يقول صدقاً يسند ما يذكر، يبحث عن الفقه ليقارن، يناقش باحترام، ولكن وإن كان لذاته حاضراً لا يفيد العامة مباشرة، ولكن مثل هذا ثروة فكرية علمية تزان به الحوزة ويتقدم به العلم ويُباهى بإنتاجه، ويُستقاد منه ولو على المدى الطويل.
ثقافة اليوم غير الأمس، نبعد عن العواطف، لا نبالغ في التقييم، نحافظ على القيم دون قدسية إلا للمعصومين، نصحح التراث، ومن غير التخلص من كل هذا لا نتقدم ولا ننافس الأمم.


error: المحتوي محمي