في أعقاب الضجة التي أحدثتها الكلمة المتلفزة للسيد كمال الحيدري، حول موقف فقهاء الإمامية من إسلام غير الشيعة، وما رافقها من ردود أفعال، وصدور بيانات وفتاوى مناهضة ومعارضة، كان أبرزها فتوى مرجع الطائفة السيد علي السيستاني (حفظه الله) التي نقلها العلامة السيد منير الخباز (حفظه الله).
لفت نظري موقف لبعض الكتاب تبناه عدد من المغردين في مواقع مختلفة من هذه الفتوى المباركة بوصفهم لها أنها مضحكة ومخجلة وأنها ردة فعل جاءت للترقيع والتجميل ليس إلاّ!
هذا البعض ونتيجة غياب الرؤية لديه، وبُعده عن أجواء الفقه والفقاهة، يتصور أن مواقف الفقهاء الورعين مساوية لمواقف غيرهم ممن لا همّ لهم سوى كسب المواقف وحشد التأييد وتحقيق الفوز بأي ثمن!
ورفعاً للشبهة التي قد تحيط بهذه الفتوى وغيرها أود التنبيه على أمرين:
أولًا: إن الفتوى المباركة لسماحة المرجع الديني السيد علي السيستاني (حفظه الله) ليست جديدة، كما أنها ليست في معرض الرد على هذه الضجة، فتاريخ صدورها سابق لسنوات لما قاله السيد الحيدري، وبالتحديد في العام ٢٠٠٤م، وقد طلبها سماحة السيد منير الخباز (سلمه الله) من المكتب كما أخبرني بذلك، ويمكن الرجوع لبيانات المرجعية للتأكد من ذلك.
ثانياً: الفتاوى والمواقف المباركة للمرجعية العليا لا تمثل ردات فعل على موقف طارئ هنا أو هناك، وليست رأياً متعجلاً مجتثاً من فوق الأرض ما له من قرار!
وإنما هي نتيجة تراكم رؤى وقواعد أُصولية وفقهية ورجالية وعلاجية تمثل في مجموعها الأساس في إصدار الفتوى وتبني المواقف، وهو ما يعبر عنه في المصطلح الحوزوي بـ"المبنى الفقهي" ويراد به "الدليل الذي يلتزم الفقيه به على ما يبتنيه لنفسه من قواعد ومنطلقات يشيّد عليها مواقفه وآراءه من القضايا والأحداث والأفكار، وهي عصارة ما تبنّاه الفقيه من مبانيه التخصصية ذات العلاقة.
وحدهم أولئك الذين يمتلكون ذائقة فقهية يستطيعون أن يميّزوا بين الفتاوى والمواقف الفقهية الرصينة والرزينة والأخرى الشوهاء والخرقاء، وهم القادرون على التمييز بين فتاوى الفقهاء المختلفين دون الرجوع إلى رسائلهم العملية بناء على معرفتهم المسبقة بمبانيهم الفقهية والأصولية والرجالية، وبما يمتلكونه من معرفة ودراية بمباني الفقهاء المختلفين، وهو ما يمثل الآلية العلمية المتخصصة المعتمدة في الوسط الحوزوي لإثبات أو نفي أي موقف أو رأي لفقيه دون الحاجة إلى سبر أغوار الكتب والرسائل العملية ومراجعة البحوث الفقهية والأصولية، بعيداً عن التهريج والتهويل والترويج للدعايات المغرضة والمثيرة التي تهدف إلى النيل من مقام المرجعية وإلصاق التهم الباطلة بها.
غير أن ذلك لا يعني تجمد الفقيه على رؤية لا يحيد عنها ولا يزول، فقد يتغير مبناه في مرحلة من مراحل البحث فيعلن عن المبنى الجديد الذي توزن به آراؤه الفقهية ومواقفه العملية ويعرف القديم منها والمستجد وفق رؤية علمية رصينة وموازين وقواعد واضحة، مما يعني أن الرأي أو الفتوى لا علاقة لهما بموقف مستفِز أو مصلحة آنية أو رغبة في البروز والإثارة وتعكير الأجواء.
إن الرؤية الفقهية والمواقف من الأحداث والقضايا في كل الأحوال يستندان إلى الدليل الشرعي والحجة الشرعية الملزمة للفقيه قبل غيره وبهما دون غيرهما يكون له القول الفصل عند ظهور الفتن، ويستحق التأييد والتسديد من الله (جلّت قدرته) {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}.



